«جيوبوليتيكال فيوتشرز»: مصر تفقد مكانتها كقوة إقليمية.. والجيش قد يطيح بـ«السيسي» إذا تأزمت الأمور

بعد أن كانت لوقت طويل مركزًا للثقافة العربية والعالم السياسي، تراجعت قوة مصر وتأثيرها في العقود الأخيرة. ومنذ الربيع العربي عام 2011، والذي قادته الطبقة المتوسطة المتحضرة، تضرّر الوضع الإقليمي للبلاد بشكل أكبر. علاوة على ذلك، تحجّم المشاكل السياسية والاقتصادية الداخلية حاليًا من دور مصر التي كانت لها الهيمنة يومًا ما. ولم تعد القاهرة قادرة على إعالة اقتصادها السياسي الخاص، ولا يبدو أنّ ذلك الوضع سيتحسن في المستقبل القريب. مصر، التي كانت يومًا ما زعيمة العرب واللاعب الرئيسي في الشرق الأوسط، تكافح الآن من أجل الحفاظ على استقرارها الداخلي وذلك، في جزء كبير منه، بسبب اقتصادها المتعثر.

لا تواجه الحكومة الحالية أية تحديات من أي حركات معارضة، وعلى الرغم من ذلك، فالنظام يشكل خطرًا على نفسه. ولعقود، أبقت الجمهورية الاستبدادية المشاكل الاقتصادية المزمنة تحت النظر، ولكن الآن، خرجت الأمور عن السيطرة.

لن تنهار مصر، لكنّها لا يبدو أنّ باستطاعتها تحسين اقتصادها السياسي الداخلي في أي وقت قريب.

مقدمة

ربما لاحظ قراؤنا أننا لا نذكر مصر في القوى الأربعة الكبرى في الشرق الأوسط (تركيا وإسرائيل والسعودية وإيران)، وقد تساءل البعض عن ذلك. ونجد وجاهة في هذا السؤال، فمصر قد شكّلت لوقت طويل الأساس الفكري للعالم العربي، ولا تزال صاحبة الجيش العربي الأكبر (رقم 12 على مستوى العالم). لكنّها تراجعت كثيرًا في العقود الأخيرة بفعل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة، مما أفقدها قدرتها على تشكيل الشرق الأوسط منذ ثمانينات القرن الماضي. وكانت الدولة الاستبدادية تغطي هذا الضعف بالقمع المستمر للمعارضة، لكنّ هذه القشرة قد تحطمت في ثورة 2011.

وبالرغم من أنّ هذه الثورة لم تطح بالنظام الذي يسيطر عليه الجيش، إلا أنّ هذا النظام لم يستطع استعادة الاستقرار، وأصبح يعتمد على دول مجلس التعاون الخليجي الغنية بالنفط لسداد فواتيره.

الصورة الاقتصادية القاتمة

لأجل فهم أسباب تراجع النفوذ المصري، لابد من النظر في وضع الاقتصاد، الذي تدهور كثيرا منذ الانقلاب العسكري الذي قاده الرئيس الحالي «عبد الفتاح السيسي» على «محمد مرسي» أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في مصر. وفي خطوة غير مسبوقة الأسبوع الماضي، نفّذت الحكومة عدة إجراءات وقرارات اقتصادية لتلبية شروط صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار. فقد تم تخفيض قيمة الجنيه المصري من 8.8 جنيه للدولار إلى 13 جنيه للدولار قبل تعويمه. كما تم رفع أسعار الوقود وتقليص الدعم عن بعض السلع الغذائية الرئيسية. وأتت هذه الإجراءات في الوقت الذي لم يستطع فيه المواطنون بعد التأقلم مع زيادة أسعار الكهرباء بنسبة 40%.

وتنفق مصر ما يعادل 10% من الناتج المحلي الإجمالي على الدعم، ويمثل الدعم على الوقود ثلثي تلك القيمة. وبعد تعويم الجنيه، ارتفعت تكاليف استيراد البترول والغاز، وسيكون على المواطنين الآن مواجهة خفض أكبر للدعم وارتفاع للأسعار. وفي غضون ذلك، أبلغ السعوديون مصر الشهر الماضي وقف شحنات نفط كانت قد تم الاتفاق عليها بين البلدين بواقع 700 ألف طن شهريًا لمدة 5 سنوات، بعقد تم تقديره بـ 20 مليار دولار، وقال وزير البترول المصري أنّ المملكة لم تبد سببًا للوقف.

