جمال محمد تقي يكتب: من يملك حق تدمير مصير العراق؟

لا يملك حق تقرير مصير العراق غير شعبه، لا أمريكا ولا إيران ولا الدائرون في فلكهما من القابضين على مقاليد الأمور تحت يافطة قادة المكونات وأحزابهم وميليشياتهم الطائفية والأثنية. صحيح ان العراق اليوم يعج بكل شروط الانفراط والانفلات لكنه من الصحيح أيضا ان هناك عمقا وطنيا ناهضا وهو يتحين الفرصة السانحة لخسف الأرض وسحب البساط من تحت أقدام الضالعين بمشروع تقطيع العراق وقتله.

مسعود البارزاني أحد الذين منحوا نفسهم حق ليس تقرير مصير شخوصهم وعشائرهم، وانما حق تقرير مصير العراق كله وبما ملكت ايمانه نحو إعدام العراق، وذلك باللعب بأوضاعه العامة والخاصة وباستغلال فساد ولا وطنية الآخرين، نحو التصفية الكاملة للجسد العراقي!

البارزاني هو الأبرز والأكثر اصرارا على إضعاف العراق وبعثرة قراره دافعا باتجاه قبول الآخرين الأمر الواقع الذي يريده، والذي يجعل من كل أقرانه متلمسين لمشروعه التفردي بحكم مناطق الأكراد بعد سلخها من جسد العراق، ومن دون ان يقدر هؤلاء الأقران على ردعه. لقد ازدهرت حظوظ مشروع البارزاني بعد حرب الخليج الثانية، خاصة وهو تحت حماية الأمريكان وحلفائهم ضمن ما سمي حينها بالجيب الآمن.

أما بعد حرب الخليج الثالثة واحتلال بغداد واسقاط الدولة التي هزمت مشروعه فقد انفتحت أمامه كل الأبواب الموصدة الداخلية منها والخارجية، داخليا تحطيم مؤسسة الجيش العراقي تماما وجعل من يحل محله أضعف من ان يرفع علم العراق على مرافق ما يسمى بالدولة الاتحادية في مناطق كركوك وخانقين وجلولاء وغيرها من الأراضي العراقية ناهيك عن المراكز الحدودية التي تحد مناطق الإقليم مع تركيا وسوريا وإيران، والغاء عملي لقانون رقم 80 لسنة 1961 والذي سحب 99% من امتياز أراضي التنقيب عن النفط من الشركات النفطية الاحتكارية، والالغاء العملي لقانون تأميم العمليات النفطية من التنقيب والاستخراج والتصدير لسنة 1972، حتى أصبح البارزاني راعيا لعملية خصخصة النفط وعملياته.

بل انه وجماعته أصبحوا من المهربين له، طبعا بالتماهي مع أقرانه في بغداد ولكن كل منهم يسعى لنفسه بانتظار صدور قانون جديد للنفط والغاز يبصم ما هو حاصل في الواقع، الالغاء العملي لقانون رقم 90 لسنة 1975 والخاص بالاصلاح الزراعي في مناطق كردستان والذي جاء خدمة للفلاحين وصغارهم بالضد من هيمنة الاغوات وكولاك الأرض الزراعية في كردستان، علما ان ما يسمى بثورة 11 ايلول/سبتمبر التي قادها البارزاني الأب عام 1961 بالضد من الحكم الوطني أيام الزعيم عبد الكريم قاسم كانت موجهة في الأساس بالضد من قانون الاصلاح الزراعي الذي شرع وقتها.

بمعنى ان تمرده كان خدمة للاقطاع الانعزالي الكردي بحجة المطالبة بالحقوق الكردية، وطرقه على هذه الأبواب الداخلية كان مصحوبا بفتح كل الأبواب والأنفاق والجسور مع كل الدول الصديقة والعدوة للعراق من إيران وحرسها الثوري إلى أمريكا و»سي آي أيه» وإسرائيل وموسادها إلى كل الدول التي تحالفت مع الأمريكان لاحتلال العراق حتى صارت أربيل مرتعا وبازارا للباحثين عن موطئ قدم في الكيان شبه المنفصل، والحرب على «داعش» أعطت للبارزاني زخما جديدا لمسعاه، فاستثمرها جيدا لتكريس نفسه حاكما بأمره. وعلى الرغم من انتهاء فترة ولايته دستوريا لكنه باق في منصبه والدستور إلى زوال وهو الآن يستهلك موضوعة استفتاء الشعب الكردي على استقلال كردستان، وذلك لإلهاء وإحراج خصومه في الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني وحركة التغيير بزعامة نوشيرون مصطفى وهما ينازعانه التسيد والهيمنة.

وأما استثماره لحرب «داعش» عراقيا فكان من خلال تقاسم الدعم المالي والعسكري المقدم للعراق لأجل حرب «داعش»، وفرض مناطق تحرك الجيش العراقي لمحاربة «داعش» كي يتيح لقواته مجال السيطرة العسكرية على عموم أراضي شمال العراق، وليس فقط مناطق إقليم كردستان. لذلك كان له دور مشبوه في عملية سقوط مدينة الموصل بيد «داعش»، وأصبح حاليا هو الراعي الرسمي والحليف لجماعة أثيل النجيفي، وهو يحاول لعب دور الحليف للعرب السنة لتفادي اعتراضهم عندما يتمادى في صراعه مع بغداد، وبهذا الاتجاه كانت تفاهماته مع الأتراك واتفاقاته مع الأمريكان خاصة الأخيرة منها والقاضية بإقامة قواعد عسكرية أمريكية في أربيل ودهوك مقابل تعهد الأمريكان دفع رواتب البيشمركه وتسليح قواته.

اما إيران فما زال البارزاني يتخبط في التعامل معها، فمن ناحية هو يتجنب التصادم مع سياستها نحو الإقليم والعراق بشكل عام خشية قوة نفوذها لكن طبيعة الاصطفافات الجارية تجبره على التناقض معها. فإيران متفاهمة مع خصوم البارزاني القريبين من حدودها في السليمانية تحديدا وطبعا هي حليف إستراتيجي لخصومه في بغداد، وهي لا ترحب بانفتاحه الكلي على تركيا وأمريكا وإسرائيل وتســــتفز من مجاراته للدعم الخليجي المقدم له ومن خلاله لقوى المعارضة الكردية الإيرانية وهذا يفسر التقارب الجاري بين بغداد وجماعة التغيير وجماعة طالباني وزيارة المالكي الأخيرة للسليمانية شاهد على ذلك، وكأن الامور تسير على قاعدة عدو عدوي صديقي.

العراق ليس جمعية سياسية طوعية تنفرط بانفراط عقد أعضائها، للعراق جذور ضاربة بعمق التاريخ وجغرافيته هي طقسه وهي نبت روحه وليست خطوطا رسمها سايكس وبيكو، وشعب العراق بكل أطيافه قد تشرب بهذا الطقس الجمعي. فحين يمنح البارزاني نفسه حق تقرير مصير العراق بكل ما فيه وما ليس فيه، من جغرافية وتاريخ واقتصاد وسياسة وثقافة، يكون قد لفق لذاته فقط ذاتا غير ذاته!

٭ جمال محمد تقي كاتب عراقي

المصدر | القدس العربي