«ديفيد هيرست»: الهجمة ضد قطر حملة على الربيع العربي.. و«بن سلمان» يتطلع للعرش بمباركة ابنة «ترامب»

بعد فترة قصيرة من إطلاق نيران البنادق الثقيلة لوسائل الإعلام الإماراتية والسعودية على قطر، سوف تسقط الجارة الخليجية في خراب قاتل يجعلها غير قادر على استضافة أي شخص أو أي شيء، ناهيك عن كأس العالم. على الأقل، كانت هذه هي الصورة التي يتخيلها مدبرو الحملة بحماس.

تضخمت المزاعم بشكل هستيري: مولت قطر جميع الإرهابيين؛ ولا يمكن السماح لقطر بتخريب المنطقة. يجب على قطر أن تختار إما دول الخليج أو إيران. وأخيرا، تم تذكير أمير قطر بمصير الرئيس المصري «محمد مرسي».

ولم يكن التهديد بالإطاحة بزعيم دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي صادرا عن جهة أو شخصية مجهولة، ولكنه جاء على لسان الرجل الذي يرعى مصالح السعودية في واشنطن. . وقال «سلمان الأنصاري» رئيس لجنة العلاقات العامة السعودية الأمريكية: «إلى أمير قطر: فيما يتعلق بتوافقك مع حكومة إيران المتطرفة وإساءتك إلى خادم الحرمين، أود أن أذكرك بأن محمد مرسي فعل نفس الشيء تماما قبل أن يتم إسقاطه وسجنه».

يعد هذا قولا مثيرا للاهتمام خاصة حين يتم توجيهه لحليف يوفر قوات لحماية الحدود الجنوبية السعودية مع اليمن (مصر على سبيل المثال لم تفعل ذلك)، أو إلى حكومة سلمت منشقا سياسيا إلى السعودية في نفس اليوم الذي تعرضت فيه للهجوم بأنها مؤيدة لإيران. ومن المثير للاهتمام أيضا، أنه جاء بعد زيارة الملك «سلمان» إلى قطر وقيامه بالرقص مع أميرها.

ولكن ربما لم يعد الملك على دراية بما يفعله نجله ذو الـ31 عاما باسمه.

كان اختراق وكالة أنباء قطر في 24 مايو/أيار مجرد شرارة البداية. في غضون دقائق من الاختراق، نقلت قناتا العربية وسكاي نيوز نص المادة المزيفة. في غضون 20 دقيقة، انطلقت الشبكات في حملة لبث التحليلات والآثار والتعليقات.

ووفقا للسلطات القطرية، فإنه في غضون نصف ساعة فقط من نشر التصريحات، وعلى مدار أقل من 3 ساعات ورغم التوقيت المتأخر، نجحت هذه الشبكات في الوصول إلى 11 ضيفا لإجراء مقابلات على الهواء للتعليق على قصة وقعت في منتصف الليل.

وهناك صدفة غريبة أخرى: كل ذلك سبقه 14 قطعة مختلفة في الصحافة الأمريكية حول خطر الاستقرار الإقليمي الذي تمثله قطر. ويعد هذا أمرا محيرا بالنظر إلى مرور سنوات عديدة منذ أن أزعج أي شخص نفسه بكتابة مقالات رأي حول قطر في وسائل الإعلام الأمريكية.

لذلك من الواضح أن ما حدث كان هجوما مدبرا مع سبق الإصرار.. ما هو أقل وضوحا هو لماذا؟ ولماذا الآن؟

إن دعم قطر للمنفيين السياسيين من العلمانيين والإسلاميين في مصر هو أمر قديم. وقد استضافت الدوحة الزعيم السياسي السابق لحماس «خالد مشعل» منذ مغادرته دمشق. والجزيرة أيضا لها سياسة معروفة، وإن كانت أصبحت اليوم تحت ضغوط متتالية من هذا القبيل ظلا باهتا للشبكة التي غطت الربيع العربي.

وكانت تغطية الجزيرة لزيارة «دونالد ترامب» إلى الرياض، إن وجدت، جديرة بالثناء، وكذلك تغطيتها للحرب في اليمن. يتم فحص كل هذا بعناية حتى لا يزعج السعوديين. فما الذي أثار هذه الهبة بالتحديد؟

الجواب أن هناك العديد من الدوافع المحتملة للقيام بذلك.

