د. حسن مدن يكتب: «العـروة الوثـقى» عـبر الهـند

تحدثنا هنا أكثر من مرة عن الدور الذي لعبته الهند كوسيط ثقافي بين القلب العربي في مصر وبلاد الشام وبين إقليم الخليج العربي الذي كان في عزلة مطبقة عن فضائه العربي بسبب الهيمنة البريطانية، حيث كانت الدوريات التنويرية العربية لا تصل مباشرة إلى الخليج من أماكن طباعتها في مصر أو الشام، وإنما تتسلل نسخ من أعدادها إلى مدينة بومباي الهندية حيث يقيم أفراد النخبة التجارية الخليجية الذين كانوا على قدر من الاطلاع والتفتح والطموح، وبدورهم كانوا يمررون هذه النسخ إلى الشغوفين بالمعرفة في بلدان الخليج.

من أولى المجلات الإصلاحية العربية مجلة «العروة الوثقى» التي أصدرها في باريس قطبا الثورة على الاستبداد الإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، فبعد أن أحكم الإنجليز قبضتهم على مصر سنة 1882 قاموا بنفي الأول إلى بيروت، فاستدعاه جمال الدين الأفغاني إلى باريس حيث كان يقيم وقتذاك، وهناك قرر الرجلان إصدار «العروة الوثقى» كمنبر مقاوم للاستعمار وداعٍ إلى التجديد الديني والنهضة الفكرية.

صدر العدد الأول من المجلة في 13 مارس/آذار 1884، ولخص الإمام محمد عبده أهم أهدافها في خطاب أرسله إلى صديقه الشاعر الإنجليزي ولفرد بلنت، وهي «صون استقلال الشعوب الشرقية من عدوان الدول الغربية، وإقلاق بال الحكومة الإنجليزية؛ حتى ترجع عن أعمالها المثيرة لخواطر المسلمين». لكن لم يصدر من المجلة سوى ثمانية عشر عدداً، بسبب ما اعترضها من معوقات، من بينها مصادرة أعدادها في عدة دول إسلامية وأجنبية.

رغم مضايقة الإنجليز كانت نسخ من «العروة الوثقى» تصل إلى بومباي حيث تتلقفها أيادي تجار اللؤلؤ الخليجيين المقيمين في المدينة، ثم «يعودون إلى بلدانهم وفي رحالهم بعض ما حصلوا عليه من أعدادها»، على نحو ما عبّر المؤرخ الراحل مبارك الخاطر.

توقفت المجلة إلا أن النسخ النادرة من أعدادها ظلت قيد التداول في البحرين وفي بلدان الخليج الأخرى يستزيد منها الراغبون في المعرفة، حتى اهترأت أو ضاعت، ولكن بعد أن أدت دورها في قدح شرارة الفكر في العقول.

كُتبت لهذه المجلة حياة جديدة في المنطقة، حين حمل طالب بحريني أزهري هو الشيخ ابن مهزع أعدادها الثمانية عشر، قبل أن يضمها في مجلد واحد، وعلى هذا المجلد بالذات تعاقب كثير من شباب البحرين المثقف آنذاك.

سيغدو الاطلاع على هذه الأعداد جسراً أوصل هؤلاء إلى متابعة ما تلا «العروة الوثقى» من مجلات نهضوية، تنويرية مثل «المقتطف» و«الهلال» و«المنار»، حيث لم يكتفوا بقراءتها، وإنما انتقلوا إلى محاورتها، إن كان بالأسئلة أو بالتعليقات على ما تنشره.

* د. حـسـن مـدن كاتب من البحرين

المصدر | الخليج — الشارقة