«جورج فريدمان»: المشكلات الكامنة في تحالف كل من تركيا وإيران مع روسيا

قامت تركيا بإرسال قواتها إلى سوريا مؤخرا. دفع هذا روسيا إلى إعلان عدم رضاها عن التوجه التركي. زار نائب الرئيس الأميركي «جو بايدن» تركيا تزامنا مع هذا التحرك. ربما لم يكن المناخ حميميا، ولكنه كان وديا بما فيه الكفاية وخاليا من آثار السموم المنتشرة في الأجواء بين البلدين منذ محاولة الانقلاب. وقد وافق الروس على وقف العمليات من قاعدة همدان الجوية في إيران ولكنهم قد يعودون في مرحلة ما. كان هناك نوع من المعارك السياسية المستعرة في إيران بشأن إعطاء روسيا الإذن في استخدام قاعدة همدان في المقام الأول. ترتبط كل تلك الموضوعات معا في قصة جيوسياسية واحدة.

دعونا نبدأ مع إيران. حافظت إيران على استقلالها لعدة قرون ناجحة في صد نوعين من التهديدات. الأول هو تركيا في العصر العثماني، والثاني هو روسيا سواء في العصر الإمبراطوري أو السوفييتي. كمثال على ذلك، وخلال الحرب العالمية الثانية، ظلت إيران مستقلة رسميا، ولكن تم احتلال بعض مناطقها الشمالية من قبل السوفييت وبعض المناطق الجنوبية من قبل البريطانيين. بعد الحرب، أظهر السوفييت ترددا في مغادرة البلاد. ضغطت الولايات المتحدة على كل من السوفييت والبريطانيين من أجل استعادة الاستقلال الإيراني. كان الأمريكيون يرغبون في تحجيم التوسع السوفيتي وفي تقويض الإمبراطورية البريطانية مما أدى إلى تحاذي المصالح الأمريكية الإيرانية.

زادت الولايات المتحدة قوتها ونفوذها في إيران، قبل أن تأتي الثورة الإسلامية لتمزق هذه العلاقات. أصبحت الولايات المتحدة العدو الرئيسي لإيران، ولكن ليس العدو الأوحد. ظلت إيران حذرة للغاية تجاه الخطط السوفيتية وبخاصة خلال المرحلة الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية. ظلت إيران تتذكر تاريخها الطويل مع روسيا. أما بالنسبة إلى تركيا، فقد كانت ضعيفة في هذه الفترة ولا تمثل تهديدا. كانت إيران معادية للولايات المتحدة وحذرة حول روسيا.

تم دفع الاتفاق النووي الأخير في إيران من قبل الفصائل التي تعتقد أن سياسة العداء التام تجاه الولايات المتحدة ومصالحها تقوض المصالح السياسية والاقتصادية في إيران. عارضت الفصائل الأخرى الصفقة باعتبارها خيانة للمصالح الإيرانية واستسلاما للولايات المتحدة. هذا الفصيل، المتجذر في فيلق الحرس الثوري الإسلامي، حارب وخسر المعركة. ولكنه لم ييأس.

بالنسبة لهذا الفصيل، فإن العداء للولايات المتحدة يمثل أساسا للسياسة الخارجية الإيرانية. في ظل تراجع العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، فإن هؤلاء رأوا أن روسيا تمثل بديلا للولايات المتحدة. الحكومة، التي تفاوضت على الاتفاق، ترى من جانبها أن روسيا تمثل خطرا أكبر على إيران على المدى الطويل، بالنظر إلى قربها الجغرافي وبعد الولايات المتحدة. من أجل ترسيخ الوضع القائم، فإن شخصا ما داخل الحكومة الإيرانية أعطى الروس الإذن باستخدام قاعدة همدان الجوية لأجل لتوجيه ضربات ضد سوريا. وعلى ما يبدو فإن العديدين من أعضاء الحكومة لم يكونوا على علم بما يجري. كان هناك على ما يبدو عدد من الرحلات الجوية من همدان قبل إعلان النبأ. عندما تم إعلان الأنباء، تم إيقاف الرحلات الجوية مباشرة. ومنذ ذلك الحين، اندلعت معركة سياسية في طهران لها أبعاد متعددة، بما في ذلك اشتباك حول من هو المسؤول عن ذلك.

يقع في قلب هذا الصراع الداخلي سؤال حول كيفية مواءمة السياسة الخارجية الإيرانية. نجم تركيا آخذ في الارتفاع وروسيا مشاركة بالفعل في المنطقة. كل منهما يمثل تهديدا محتملا. ويرى البعض في التقارب التركي الروسي فرصة لإيران في الانضمام إلى العلاقة. هؤلاء هم الذين يرون في الولايات المتحدة تهديدا رئيسيا للدول الثلاث وينظرون إلى هذا التحالف كثقل موازن للأمريكيين. وهم لا يرون الكثير من الخطر القادم من روسيا أو تركيا. ليس هناك فصيل موال للولايات المتحدة، ولكن هناك فصيل يرى أن الأتراك هم كابوس إيران التاريخي. هناك لعبة بوكر عالية المستوى تدور حاليا في إيران.