الدافع الأول: إنهاء المهمة

الدافع الأول هو أن كلا من «محمد بن سلمان»، ولي ولي العهد السعودي، و«محمد بن زايد»، ولي عهد أبوظبي، يريان أن صعود «ترامب» يمثل فرصة لإنهاء المهمة التي بدأت في يوليو/تموز 2013 عندما تمت الإطاحة بـ«مرسي». إن الثورة المضادة ضد الحكومات المنتخبة بحرية لم تسر على ما يرام. لم تصل مصر إلى حافة الاستقرار رغم مليارات الدولارات التي أنفقت عليها، ولا تزال هناك 3 حكومات مختلفة تتنافس على السلطة في ليبيا. ولا يزال رجل مصر والإمارات «خليفة حفتر» يتعثر في مسيرته إلى طرابلس، في لا يزال الحوثيون يسيطرون على العاصمة اليمنية صنعاء.

كما أن التحالف بين «بن سلمان» و«بن زايد» و«السيسي» لم يصل بعد إلى الاستقرار. يمكن لهؤلاء الرجال أن ينقلبوا على بعضهم البعض مرة أخرى، كما فعلوا عندما اندلعت هبة ناصرية في مصر بشأن قضية تسليم الجزر إلى الرياض. كما يدعم «بن زايد» و«بن سلمان» مجموعات يمنية مختلفة تتنافس للسيطرة على عدن.

لكن هذا التحالف مستقر بما فيه الكفاية لتوحيد الرجال الثلاثة في مهمة مشتركة لسحق جميع الدول العربية المعارضة.

الدافع الثاني: شراء الأمان

الدافع الثاني هو الدافع الشخصي. من خلال شن هجوم على قطر، فإنهم لا يهدفون فقط إلى إسكات المعارضة الخارجية، ولكن القوى الداخلية أيضا. بالنسبة إلى «بن سلمان»، فإن إسكات المعارضة داخل الأسرة المالكة هي خطوة حاسمة يجب أن يقوم بها، قبل أن يتمكن من إزاحة ابن عمه الأكبر سنا، «محمد بن نايف» ولي العهد.

ويعتقد «بن سلمان» و«بن زايد» أنهم يشترون لأنفسهم بوليصة تأمين من خلال ربط أنفسهم بحزم مع عربة «ترامب». ولكن ذلك يعتمد على استكمال «ترامب» لمدته كرئيس، في حين أن الكثيرين في واشنطن ينتظرون الأسبوع المقبل شهادة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق «جيمس كومي» أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية.

تركيا أيضا لا تزال حاضر كمركز إقليمي منافس، على الرغم من أنها بدت أنها لن تصبح كذلك لبضع ساعات في مساء 15 يوليو/تموز الماضي إثر محاولة الانقلاب الفاشلة التي احتفت بها نفس وسائل الإعلام التي تهاجم قطر اليوم.

لذلك سيكون من المنطقي أن نفترض أن أحد حوافز الهجمة الحالية هي الإطاحة بأمير قطر: الرجل الذي مول الثورات الشعبية التي لا يزال السعوديون والإماراتيون يقاتلون ضدها.

الدافع الثالث: إخفاء قطر

والدافع الثالث لمهاجمة قطر يذهب أبعد من ذلك. ترغب هذه القوى في رؤية قطر تختفي كدولة مستقلة. يبدو ذلك أمرا بعيد المنال خاصة في ظل استضافة قطر مقر القيادة المركزية الأمريكية. ويفسر ذلك سبب قيام دولة الإمارات بحملة قوية في واشنطن لنقل القاعدة الأمريكية من قطر.

ولكن التفكير فيما وراء هذه الحملة قد لا يكون له علاقة تذكر بالأحداث التي تحدث في هذا القرن. وظهرت سلسلة من التغريدات من بعض المدونين المعتمدين رسميا في الرياض، قامت بسحب الأحداث إلى الوراء أكثر من مائة عام من خلال الإشارة إلى دور البريطانيين في اختيار عائلة آل ثاني كحكام لهذا الجزء من شبه الجزيرة العربية. وهم يعزون -بشكل جاد- الأزمة الحالية مع قطر إلى اتفاق محمد آل ثاني مع البريطانيين في عام 1868، الذي مهد الطريق للأسرة لفرض سلطتها السياسية على القبائل الأخرى.

وكتبت صحيفة الاقتصادية السعودية أن تقليد نقل السلطة في قطر كان من الأب إلى الابن المفضل، بدلا من الأب إلى الابن الأكبر. وكتبت أيضا أن 400% من عائدات النفط كانت تقسم بين أسرة آل ثاني المالكة.

