تقرير: مدنيو الموصل يدفعون ضريبة الغارات الخاطئة لـ«التحالف الدولي»

أوضح تقرير صحفي أنه على مدى 3 أشهر من المعارك العنيفة في مدينة الموصل، شمالي العراق، كان المدنيون عرضة لغارات جوية مميتة قال مسؤولون ومراقبون إنها وقعت بطريق الخطأ من طائرات «التحالف الدولي» أثناء تأمينها الغطاء الجوي للقوات العراقية في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».

وبحسب التقرير فإن توجيه أصابع الاتهام إلى «التحالف الدولي» تبدو نتيجة طبيعية، على اعتبار أنها المعنية بالدرجة الأساس بضرب أهداف «الدولة الإسلامية» بالموصل، بينما تتولى الطائرات العراقية في الغالب مهمة تأمين أطراف المدينة ولا سيما من جهة الغرب.

وقال التقرير إن حالات قليلة تلك التي اعترف فيها التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، بسقوط ضحايا في صفوف المدنيين عن طريق الخطأ، في الغارات التي تنفذها طائراته في الموصل أو في مختلف المحافظات بالعراق وسوريا، وتأتي بعد تحقيقات مطولة قد تستغرق أشهرا وقد تقلل من عدد الضحايا، بحسب تقارير إعلامية دولية.

وذكر أنه في 10 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قالت القيادة العسكرية الأمريكية للشرق الأوسط «سنتكوم» في بيان لها، إنه خلال الأشهر الـ12 الماضية، إن الغارات الأمريكية في العراق وسوريا «للأسف تسببت على الأرجح بمقتل 64 مدنيا وإصابة 8 آخرين».

وقال العقيد «جون تي توماس»، المتحدث باسم «سنتكوم» في بيان حينها، إن الغارات المسؤولة عن هذه الخسائر نفذت في ظل الاحترام التام لقوانين الحرب ومع اتخاذ إجراءات وقائية لتفادي سقوط مدنيين، ما يعني أنه لن تكون هناك ضرورة لإجراء مزيد من التحقيقات ولا ستكون هناك ملاحقات.

لكن موقع «airwars.org»، قال إن ألفين و301 مدني على الأقل قتلوا، في غارات جوية لـ«التحالف الدولي» في العراق وسوريا، خلال 894 يوما (حتى منتصف نهار 24 يناير/كانون الثاني الجاري).

وأشار الموقع الذي يضم مجموعة من الصحفيين الذين يقومون برصد الضحايا المدنيين للغارات الجوية لـ«التحالف الدولي» يوما بيوم، إلى أن التحالف أطلق 65 ألف و731 قنبلة وصاروخا خلال 17 ألف و688 غارة جوية في العراق وسوريا.

قلق المدنيين

ووفق التقرير، قال «منتظر الزبيدي» المراقب للشأن الموصلي ومسؤول «منظمة الغد الإنسانية» (غير الحكومية)، إن الغارات الجوية التي تنفذها طائرات «التحالف الدولي»، أصبحت مصدر قلق للأهالي داخل المدينة وخارجها وجميع المعنيين والمهتمين بالشأن الموصلي.

وأضاف أن طيران «التحالف الدولي» ارتكب خلال أقل من أربعة شهور، أخطاء أودت بحياة عشرات المدنيين وتسببت بإعاقة مستديمة لعشرات آخرين لا ذنب لهم”.

وتابع «الزبيدي» أن طائرات «التحالف الدولي» وجهت في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2016، ضرباتها الجوية لثلاثة منازل سكنية في الحي الزراعي شمالي الموصل، ما خلف قتلى وجرحى بين صفوف المدنيين، ولم تمض سوى أيام قليلة حتى عاد طيرانه ليوجه ضرباته نحو منزلين تقطنهما عائلات مدنية في حي المالية بالمحور الشمالي، مشيرا إلى أن جثث الضحايا ما زالت تحت الأنقاض ولم تعرف حصيلتهم.

وأشار «الزبيدي» إلى أنه في 3 يناير/كانون الثاني الجاري، قصفت طائرات التحالف 4 منازل في منطقة الموصل الجديدة، في الجانب الغربي للمدينة، مما أودى بحياة 19 مدنيا وإصابة نحو 42 آخرين إصابات الكثير منهم كانت خطرة للغاية.

ولفت إلى أن طيران التحالف ارتكب في 12 يناير/كانون الثاني الجاري، خطأ آخر عندما وجه صواريخه المدمرة نحو 3 منازل في حي الضباط شرقي الموصل، ما أدى إلى مقتل جميع سكانها، ولم تعرف حصيلة دقيقة بعددهم كون الكثير منهم مازال تحت الأنقاض.

وأوضح أن صعوبة التواصل مع المصادر الطبية والأمنية والمدنية داخل الموصل يعقد من مسألة تحديث حصيلة ضحايا القصف الجوي لطيران التحالف من المدنيين العزل.

وبين «الزبيدي» أن تكرار الأخطاء التي يرتكبها التحالف يدعو إلى القلق ومطالبة الجهات المعنية في التحالف والحكومة العراقية بتوضيح الأمور وتقديم تبريرات مقنعة عن الأسباب التي أدت إلى الوقوع بهذه الأخطاء وراح ضحيتها أبرياء لا ذنب لهم، كذلك يجب تعويض المتضررين من هذه الغارات ماديا ومعنويا.

وبدأ «التحالف الدولي» منذ 9 أغسطس/آب 2014، حملته الجوية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في الموصل وأطرافها، ضمن خطة الهدف منها تدمير قدراته العسكرية.

ومنذ ذلك الحين، شن التحالف مئات الطلعات الجوية الناجحة التي كبدت التنظيم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وتسببت بتراجع مستواه القتالي وخسارته للكثير من الأقضية والنواحي والقرى والمناطق المحيطة بالموصل فضلا عن نصف المدينة.

