د. حسن نافعة يكتب: الارتماء في أحضان (إسرائيل) ليس حلا

شواهد عديدة تدل على أن العلاقات بين مصر وإسرائيل نمت بشكل مضطرد خلال العامين الماضيين، وأنها ربما تكون فى طريقها للانتقال من مرحلة «التعاون» إلى مرحلة «التحالف». من هذه الشواهد:
1ــ موافقة إسرائيل على تجاوز مصر للترتيبات الأمنية المنصوص عليها فى معاهدة السلام التى تربط بين البلدين منذ عام 1979، والسماح لها بوجود قوات مسلحة مصرية فى سيناء، خاصة فى المنطقة «ج» المتاخمة للحدود بين البلدين، أكثر عددا وأقوى تسليحا مما هو منصوص عليه فى تلك الترتيبات.

2ــ وصول التنسيق الأمنى بين البلدين إلى مرحلة غير مسبوقة، خاصة عقب انضمام الجماعات الإرهابية الموجودة فى سيناء إلى «داعش» وقيامها بإعلان سيناء «ولاية» تابعة للدولة الإسلامية فى العراق والشام.

3ــ تعيين سفير إسرائيلى جديد بالقاهرة، وعودة السفير المصرى إلى تل أبيب بعد فترة انقطاع طالت لسنوات.

4ــ إعلان الرئيس عبدالفتاح السيسى عن «مبادرة» جديدة لإحياء عملية السلام، عبَر فيها عن استعداد مصر لإقامة «سلام دافئ» مع إسرائيل، وللمساهمة فى أى ترتيبات أمنية، قد تكون مطلوبة للتوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية.

5ــ قيام وزير خارجية مصر بعد أسابيع قليلة من الإعلان عن هذه المبادرة بزيارة رسمية لإسرائيل هى الأولى من نوعها منذ عام 2007.

فى تفسيرى لدلالة هذه الزيارة، قلت فى مقال نشرته صحيفة الحياة اللندنية تحت عنوان «زيارة شكرى لإسرائيل فى ميزان الاستراتيجية المصرية» (الأربعاء 20/7): «يبدو أن بعض النخب الحاكمة فى العالم العربى تعتقد أن المنطقة مقبلة على انهيارات جديدة، وأن إسرائيل أصبحت هى طوق النجاة الوحيد المتاح وتعتقد أنه لم يعد أمامها من سبيل لإنقاذ مصالحها سوى بإعادة النظر فى نمط العلاقة القائم حاليا بين الدول العربية وإسرائيل والعمل على نقل هذا النمط تدريجيا من الطابع الصراعى أو الحيادى الذى يتسم به حاليا إلى الطابع التعاونى المنشود، ويا حبذا لو أمكن الوصول به إلى نوع من التحالف النشط فى مواجهة ما تمثله إيران والجماعات الإرهابية من تهديدات مشتركة».

لكن يبدو أننى كنت حذرا أكثر من اللازم فى اختيار كلماتى. ففى مقال نشرته جريدة «الشروق» المصرية يوم السبت 30 يوليو 2016 بعنوان «التطبيع والسلام المصرى الجديد مع إسرائيل».

طالب الدكتور طارق فهمى، رئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية فى «المركز القومى لدراسات الشرق الأوسط»، ليس فقط بتطوير العلاقات المصرية الإسرائيلية وعدم قصرها على النواحى الأمنية أو على «التطبيع» بمعناه التقليدى وإنما بإعادة هيكلتها من جديد والعمل على نقلها من مستوى التعاون النمطى إلى مستوى التحالف الاستراتيجى. بل ويؤكد على أن الوصول بالعلاقات المصرية الإسرائيلية إلى هذا المستوى الرفيع ليس فقط أمرا ممكنا وقابلا للتحقيق وإنما هدف يستحق أن نسعى إليه وأن نعمل على تحقيقه بكل السبل الممكنة، لأنه يحقق مصلحة مصرية مؤكدة.

