«جاستا»: كارثة لا يزال من الممكن إيقافها

http://thenewkhalij.org/ar/node/47955


ابتهج منتقدو المملكة العربية السعودية، بعدما تجاوز الكونغرس فيتو الرئيس «أوباما» ضد مشروع قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (جاستا). لم تستطع وسائل الإعلام الروسية إخفاء بهجتها بعد التصويت. واستشاطت الرياض غضبًا، بينما احتفت طهران بما حدث. وأصبحت السعودية رغمًا عنها مركزًا للاستقطاب من قبل كل من الرأي العام والسياسات الرسمية العالمية.

لكن تجري الآن لحظة من الهدوء والتأمل في الموقف بين الولايات المتحدة والسعودية.

وكنقطة انطلاق، يمكننا طرح تساؤل: هل السعودية كحكومة، مسؤولة بالفعل عن هجمات 11 سبتمبر/أيلول؟ لكل جريمة دافع. لماذا تشعل السعودية حربًا على أقرب حلفائها، في عام 2001؟ لم تكن هناك صفقة للولايات المتحدة مع إيران. ولم يكن هناك ربيع عربي. لم توجد احتكاكات أو توترات.

لكن السعودية كانت تدعم القاعدة، كما يزعم داعمي قانون «جاستا». وقد دعمت الرياض المجهدين الأفغان في الثمانينات بطلب من الولايات المتحدة، حيث أرادت واشنطن أن تستنزف الروس أثناء احتلالهم لأفغانستان، لذا فقد طلبت من كل حلفائها المساعدة في تسليح المجاهدين وتنظيمهم من أجل مقاومة الجيش السوفييتي. ولا أحد كان يعلم في ذلك الوقت أن إحدى فصائل المجاهدين ستتحول إلى تنظيم القاعدة الذي هاجم الولايات المتحدة فيما بعد.

إذًا لماذا، بدلًا من النظر في المرآة، يتهم الكونغرس السعودية بصناعة القاعدة أو مساعدتها؟ في الحقيقة، لقد جردت السعودية «أسامة بن لادن» من جنسيته السعودية قبل هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وليس معروفًا أن الولايات المتحدة سبق وجردت أحد الإرهابيين الذين ينتمون إليها من جنسيته الأمريكية. وكان «أسامة بن لادن» هو العقل المدبر للهجمات، وربما لو علمت السعودية بأمر رجاله قبل الهجمات لجردتهم أيضًا من جنسياتهم كما جردت زعيمهم.

وهناك عدد لايعد ولا يحصى من مقاطع الفيديو لـ«أسامة بن لادن» يحرض فيها على هجمات تستهدف مناطق عديدة في السعودية. وتم تنفيذ عشرات الهجمات بالفعل، وحرفيًا، قد تم إفشال المئات منها. ويملك جهاز المخابرات الأمريكية «سي آي إيه» سجلا كاملا لهذه الهجمات، ويمكنها أن يظهره للعلن.

ثم يأتي قانون «جاستا». ولا نعلم لماذا استخدم الرئيس «أوباما» الفيتو بدون حساب فرص نجاحه. ولا نعلم أيضًا لماذا لم يجتهد البيت الأبيض في إقناع أعضاء الكونغرس بمساوئ القانون وآثاره السلبية المحتملة على التشريع في الولايات المتحدة وأمنها القومي. ما نعرفه الآن، أنّ هناك جهودا تبذل من أجل عكس التشريع «بعد حدوث الكارثة». وإذا صدقنا أن الرئيس لا يريد لهذا القانون أن يسري، فسنخلص إلا أنّ الإدارة لا يمكنها التخلي عن عادتها بالتحرك متأخرة جدًا في كل مرة.

والآن يبدو أنّ الأعضاء الذين صوتوا لصالح «جاستا» لديهم الآن آراء جديدة. ويقول أهم اثنين من الجمهوريين في الكونغرس أنهما منفتحين لتغيير التشريع. ولكن مع أجازة الـ 6 أسابيع لأعضاء الكونغرس، فسوف يتأجل أي تعديل. وفي هذا الوقت يتهم البيت الأبيض المشرعين بتمرير القانون لإحراز نقاط سياسية.