ويعد التقليب في هذه الأحداث أمرا خطيرا من الناحية العقلية حال قررنا تطبيق نفس هذه القواعد على العائلة المالكة السعودية. أين، على سبيل المثال، كان سيصبح بيت سعود دون تأييد الإمبراطورية البريطانية؟ على بعد طابق واحد فقط من المكان الذي شهد أداء «ترامب» رقصة السيف في متحف الملك عبد العزيز، هناك معرض للصور تظهر فيه فيها امرأة بريطانية بارزة بصحبة مؤسس المملكة نفسه.

تلك المرأة هي «جيرترود بيل»، عالمة الآثار ومتسلقة الجبال والسياسية البريطانية الموهوبة التي لعبت الدور الأبرز في تأسيس العراق، واختيار قادة القبائل المحظيين في شبه الجزيرة العربية.

سافرت «بيل» إلى حائل معقل قبيلة آل رشيد التي كانت تتنافس مع الهاشميين وخلصت إلى أن ابن سعود، الذي كان يبلغ من العمر 40 عاما، كان أفضل رهان، كما وصفت بنفسها في مراسلاتها.

أما بالنسبة لتوزيع الثروة النفطية، فإن المملكة العربية السعودية ليست في وضع يسمح بالمقارنة. ولدى قطر أعلى معدل للدخل في العالم، وهو يفوق بثلاثة أضعاف نظيره السعودي. في قطر، لا توجد تقريبا أي بطالة على الإطلاق، في حين أن معدل البطالة الرسمي في السعودية هو 12%، وبشكل غير رسمي، ربما يصل إلى 25%.

أما عن نقل السلطة إلى الابن المفضل، فإن «محمد بن سلمان» ليس الابن البكر للملك «سلمان» ولكن من الواضح أنه المفضل. وتشاء السماء أن يرتد توجيه مثل هذه التهمة إلى أحد الجيران ليلقي قنبلة على أسوأ ممارسات بيت آل سعود.

المملكة ذات الوجهين

ولم تتغلب السعودية الحديثة على إدمانها للنساء الأجنبيات. إذا كان الملك «عبد العزيز» قد احتاج إلى توصية «جيرترود بيل»، يبدو أن حفيده يحتاج إلى توصية امرأة أجنبية أخرى، هي «إيفانكا ترامب».

حصلت صحيفة الرياض، إحدى أدوات «بن سلمان» في حربه الإعلامية الحالية، على مقابلة حصرية مع «إيفانكا»، حيث كانت المقابلة بسؤال رئيسي واحد: كيف تنظر ابنة ترامب إلى بن سلمان؟

ووصفت «إيفانيكا» ولي ولي العهد أنه نموذج فعال للشباب السعودي والعربي والإسلامي، «لما يتمتع به سموه من صفات القيادة والطموح والمحبة لشعبه وبلده». وأضافت أنه «كاريزمي» أيضا.

وبطبيعة الحال، فإنه لا «بن سلمان»، ولا «إيفانكا» يعدون من نفس عيار أسلافهم، الملك «عبد العزيز» أو «جيرترود بيل». ولكن هناك موضوع مشترك يظهر بين الحادثين اللذين يفصلهما أكثر من مائة عام ألا وهو حاجة الحاكم للحصول على موافقة أجنبية.

غير أن هذا التقدير لا ينطبق على النساء عموما، وعلى الأخص النساء السعوديات. وبينما كانت «إيفانكا» في الصدارة، ظلت النساء السعوديات في الظل.

لم يتغير شيء حقا. إذا كان التعامل مع المرأة حرام في المملكة، يجب أن ينطبق ذلك أيضا على «بيل» و«إيفانكا». أما إذا كان حلالا، فلماذا يجب ألا تكون المرأة السعودية ممثلة على قدم المساواة في هذه التجمعات؟ مرة أخرى، المملكة لديها وجهان، واحد للجمهور الغربي، وآخر للجمهور المحلي.

يبدو «بن سلمان» و«بن زايد» عالقين بقوة في الحقبة الاستعمارية. وهما يعدان من طراز الحكام القبليين، الذين يدفعون مقابل الحماية ويستنزفون موارد المنطقة. بإمكانهما أن يدبرا المكائد والانقلابات، ولكنهما ليسا قادرين على الحكم أو ضمان الاستقرار. وهما لا يملكان رؤية للمنطقة وتتركز أعينهما فقط على البقاء. ولذلك فإنني ما زلت متفائلا من أن الفوضى التي تندلع، سوف تولد في نهاية المطاف دولة عربية جديدة ومستقلة وحديثة.

المصدر | ديفيد هيرست — ميدل إيست آي