وللتدليل على صحة هذا الاستنتاج يسوق لنا حجج عدة، أهمها:

1ــ إن إسرائيل تمسك بمفتاح العلاقة مع الولايات المتحدة وتتحكم فيها، وبالتالى يصعب تطوير العلاقة مع الولايات المتحدة إلا برضاها ومن خلالها.

2ــ إنها دولة مدنية حديثة متقدمة علميا وتكنولوجيا واقتصاديا، وبالتالى لديها ما تقدمه لمصر فى مجالات عديدة.

3ــ إن النجاح فى التوصل إلى صيغة لعلاقة خاصة مع إسرائيل يساعد مصر على التمتع بهامش أوسع من الحركة والقدرة على المناورة وبالتالى يمكنها من القيام بدور أكبر وأكثر تأثيرا على الصعيدين الإقليمى والعالمى يمكن توظيفه لصالح مصر.

لا يحتوى هذا المقال، فى تقديرى، على أى جديد يستحق التوقف عنده أو مقارعته حجة بحجة. فالأفكار التى يتضمنها ليست جديدة وهى ذات الأفكار التى سبق للرئيس السادات أن روَج لها لتبرير زيارته للقدس ولإبرام معاهدة سلام منفصلة مع إسرائيل.

كانت أحد الأسباب الرئيسية التى عجلت بانهيار النظام العربى وتمكين إسرائيل من التحول إلى قوة عظمى فى المنطقة رغم نجاح جيش مصر العظيم فى تعريتها فى حرب أكتوبر لعام 1973، وبالتالى فى تحجيمها ووضعها فى مكانها الصحيح. هى إذن أفكار تم اختبارها وتبين من خلال وضعها موضع التطبيق الفعلى، إنها ليست أفكارا خاطئة فقط لكنها خطرة ومضللة فى الوقت نفسه.

ويكفى أن نتذكر أن السادات كان قد وعد شعب مصر، حين أقدم على زيارة القدس دون تنسيق مسبق مع حلفائه فى حرب أكتوبر، بأنهار من عسل مصفى وباستقرار وازدهار لم يشهد لهما مثيل فى تاريخه.

اليوم، وبعد ما يقرب من 40 عاما على تلك الزيارة المشؤومة، تشير تقارير الحكومة المصرية نفسها، وآخرها إحصاءات عن الفقر نشرها الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن أكثر من 28% من مواطنيها يعيشون تحت خط الفقر، وأن نسبة من يعيشون تحت هذا الخط فى بعض مناطق الصعيد وصلت الآن إلى ما يقرب من 60%.

الغريب أن صاحب المقال الذى يدعو إلى إقامة علاقة تحالف استراتيجى بين مصر وإسرائيل، يتهم النخب المصرية، خاصة النخبة المعارضة للتطبيع، بأنها ليست على دراية كافية بما يجرى فى إسرائيل، ومن ثم يطالبها ببذل مزيد من الجهد لفهم وتتبع ما يجرى فى هذه الدولة.

رغم تقديرى للكاتب الذى لا أشك مطلقا فى دوافعه، فإننى أعتقد أن المتابعة الواعية لما يجرى فى إسرائيل لا ينبغى أن تقتصر على قراءة برامج الأحزاب السياسية أو التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات والأبحاث ومؤسسات التفكير الاستراتيجى فى إسرائيل، وإنما يجب ربط هذه القراءة بفهم وإدراك واعيين لطبيعة وأهداف المشروع الصهيونى، لمعرفة ما إذا كانت هذه الطبيعة العنصرية والتوسعية والعدوانية تسمح لمصر بتحديد مساحة لمنطقة مصالح مشتركة مع إسرائيل، للعمل معا على تحقيق الأمن والاستقرار فى المنطقة.

قراءاتى الخاصة للتقارب الحالى بين مصر وإسرائيل، تشير إلى أنه يسير فى اتجاه واحد، أى أنه تقارب ناجم عن إحساس النظام الحاكم فى مصر بحاجته إلى إسرائيل وليس العكس. ولأن إسرائيل لم ولن تقدم خدمات مجانية لأحد، فمن المتوقع أن تطلب فى مقابل ما تقدمه للآخرين أثمانا باهظة، أظن أنها ستكون كارثية بالنسبة لمصر ولن تقل خطورة عن الأثمان التى دفعتها فى عهد السادات.