وصرح رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ «بوب كوركر» للصحافة قائلًا: «أتمنى لو كنت قد ركزت على ذلك في وقت أبكر»، معبرًا عن ندمه بسبب عدم بذل المزيد من الجهد لمنع هذا القانون.

وصرح زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ «ميتش ماكونيل» للصحافة قائلًا: «لقد كان الجميع يدرك من هم المستفيدين المحتملين، لكن أحدًا لم يركز على الآثار السلبية المحتملة على علاقاتنا الدولية، وأظن أنّ كرة الثلج قد بدأت بالتدحرج»، كما أخبر الصحفيين أنه يرى أنّه كان من الأفضل أن يتم مناقشة أية إصلاحات بعد الانتخابات.

وأضاف:«أكره أن ألقي باللائمة كلها على الرئيس أوباما، لكنني أتمنى لو كنا قد تمكنّا من النقاش حول ذلك الأمر قبل ذلك بأسابيع».

لقد أراد بعض الأعضاء، ولاسيما هؤلاء الذين تنتهي ولايتهم هذا العام، إضافة بعض الأسهم لسيرهم في سوق الانتخابات. ثمّ أتت «لحظة الصدمة» عندما أدركوا أنهم يتحملون مسؤولية رئيسية في حماية مصالح بلدهم.

ما يمكن أن يتبع قانون «جاستا» سلبي جدًا. من الممكن رفع قضايا ضد الولايات المتحدة في العراق وليبيا وأفغانستان عن قتلها لمئات الآلاف، والتهديدات التي من الممكن أن تواجه الجنود الأمريكيين والقواعد والشركات الأمريكية في كل مكان. سيتم الطعن على التشريع بعدم دستوريته، لأنّه يتعلق بحكومات دول ذات سيادة، وليس بأشخاص عاديين. سيتم فصل العملة السعودية عن تبعيتها للدولار في خطوة لإنهاء سيطرة الدولار على سوق النفط (روسيا وإيران سعيدتان للحاق بالسعودية في خطوتها بتحرير صفقات النفط من تبعية الدولار). ستبيع الرياض أذونات خزانة أمريكية بقيمة 130 مليار دولار، وربما تقدم على تصفية أشكال أخرى من الاستثمارات. وستسحب السعودية أموالها من البنوك الأمريكية، ويمكن إخبار العديد من الشركات الأمريكية في بلاد عديدة للمغادرة. وهناك قائمة طويلة من الخيارات على الطاولة السعودية الآن.

وإذا تحدثنا بشكل قانوني، فإنّ مشروع القانون ينتهك مبدئا دوليًا يعطي الحصانة الكاملة والشاملة للحكومات. لكن يبدو أنّ إغراءات الظهور وإحراز النقاط السياسية لا يقاوم بين أعضاء الكونغرس.

السعودية، بغض النظر عمّا يعتقده البعض حول سياساتها، هي مركز العالم الإسلامي. وهي موطن أكثر الأماكن قداسة لدى المسلمين. وعلى هذا النحو، لا يمكن قياس مدى تأثيرها بمقدار ما تملك من دبابات وطائرات ودولارات. وفي الوقت الذي يفرض ضرورة مساعدة المملكة في برنامجها الإصلاحي، فإنّ الكونغرس الأمريكي قد تحرك في الاتجاه المضاد لمعاداة العاصمة الحقيقية للعالم الإسلامي.

ونفهم من تحليل رد الفعل السعودي على قانون «جاستا»، أنّ الرياض تعد ردًا حاسمًا واسع النطاق. ويبدو أن السعودية قد بدأ ينفد صبرها مع كل الطعنات القادمة من واشنطن، وينبغي تجربة طريقة أخرى للرد. ووفق آراء الكثيرين، فإننا نشهد أدنى مستوى للعلاقات السعودية الأمريكية. حسنًا، إذا كانت العلاقات بين البلدين قد لامست القاع، مع قليل من الحذر، سيكون هناك طريقة واحدة لدفعها للأعلى. ونأمل أن يتم حل هذا الأمر عاجلًا وليس آجلًا. فالشرق الأوسط كله يحتاج إلى علاقات أفضل بين الولايات المتحدة والسعودية لاحتواء الحرائق المشتعلة في كل مكان.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز — ميدل إيست بريفينج