لكن الغارات الخاطئة تثير غضب الكثيرين من بينهم نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي «نايف الشمري».

وقال «الشمري» إن تكرار الأخطاء يصعب مهمة تحرير الموصل من سيطرة «الدولة الإسلامية»، ويدفع بالمدنيين الذين ما زالوا يقبعون تحت سيطرة التنظيم إلى مقاطعة قوات التحرير وعدم التعاون معها.

ودعا في الوقت ذاته جميع القوات البرية والجوية إلى توخي الدقة والحذر في تنفيذ العمليات العسكرية ضد الدولة الإسلامية لحماية المدنيين والحفاظ على ممتلكاتهم الخاصة والعامة.

وذكر التقرير أن «الشمري»، أوضح أنه سوف يتم تقديم طلب إلى البرلمان العراقي (لم يحدد موعدا لذلك) يتضمن إدراج فقرة مفاتحة قيادة التحالف الدولي بتوضيح الأسباب التي أدت إلى وقوع طائراته في أخطاء، تسببت بضرر للمدنيين العزل في الموصل من أجل التصويت عليها من قبل أعضاء البرلمان.

وبحسب «الشمري» سيتم مخاطبة السفارة الأمريكية في بغداد لمناقشة تلك الحوادث وإيجاد الحلول الناجعة التي تمنع تكرارها في المستقبل، لاسيما خلال معركة تحرير الجانب الغربي للموصل (لم يبدأ بعد) الذي يمتاز اكتظاظه بالسكان وقدم بنائه المعماري.

ويشارك في هجوم استعادة الموصل ائتلاف تسانده الولايات المتحدة يضم 100 ألف من جنود الجيش والقوات الخاصة والشرطة الاتحادية والمقاتلين الأكراد وقوات «الحشد الشعبي» (فصائل شيعية) ضد بضعة آلاف من المسلحين في المدينة.

جدوى الغارات في حرب الشوارع

وقال التقرير إن الفريق أول ركن طيار «ناظم صاحب العطار»، أحد قادة القوة الجوية العراقية، حمل طيران التحالف مسؤولية تلك الأخطاء التي يدفع ثمنها المدنيون العزل في الموصل.

وأوضح أن التحالف يملك التقنية الأولى في العالم أجمع، وقادة طائراته مدربين على مستوى عال جدا، والغارة التي تنفذ تكون بناء على كم هائل من المعلومات الاستخباراتية، ما يثير تكرار الأخطاء الكثير من علامات الاستفهام والتعجب.

وأشار «العطار» إلى عدم جدوى القصف الجوي في حرب الشوارع التي تشهدها الموصل ضد مسلحي التنظيم.

وبين أن عناصر التنظيم يتجولون بين الأزقة وداخل الأحياء المكتظة بالسكان، وأن قصفهم بواسطة الطائرات يزيد من نسبة تعرض المدنيين العزل إلى خطر الإصابة.

ووفق «العطار»، فإن الحل في حرب الشوارع هو دعم القوات المسلحة العراقية البرية بمعلومات استخباراتية، وقصف الأهداف الحيوية للتنظيم بعد التأكد من أنها بعيدة عن المدنيين، وأيضا إجراء إنزال جوي في المناطق الإستراتيجية خلف خط الصد للتنظيم، لبعثرة أوراق التنظيم وقطع خطوط إمداده وإشغاله، وبالتالي سرعة القضاء عليه.

رواية ضحية

وقال تقرير الذي أعدته «وكالة الأناضول» إن «أبو عدنان» أحد الناجين من غارة جوية دمرت منازل مدنيين وأوقعت ضحايا في حي النور، شرقي الموصل: «في صباح الجمعة الموافق 16 ديسمبر/كانون الأول الماضي، كانت الأمور طبيعية حتى اهتزت الأرض تحت أقدامنا بعد صوت مرعب، وبدأ الغبار والدخان يملآن المكان وسط صراخ النساء والأطفال».

وأشار إلى أنه لم يعرف في بداية الأمر ماذا حدث، وكان همه الأول الاطمئنان على عائلته المكونة من 8 أفراد (زوجة وسبعة أبناء).

وتابع: «بعد دقائق عدة خرجت من بين الأنقاض إلى الشارع مسرعا، ففوجئت بأن النهار تحول إلى ليل، وبعض المنازل المجاورة لمنزله باتت ركاما، والنار تلتهم السيارات وتخرج من النوافذ، وأصبح الأمر لا يصدق، والجميع يركض باتجاهات متعاكسة كأنما جاء يوم الحشر، لافتا إلى أنه بعد أقل من ساعة أدركت أنها غارة جوية».

وبحسب التقرير، أثرت ذكريات الحادث على «أبو عدنان»، إلى درجة أدخلته في موجة بكاء شديدة، مؤكدا أن تلك الغارة تسببت بفقدانه اثنين من أولاده الأطفال عندما كانا في فناء المنزل فأصابهما شظايا أودت بحياتهما.

وأوضح أن الغارة تسببت بقتل ما لا يقل عن 18 مدنيا وجرح 7 آخرين، فضلا عن تدمير منازل بالكامل وإلحاق أضرار جسيمة بمنازل أخرى وسيارات مدنية.

وبين «أبو عدنان» أن فقدانه 2 من أبنائه والكثير من أصدقائه وتدمير منزله دفع به إلى مغادرة المدينة على وجه السرعة والتوجه نحو أربيل، مركز إقليم الإدارة الكردية شمالي البلاد، بحثا عن الأمان والحياة لأطفاله الذين عاشوا وسط الخوف والجوع طيلة سنوات.

المصدر | الأناضول