فإسرائيل تعتقد أن النظام الذى يحكم مصر حاليا يحتاج لها لتحسين علاقته بالولايات المتحدة وبالدول الغربية عموما، ولمعاونته فى حربه ضد الجماعات الإرهابية فى سيناء شرقا وفى ليبيا غربا، ولتليين موقف إثيوبيا فى الصراع معها حول الفترة الزمنية اللازمة لملء خزان سد النهضة.. إلخ.

وإسرائيل تبدو اليوم جاهزة ومستعدة لتقديم يد العون لإخراج مصر من هذه الأزمات، رغم أنها كانت أحد مسبباتها، لكنها سوف تطلب من مصر فى المقابل مساعدتها فى الجهود التى تبذلها لتعديل المبادرة العربية التى تبنتها القمة العربية فى بيروت عام 2002، والتى تستهدف من ورائها إسقاط البنود الخاصة باللاجئين الفلسطينيين والقدس والجولان، وفى تطبيع علاقتها بالدول العربية، خاصة الدول الخليجية، بمجرد إعلان إسرائيل قبولها من حيث المبدأ للمبادرة العربية المعدلة، وبدء مفاوضات مع السلطة الفلسطينية، ولإزالة أى بند يتعلق باشتراط ربط التطبيع بالانسحاب الفعلى من الأراضى العربية المحتلة بعد 67 أو بإقامة الدولة الفلسطينية.

وهذا ثمن باهظ لا ينبغي لمصر أن تقبله أبدا لأنه لن يؤدى إلى استقرار المنطقة، وإنما إلى مزيد من الحروب الأهلية فيها، وربما يساعد على اندلاع حرب مع إيران تأمل إسرائيل أن تشارك فيها جنبا إلى جانب مع الدول «السنية» الرئيسية فى المنطقة.

لا يجادل أحد فى أن مصر تعيش حاليا مرحلة عصيبة من تاريخها الممتد وتمر بأزمة يعتقد البعض أنها اقتصادية فى المقام الأول. غير أنها فى تقديرى أزمة شاملة لا تشكل الأزمة الاقتصادية سوى أحد عوارضها وليس مسبباتها. لذا فإن الخروج من هذه الأزمة لا يكون بالارتماء فى أحضان إسرائيل، أو أى قوة دولية أخرى، وإنما يتطلب أولا وقبل كل شىء رؤية سياسية جديدة محورها الأساسى الاعتماد على النفس وعلى قوى مصر الذاتية، وإجراء مصالحة وطنية شاملة، وبناء نظام سياسى جديد يشارك فيه الجميع ولا يستبعد أو يهمَش سوى القوى التى تحمل السلاح ضد الدولة والمجتمع والقوى التى تبرر التطرف أو تساعد على إشعال الفتن الطائفية.

لقد جرب السادات من قبل «سياسة الهروب إلى الأمام» عقب انتفاضة الخبز فى يناير عام 1977 التى هتفت خلالها الجماهير ضده وطالبت بإسقاطه. ولأن السادات كان يرى نفسه بطلا لحرب أكتوبر، وبدا عاجزا عن إدراك حجم الأخطاء والخطايا التى ارتكبها فى إدارة المعركة السياسية التى كان يتعين خوضها فى أعقاب تلك الحرب المجيدة.

لم يتصور السادات أبدا أن الجماهير يمكن أن تهتف ضده يوما، فقرر الهروب إلى الأمام بزيارة القدس والتى كانت قرار السادات المغامر، أو حتى المقامر، وليس السادات رجل الدولة المسئول، لذا كان الحصاد مرا. هذا هو الدرس الذى يتعين على القيادة السياسية أن تعيه حتى لا تغامر مرة أخرى بمستقبل مصر بالتحالف مع إسرائيل. فمصر بدون عمقها العربى والإسلامى لا تساوى شيئا.

* د. حسن نافعة — أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

المصدر | الشروق المصرية