د. حسن مدن يكتب: رسالة الأسرى للقـيادة

لا نتحدث هنا عن رسالة كتبها الأسرى الفلسطينيون الأبطال المضربون عن الطعام في «معركة الأمعاء الخاوية» المستمرة بصمود، إلى القيادات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، يطالبونها فيها بأن تنهي حال الانقسام القائمة بين «سلطتين» لا يملك أفرادهما حرية الحركة حتى في المربعات القليلة التي يفترض أن سلطتيهما قائمتان عليها، وإنما نتحدث عن رسالة أبلغ وأوقع، يمثلها الإضراب نفسه، بشعار: «ماء وملح» الذي اختاره الأسرى عنواناً لإضرابهم عن الطعام.

«رسالة» هؤلاء الأسرى بليغة في تذكيرها للقادة الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي القطاع، على حدٍ سواء، بأن القضية الوطنية للشعب الفلسطيني ما زالت ماثلة دون حل، بل إنها اليوم في واحدة من أكثر مراحلها حرجاً ودقة، وإن الجهود يجب أن تنصب على التصدي لمهام النضال الوطني الفلسطيني لا على التنازع على امتيازات سلطات لن تدوم، لأنها لا تملك، أساساً، مقومات البقاء أمام همجية عدو يعمل على قضم الأراضي الفلسطينية مربعاً بعد مربع، وقطع الطريق بوجه أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية يعتد بسيادتها.

في الحال الفلسطينية لا يصح إدارة الأمور بمنطق سلطة على دولة غير قائمة، ولا أفق منظوراً لقيامها، وإنما بمنطق قيادة حركة تحرر وطني، عليها توفير مستلزمات النضال والصمود بوجه المحتل، وبلوغ ما ضحى ويضحي الفلسطينيون من أجله عبر أجيال، وما زالت الأمهات يلدن شباناً وشابات مستعدين للتضحية ومواصلة المسيرة، لكن ما ينقصهم هو القيادة التي تنذر نفسها ووقتها وجهدها كي تقود النضال، لا لكي تدير سلطة لا حول ولا قوة لها إذا ما جرى الحديث عن الملفات المتصلة بالسيادة والاستقلال والتنمية.

حين تنشر هذه السطور يكون الزعيم الفلسطيني محمود عباس قد التقى بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط مؤشرات على أنه لا نتائج يعول عليها ستنجم عن هذا اللقاء، أمام إيغال ترامب في الانحياز لأجندة نتنياهو في الاستيطان وضم القدس إلى الكيان، ما يبدد بقايا الأوهام حول تحريك منتظر للملف الفلسطيني دولياً، في لحظة تنهار فيها الحال الصحية للأسرى المضربين، حد وفاة بعضهم، مما استنهض هبّة شعبية فلسطينية في الأراضي المحتلة، يعول عليها في إعادة الزخم للنضال الوطني الفلسطيني، ولفت أنظار الرأي العام العالمي مجدداً للغطرسة الصهيونية، سواء برفض مطالب المضربين، أو التمادي في الاستيطان، واستمرار الحصار على غزة.

على مثل هذه الهبة الشعبية يجب أن تراهن القيادة الفلسطينية، وعلى تطويرها وتوسيع نطاقها يجب أن تعمل، وأن تكف عن الجري وراء سراب «الحل»، ومثل هذا الرهان يتطلب، في مقدمة ما يتطلب، إنهاء حال الانقسام الراهنة.

* د. حسن مدن كاتب من البحرين

المصدر | الخليج — الشارقة