د. أسعد عبد الرحمن يكتب: تقـسيم المـنـطقة.. عـوامل مسـاعـدة!

تتواصل اللعبة التفتتية في العالم العربي منذ عقود، فمع وجود مؤسسات غربية (أميركية بريطانية أساساً، وبالتحالف العلني المصلحي المباشر وغير المباشر مع إسرائيل والحركة الصهيونية، تصوغ مخططات وتصورات استراتيجية لتقسيم المنطقة إلى كانتونات عرقية ودينية وطائفية ومذهبية وقبلية، تتواصل اللعبة!

في هذا السياق، يهمنا تبيان أسباب وعوامل نجاح هذه المؤسسات في طرح خطط «فاعلة» لتقسيم منطقة الشرق الأوسط والترويج لهذه الخطط، مع تأكيد أن المؤسسات المشار إليها لا تمارس دورها –غالباً- بالتدخل المباشر، وإنما تتحرك عبر تشكيل «جماعات ضغط» توجه صناع القرار من أجل تحقيق أهدافها بعد تشكيل رأي عام، وبالذات في البرلمانات، مؤيد لفكرة ما أو معارض لها بشكل يتيح التجنيد والتحشيد لدعم ذلك الرأي في مراكز القرار، وهي كثيراً ما تبادر إلى طرح الفكرة، دون أن تتبنى تطبيقها علانية، بل تفعل ذلك من تحت الطاولة وخلف ستائر من الدخان البحثي الإعلامي، فما عوامل وأسباب نجاح المؤسسات آنفة الذكر؟

أولاً، «القابلية للاستعمار»: أي نجاح المستعمر في خلق نموذج من الحياة والفكر، جعل الشعوب تقبل بالحدود التي يرسمها لها، بل وتدافع عنها حتى لا تزول تلك الحدود، وهو أمر ناتج عن إقناع الاستعمار للأفراد المستعمَرين بتفوقه عليهم وعدم قدرتهم على إدارة شؤون حياتهم من دونه، أي بدونيتهم في كل شيء، ومن ثم «إيمانهم» بفشل الفعل الرافض والمقاوم.

ثانياً، «القابلية للتفتيت» ومعاداة التنوع: وهي ترتبط بما هو معروف عالمياً من أن التعددية الثقافية والتنوع العرقي والطائفي، بل والمذهبي هي من سمات التركيبة الديموغرافية لسكان الغالبية من الدول ومن ضمنها الأقطار العربية، لكن للأسف، هذه المواصفات، في شطر واسع من عالمنا العربي، تمثل وسيلة لإثارة الفتنة المجتمعية، مع تنامي المشاعر الإثنية والجهوية والقبلية والدينية والمذهبية داخل الدين الواحد، فبدأت تتكاثر التنظيمات الدينية المتطرفة، وأصبح العنف هو أساس تحقيق فكرها وتأمين وجودها.

ثالثاً: الجمهوريات العربية القطْرية: فما نجم عن واقعها البائس، وما فعلته بالوطن والمواطن، أدى إلى مصادرة للحريات، بل قمع واضطهاد، وتخلف شامل. وبذلك، فإن الدولة القطْرية في «مرحلة الاستقلال»، لم تنجح في بناء المواطنة والولاء للدولة، وبقي الأمر محصوراً في توفير مصالح الفئات الحاكمة، وجاء كل ذلك على حساب المواطنة، في ظل تنامي الشرائح المختلفة لمن اصطلح على تسميتهم «المهمشون» الذين وظفوا في خدمة النظام القطْري أو التطرف، وغالباً بتلقائية ومن دون وعي.

رابعاً: الأيديولوجيات القومية المعطوبة: فقد فشلت هذه الأيديولوجيات في وضع رؤية فكرية واضحة توحد فكر المؤمنين بها، وأصبح من سمات القوميين التفكك والاختلاف بين قومي اشتراكي، وقومي ليبرالي، وقومي علماني في ظل صراعات سياسية حزبية.

خامساً: الشرق الأوسط منطقة في غاية الأهمية للغرب الاستعماري الرأسمالي، ومن كل النواحي، فهي خزينة من المواد الخام الأولية، إذ تحوز أكبر احتياطات النفط الخام في العالم، فضلاً عن كثافة سكانية مؤهلة لأن تكون سوقاً تدر أرباحاً لا يستهان بها، وموقع استراتيجي مهم في إطار تكامل النظام الاستعماري وخاصة التواصل مع مناطق النفوذ في شرق آسيا.

سادساً: بعد زوال الاتحاد السوفييتي، سعت الولايات المتحدة لقيادة العالم، ولهذا احتاجت لمناطق ارتكاز إقليمية في مختلف البقاع، وبالذات في الشرق الأوسط الذي يمتاز بموقع جغرافي مهم في هذا المجال، فيستحيل مثلاً إدارة المعارك في أفغانستان أو العراق من واشنطن أو نيويورك، من دون «توظيف» المنطقة، والعمل على رسم خريطة سياسية تخدم أغراضها العسكرية.

سابعاً: الأمن الإسرائيلي الذي كان وما يزال من أولويات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، فالدولة الصهيونية رأس الحربة الأميركية تشكل امتداداً لسياساتها في المنطقة، وهي مهمة خاصة بعد انقضاء عهد الاستعمار القديم.

كل المخططات الاستعمارية تنبع من غطرسة القوة، حين تتصور دولة ما أنه يمكنها فعل ما تشاء ما دامت موازين القوى في صالحها، وما دامت استعداداتها العسكرية تفوق استعدادات الخصوم، وبالخصوص في ظل التعامل مع الدولة الصهيونية ولوبياتها في دول العالم الغربي، خاصة تلك التي تروج لأفكار وطروحات تخدم المصالح الإسرائيلية وللحركة الصهيونية على حد سواء، وفي طليعتها الطروحات التفتيتية لدول العالم العربي.

إن التقسيمات المروج لها لم تأتِ على أساس خرائط معدة مسبقاً، بل أعدت على أساس وقائع ديموغرافية (دينية وقومية ومذهبية)، وبما أن «تصحيح الحدود الدولية» يتطلب توافقاً لإرادات الشعوب، فمعروف أنه من المستحيل تحقيقه في الوقت الراهن، كان لا بد من سفك الدماء العبثي الراهن وصولاً إلى هذه الغاية!

* د. أسعد عبد الرحمن كاتب ومفكر فلسطيني.

المصدر | الاتحاد الظبيانية