في هذه الأثناء، قامت تركيا بقلب مواقفها مرة أخرى تاركة أنصار التحالف الثلاثي في طهران في مهب الريح. منذ الانقلاب، ظهر أن الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» والرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» لفقا علاقة تبدو غير قابلة للكسر. ولكن هناك أمرين أكدا أن تلك العلاقة ربما لم تكن بتلك القوة التي كانت تأملها روسيا. أولهما هي حقيقة أن روسيا تدعم الرئيس السوري «بشار الأسد»، في حين أن الأتراك هم ألد أعدائه. بعد الكثير من الرقص على الحبل، أصبح من الواضح أن تركيا لن تتحول إلى موقف روسيا بشأن «الأسد»، وبالتالي نشأ خلاف جوهري بين الروس والأتراك. وكان المؤشر الثاني أن تركيا واصلت السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة أنجرليك الجوية. بعد نقاش طويل، تم رفض وصول الروس إلى القاعدة. هذه الأمور أشارت إلى أنه بغض النظر عن الخطابات أو الإيماءات، فإن تركيا لا تعتزم إحداث كسر عميق في علاقاتها مع الولايات المتحدة.

منذ أيام قليلة، توغلت قوات تركية إلى سوريا. تحركت نحو 20 دبابة بعمق بضعة كيلومترات داخل سوريا برفقة بعض القوات الخاصة. كانت هناك غارات جوية وقصف مدفعي أيضا. لم يكن ذلك تحركا كبيرا، ولكن وجه الدلالة أنه تم بالتنسيق مع الولايات المتحدة وليس مع روسيا. وتلا ذلك مؤتمر صحفي بين «بايدن» ورئيس الوزراء التركي «بن علي يلديريم»، ويبدو أن العلاقة الخاصة بين روسيا وتركيا قد استمرت نحو شهر.

مشكلة الأتراك هي ذاتها مشكلة الإيرانيين. الروس هم المنافسون التاريخيون لتركيا في منطقة البحر الأسود ولهم مطامع دائمة في مضيق البوسفور الذي يربط بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط. بالنسبة إلى الروس، فإن الاستيلاء على البوسفور كان بمثابة الكأس المقدسة لسياستهم الخارجية. وهناك المنافسة بين البلدين في القوقاز، والحرب التي تقودها روسيا في سوريا.

تركيا تبرز كقوة كبرى، ولكن ظهورها لم يكتمل حتى الآن. التحالف مع روسيا يتطلب من تركيا تحولا كبيرا في سوريا. عرض الروس تقديم تنازلات في أرمينيا ولكن الروس لا يزالون هم القوة المهيمنة هناك وهم قادرون على عكس تنازلاتهم. الإضافة إلى ذلك، كما هو الحال مع إيران، فإن روسيا قريبة جغرافيا. يجب أن تكون تركيا موازنا لروسيا، وبالتأكيد فإنها حين تقوم بتطوير قوتها الذاتية، فإن الثقل الموازن الوحيد المتاح هو الولايات المتحدة.

ما هو مشترك بين كل ذلك أنه، وبدون الولايات المتحدة، سوف يتعين على كل من إيران تركيا أن تتعامل مع روسيا بمفردها، في حين أن أيا منهما لا تثق أن بإمكانها فعل ذلك. بطرق مختلفة، تحتاج كلا البلدين إلى الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار في مواقعهما السياسية. هناك قدر أكبر من التوافق في الآراء بشأن هذا في تركيا مما عليه الحال في إيران حيث تولد هذه المسألة صراعا داخليا كبيرا على جميع جوانب السياسة الخارجية. يرى البعض الولايات المتحدة كتهديد وحيد، في حين يراها البعض الآخر كتهديد يمكن موازنته.

ومع ذلك، فإنه لا يزال هناك مناقشة حول الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في السياسة الخارجية لكلا البلدين. تبحث تركيا عن توازن يضم الولايات المتحدة ولكنه يحجم تأثيرها في ذات الوقت. في حين تبحث إيران عن توازن لا يزال ينظر فيه إلى الولايات المتحدة كعدو، ولكنها عدو يمكن استخدامه على أي حال لمواجهة الروس.

لوهلة، يبدو أن روسيا تفقد نفوذها في كل من تركيا وإيران. ونظرا للسرعة التي تغير بها تركيا اتجاهاتها في تلك الفترة، فليس هناك ما هو ثابت في الأمر. وبالمثل، فإنها في الوقت الحالي فقدت أحقية استخدام القواعد الإيرانية. كل هذا يمكن أن يتغير. ولكن المنطق الجيوسياسي لا يزال سليما: الحليف البعيد يظل أقل تهديدا من الحليف القريب. ولذلك سوف تظل كل من إيران وتركيا حذرتين للغاية في التعامل مع روسيا. هذا يعني أيضا أن كل منهما سوف يسعى إلى استخدام الولايات المتحدة كقنطرة لتحقيق مصالحها الخاصة. ومن المنتظر أن تفعل الولايات المتحدة الشيء نفسه.

المصدر | جيوبوليتيكال فيوتشرز