ويزيد من الضغوط الاقتصادية تراجع عائدات السياحة التي كانت المصدر الأول للعائدات في مصر. فقد زار مصر مليون سائح فقط عام 2015، مقارنةً بـ 1.7 مليون عام 2014. كما يمثّل معدل البطالة عاملًا إضافيًا في صورة الاقتصاد القاتمة، حيث يصل معدل البطالبة بين الشباب لـ 30%، وهو ضعف معدل البطالة العام بـ 12.8%، ويصل بين خريجي الجامعة لـ 34%. وبالإضافة إلى ذلك، فقد بلغ معدل التضخم في مصر 15.5% حاليًا. كما تواجه الحكومة عجزًا كبيرًا في الميزانية يصل إلى 12% من الناتج المحلي وعجزًا بقيمة 7% في الحساب الجاري. ومع انخفاض احتياطي النقد الأجنبي ليصل إلى 15.5 مليار دولار قبل ارتفاعه الآن إلى 19 مليار دولار بفعل بعض المساعدات من دول الخليج، تعبر كل تلك الأرقام عن صعوبة إصلاح القاهرة للاقتصاد الوطني.

النظام يشكّل خطرًا على نفسه

ودمّر التراجع الاقتصادي الشديد رأس المال السياسي الذي كان يتمتع به «السيسي» وقت وصوله إلى السلطة عندما قدّم نفسه في صورة المنقذ لمصر من جماعة الإخوان المسلمين (أكبر الجماعات الإسلامية في مصر). ونجحت حكومة السيسي إلى حد كبير في السيطرة على البلاد بقمع أي احتجاجات من قبل أنصار «مرسي»، لكنّ هذا لم يساعد القاهرة في الجانب الاقتصادي. وقد استفاد «السيسي» من الانقسام في البلاد بين الإسلاميين والطوائف العلمانية التي لا تتمتع بشعبية في الأساس، كما استفاد من انقسام الإسلاميين أنفسهم بوجود حزب النور السلفي في جانبه. كما ساعدت التهديدات والهجمات الإرهابية في بعض المناطق «السيسي» في الترويج لفكرة تخويف الشعب من مصير دول مماثلة مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، ونجح في احتواء تلك الهجمات وحصرها في شبه جزيرة سيناء.

ولا يواجه النظام حاليًا أي تهديد من أي حركة سواء كانت سلمية أو مسلحة. لكنّ التهديد الحقيقي يأتي من الداخل، من الأزمات الاقتصادية الكبيرة التي ورثها النظام بعد أن تفاقمت منذ ثورات الربيع العربي عام 2011. كما يواجه النظام العديد من المشاكل الهيكلية لا يمكن حلها على المدى القريب. والعديد من مشاكل مصر هي مشاكل مزمنة، فبالرغم من أنّها تتمتع بتعداد سكاني كبير، إلّا أنّها دولة قليلة الموارد، ويقطن سكانها على شريط النيل الضيق، مما يسبب الكثير من المشاكل المتعلقة بالكثافة السكانية، وهي أمور لا يمكن للحكومة حلّها في وقت قريب. ومنذ بدء الجمهورية المصرية الحديثة منذ الإطاحة بالنظام الملكي وتولي «جمال عبد الناصر» أمور البلاد، حكم مصر دائمًا (باستثناء محمد مرسي لعام واحد) قائد عسكري سمح للجيش، المؤسسة الوحيدة المتماسكة في البلاد حاليًا، بالسيطرة على قطاع عريض من الاقتصاد المصري.

انهيار الزعيم

كان انقلاب عام 1952 ثورة إقليمية مثلما كانت محلية. فقد تبنى «عبد الناصر» خطاب القومية العربية وعمل على نشره في كل البلاد العربية متبنيًا النظام العلماني ضد الملكيات التقليدية بقيادة السعودية. واستطاع «عبد الناصر» الوصول بخطابه عبر شمال أفريقيا وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، واستطاع لفترة قصيرة عمل نظام كونفيدرالي مواحد مع سوريا واليمن الشمالي.

وفي حين منع «عبد الناصر» الجيش كمؤسسة من التدخل في السياسة، إلّا أنّه فشل من إدخال المدنيين في النظام السياسي، وظل ضباط الجيش يسيطرون على النظام بالكامل. وأصبحت مصر دولة قومية يسيطر عليها الشكل القومي العربي، واستطاعت أن تصبح قلبًا للوطن العربي وزعيمة، رغم الهزيمة القاسية في عام 1967 من (إسرائيل) والفشل في الفوز الكامل بحرب أخرى عام 1973 اضطرها للتفاوض حول معاهدة السلام.

