د. السيد ولد أباه يكتب: الحروب الشرق أوسطية الجديدة

من مظاهر التحول البارزة في أزمات المنطقة، تغير نوعي في نمط إدارة الحروب الراهنة التي لم يعد للجيوش التقليدية موقع فيها، بل تتم بين مجموعات مسلحة من نمط فريد لا ينتمي للتصنيفات الكلاسيكية المألوفة: فلا هي بالتشكيلات العسكرية المنظمة التي هي من مكونات الدولة السيادية، ولا هي بالعصابات الخارجة عن الشرعية والقانون باعتبار انهيار العقد السياسي الذي تقوم عليه هوية الدولة، ولا هي بالمجموعات المرتزقة المأجورة حتى ولو كان الكثير من أفرادها من الأجانب الأغراب.

وسواء تعلق الأمر بالوحدات المحاربة في سوريا والعراق من «جند» السلطة الحاكمة (أو من بقاياها) أو بالمعارضات المسلحة، فنحن أمام معادلة جديدة تنتفي فيها التمييزات القانونية التي بلورتها الحداثة في ضبط العنف بين منطق الحرب التي هي صراع بين جيوش منظمة تابعة لدول سيادية، ومنطق الأمن الداخلي الذي يدار وفق تشريعات جنائية لمعاقبة الجريمة.

وإذا كانت «الثورة» من حيث هي حدث استثنائي أقصى تبطل مؤقتاً هذه التمييزات بانتهاكها لمبدأ الشرعية وضوابط النظام العام، فإنها من حيث حالة الإجماع الشعبي (السلمي في الغالب) التي تطبعها، تعتبر لحظة تتعالى على الشرعية القانونية ومؤسسة لهذه الشرعية التي هي في نهاية المطاف وبالضرورة وليدة حالة استثنائية كما بين «كارل شميت».

ما يحدث اليوم في الساحات العربية الملتهبة مغاير لمنطق الثورة، وإنْ كان لا يمكن أن يصنف في منطق الخروج على الشرعية والتمرد الخارج عن القانون. فمن البديهي أن الحالة الطائفية القائمة أضعفت حالة الإجماع الشعبي التي قامت في سوريا عند اندلاع الانتفاضة الثورية قبل خمس سنوات، كما أن الحالة نفسها حدت من بروز يقظة وطنية حقيقية في العراق في مواجهة نظام الحكم المتهم بالفساد السياسي.

كما أن النظامين الحاكمين في بغداد ودمشق لم يعد بالإمكان النظر إليهما من زاوية الدولة الوطنية السيادية المحتكرة لشرعية العنف باعتبار تحولهما إلى نظامين طائفيين محميين خارجياً يستندان في أمنهما وآليتهما الحربية على نمط من المليشيات المسلحة متعددة الجنسيات لا يمكن النظر إليها كجيوش وطنية تقليدية.

لا تختلف وضعية التنظيمات المسلحة الراديكالية عن هذه السمات، والحال أنها في طور التوسع والتمدد، بعد أن أصبحت الحرب النشاط الاقتصادي الوحيد المتاح وعامل الحركية الاجتماعية الأساسي، خصوصاً بعد غلق باب الهجرة الخارجية، وتحول مخيمات اللاجئين إلى مراكز لاستكتاب المقاتلين من الشباب الذي لم توفر له أي فرص للاندماج الاجتماعي.

في دراسة سوسيولوجية حول المنضوين في عصابات «بوكو حرام» في غرب أفريقيا، تبين أن المنخرطين في التنظيم الإرهابي ليس لهم في الغالب ميول دينية، بل هم بالأساس من يتامى الهجرة الليبية الذين كانت أسواق العمالة في العهد القذافي تستقطبهم أو من الناجين من قوارب الموت الحاملة للمهاجرين السريين إلى أوروبا الذين لم يعد لهم أفق للعيش والاعتراف خارج الحركات الراديكالية العنيفة.

ورغم اختلاف الوضع في البلدان الغربية التي تعاني تسارع وتيرة الإرهاب العنيف، فمن الجلي أن المدونة القانونية والتشريعية في هذه الدول تعاني خللاً جلياً في تصور وضبط ظواهر العنف الجديدة التي أبطلت ثنائية الحرب والأمن الداخلي، ومن هنا ندرك غموض مقولة «الحرب على الإرهاب» التي تجمع بين منظورين قانونيين متمايزين ما دام الإرهاب على فظاعته داخلاً في صنف الجرائم الجنائية التي هي من مشمولات القضاء والشرطة، وما دامت المواجهة لا تتم مع جيش نظامي تابع لدولة سيادية.

لقد شكلت حالة «غوانتنامو» بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 مظهراً مأساوياً لهذه المعادلة الجديدة الخارجة عن التحديدات القانونية، وهي على فظاعتها حالة مرشحة للاستمرار في مظاهر جديدة، بينما تتعدد الدعوات إلى إبداع آليات قانونية جديدة للتعامل مع ظواهر العنف الجديدة.

بيد أن المشكلة المطروحة هنا هي أن هذه التشريعات المطلوبة، وإنْ أُريد لها أن تكون استثنائية وخاصة، توشك أن تتحول إلى إحدى الأدوات العادية للسياسات الأمنية للدولة بما يعرض المكاسب الليبرالية للدولة الحديثة للخطر، فتنتفي الحدود بينها والأنظمة والتنظيمات الشمولية التي تحاربها، بما يعزز عملياً مسببات ودوافع الإرهاب الراديكالي العنيف.