ومع اغتيال «السادات»، قاد «حسني مبارك» البلاد عن طريق الحزب الوطني لمدة 30 عامًا من الديكتاتورية التي أثارت الاستياء الواسع في البلاد مما أدرى لاندلاع ثورة 2011. وقام المجلس العسكري بحل الحزب الوطني، لكنّه فشل في إدارة أمور البلاد سياسيًا، أضعف ذلك كثيرا من تأثير ونفوذ مصر في المنطقة، حتى حكمت جماعة الإخوان المسلمين لفترة قصيرة، ورغم أنّ الدستور الذي وضعته الجماعة كان يعطي للجيش صلاحيات واسعة لاسترضاء المؤسسة العسكرية، إلّا أنّ الأطراف السياسية الأخرى عملت على الإطاحة بالجماعة، وتمّ ذلك في انتفاضة شعبية قادتها حركة تمرد في 30 يونيو/ حزيران عام 2013، اضطر معها الجيش إلى إعادة الأمور إلى مرحلة الصفر.

احتجاجات ضد «مرسي» في الذكرى السنوية الأولى لانتخابه

خرج المصريون ضد الرئيس السابق «محمد مرسي» يوم 30 يونيو/ حزيران عام 2013، بعد دعوات من حركة تمرّد تبنتها قوى سياسية وحركات من المجتمع المدني. وعندما أنشأ «السيسي» الحكومة، خلع بدلته العسكرية، ليقدم نفسه في صورة مرشح مدني. وكان يأمل «السيسي» في أن توفر له شعبيته الوقت الكافي للإصلاح الاقتصادي وتحسين الظروف الاقتصادية للمواطنين لكي لا يعودوا مرة أخرى إلى ميدان التحرير.

لكن النظام لم يستطع المواءمة بين الإصلاحات الاقتصادية والظروف الحياتية للمواطنين، في ظل الحاجة لسرعة تلبية شروط صندوق النقد الدولي للحصول على القرض. فقد اعتاد المواطنون الحصول على دعم حكومي على عديد السلع، وربما يتسبب رفع الدعم بشكل كامل في اندلاع أعمال شغب أكثر مما كانت في 2011. وقد اعترف رئيس الوزراء بهذا الخطر عندما أشار خلال مؤتمر صحفي في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني إلى أعمال الشغب التي اندلعت عام 1977.

خاتمة

تعدّ أجواء ما بعد الربيع العربي أكثر تقلبًا واضطرابًا مما كانت عليه قبل أعمال الشغب عام 1977، لكنّ الحكومة مضطرة لتأمين قرض صندوق النقد لمنع تدهور الاقتصاد بشكل أكبر، في ظل عدم استطاعة دول الخليج العربي الاستمرار بتقديم نفس الدعم المالي للنظام المصري في ظل أزمة انهيار أسعار النفط. ولكن إذا اندلعت أعمال احتجاجية واسعة، فربما يصبح «السيسي» كبش فداء للنظام. سيتم الإطاحة بالرئيس، والسماح من جديد بانتخابات ديمقراطية، لمواجهة العاصفة الاقتصادية.

بالإضافة لذلك، تفتقر مصر للموارد اللازمة للتعامل مع القضايا الإقليمية خارج حدودها بالرغم من جيشها الكبير وعدم وجود منافسين خارجيين. فقد تراجعت مصر عن لعب دور كبير في ليبيا المجاورة والتي تعاني من حرب أهلية معقدة، كما تراجع الدور المصري للغاية في القضية الفلسطينية والتي لعبت فيها دورًا رئيسيًا وكبيرًا في الماضي. وبالتالي، فمن المستبعد أن تلعب دورًا في سوريا أو في الحرب ضد «الدولة الإسلامية». وبغض النظر عن كيفية محاولة مصر لتدبر أمرها في مواجهة الأزمة الاقتصادية العميقة، يبدو أنّها ستكتفي بالتركيز على أوضاعها الداخلية لبعض الوقت. علاوة على ذلك، فلن تستطيع استعادة قدرتها على أن تكون مؤثرا رئيسيا في العالم العربي.

المصدر | جيوبوليتيكال فيوتشرز