د. سلوى دماج تكتب: اليمن .. الأزمة الإنسانية والتسوية البعيدة

طالع المقال على الموقع الأصلي

اجتاح الحوثيون صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014، ثم تمدّدوا إلى وسط اليمن وجنوبه، حيث العاصمة المؤقتة عدن، قبل أن تبدأ عملية عسكرية لدعم شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي بتحالف عربي تقوده السعودية.

وبعد مرور أكثر من عام ونصف العام على اشتعال المعارك، وتوسّع المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الرئيس هادي، وتحسن الوضع الأمني فيها، خصوصا طرد القاعدة والجهاديين من المكلا عاصمة حضرموت ومدن محافظة أبين، وفتح جبهات جديدة ضد قوات الحوثيين والمخلوع علي عبدالله صالح في صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، وإحراز القوات الحكومية، بدعم من التحالف السعودي العربي، تقدماً مهماً في الجبهة الجديدة في صعدة.

رغم ذلك، إلا أن الحرب قد دخلت في مرحلة المراوحة في مكانها، فبعد شهور من اقتراب خطوط جبهة المعارك من العاصمة صنعاء، ما من مؤشّر على اقتراب أي عملية عسكرية من تغيير المعادلة الحالية، أو استعادة العاصمة من الحوثيين وصالح. وقبل أيام، أدى قصف طيران التحالف صالة عزاء آل الرويشان في صنعاء إلى مذبحةٍ راح ضحيتها نحو 150 قتيلا، وأكثر من 500 جريح ومصاب.

من القتلى شخصيات سياسية وعسكرية كبيرة ومؤثرة، مثل الوزير وأمين العاصمة في صفوف صالح والحوثي، عبدالقادر هلال، والمعروف عنه احتفاظه بعلاقات مع جميع الأطراف والقوى اليمنية، واللواء علي الجائفي قائد قوات الاحتياط (الحرس الجمهوري سابقاً)، أكبر القطاعات العسكرية وأقواها تسليحاً في الجيش اليمني، وكان يقودها أحمد علي عبدالله صالح، ابن الرئيس السابق صالح، وعديد القادة العسكريين الكبار ومشايخ قبائل.

ألقت هذه العملية، والتي حازت إدانات واسعة داخلية وخارجية، بمزيد من الضغوط على قوات التحالف وطيرانه التي يحدث أنها لا تراعي سلامة المدنيين، وسبق أن ارتكبت عمليات يمكن تصنيفها جرائم حرب، حسب منظمات دولية، مثل منظمة العفو الدولية.

وإذا كان القصف قد طال عزاء لقبيلة خولان التي تعد، بفروعها السبع، كبرى القبائل اليمنية حول العاصمة صنعاء، وتمتد أراضيها من مناطق القتال في صرواح مأرب، وفي البيضاء إلى ضواحي العاصمة صنعاء، مشكلة إحدى الطرق الأساسية للقوات الحكومية في مأرب إلى العاصمة، وإذا كان كسب القبائل إلى صف قوات الرئيس هادي وقوات التحالف العربي أساسياً في معركة العاصمة صنعاء، فإن من شأن العملية جعل ذلك أكثر صعوبة.

وإذا كانت السعودية والتحالف اللذان اعترفا بالقصف قد رميا المسؤولية على الأركان اليمنية، فالأرجح أن العملية قد استهدفت صيدا ثمينا للتحالف في صفوف تحالف الحوثي صالح، مع استخفاف بحجم الخسائر في صفوف المدنيين، والشعور بالنجاة من أي عقاب أو مسؤولية.

وإذا كانت العمليات الحربية تراوح محلها تقريبا، فقد شهدت الأوضاع الإنسانية انهياراً متسارعاً، وسجلت المرافق الصحية والمنظمات الطبية، أول مرة، انتشار أمراض وأوبئة عديدة، في مقدمتها الكوليرا الذي كان آخر ظهور له في اليمن في السبعينيات من القرن الماضي. وسجلت حالات موثقة للوباء في صنعاء ومدن ساحل تهامة وتعز، وكذا حالات في عدن، الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية، والتي تشهد انقطاعاتٍ متواصلة للكهرباء وتفاقم مشكلات المياه والصرف الصحي.

وتبدو الأوضاع أكثر صعوبةً وسوءاً في ساحل تهامة الخاضع لسيطرة قوات مليشيا الحوثي وصالح، مع تزايد صعوبة المعيشة والافتقار للغذاء والرعاية الصحية وانتشار مظاهر الجوع ويخيم شبح المجاعة. وجاء عجز إدارتي الحوثيين والسلطة الحكومية في صرف رواتب أكثر من مليون ومائتين ألف موظف حكومي في القطاعين، المدني والعسكري، ليزيد الأمر صعوبةً والأوضاع تأزماً.

وإذا كانت الإدارة الحكومية قد أعلنت التزامها بدفع رواتب جميع الموظفين، بعد قرارها نقل البنك المركزي إلى العاصمة المؤقتة عدن، معتبرة أنه كان واقعاً تحت سيطرة الانقلابيين في صنعاء، وبعد عجز البنك فعلياً عن دفع الرواتب والمستحقات وتصفية أغلب الاحتياطات الداخلية والخارجية، وتحميل الدولة أكثر من ثمانية مليارات دولار قروضاً من أذون الخزانة والاستدانة من البنوك المحلية، مستثنياً ما تعتبره توظيفاً غير مشروع من الانقلابيين، فإن هذه الخطوة ما زالت تعاني من سوء الإدارة والتأخير المعهود عنها.

فيما اكتفى تحالف الحوثيين وصالح بالخطوات الدعائية والدعوة إلى التبرع للبنك المركزي، والأرجح أنهم وضعوا أيديهم على بقية السيولة التي ستوظف في الحرب، بعد حرمانهم من أغلب الموارد المالية المتأتية من النفط والطاقة والموانئ والمنافذ البرية لمصلحة الحكومة الشرعية.

ومن شأن رفضهم المحتمل التعامل مع البنك المركزي في عدن أن يضع عليهم ضغوطاً كبيرة من الموظفين وعموم المواطنين، خصوصاً لعجزهم عن سداد الأجور. ومع بداية دفعها في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، واستعداد الحكومة المعلن لدفعها لجميع الموظفين، على الرغم من التأخير الحاصل حتى الآن، نتيجة أزمة السيولة، وتأخر إجراءات طبع العملة في الخارج.

في ظل ذلك كله، تبدو آفاق التسوية السياسية مسدودة، فعلى الرغم من تتالي المبادرات الدولية للتسوية، وآخرها اقتراحات وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، فإن التسويات المقترحة تبدو فاشلةً في الإجابة على المخاوف الأساسية للجهات المتصارعة. وبينما تبدو حكومة هادي هي الأكثر قابليةً للضغوط الخارجية، والاستعداد للسير في اقتراحاتها، فإن الحكومة السعودية لا تبدو في وارد السير في خطةٍ تبقي على الحوثيين وسلاحهم قنبلة في خاصرتها الرخوة، تستطيع الجمهورية الإسلامية الإيرانية تفجيرها في أي وقت، وتعتقد أن أي حلّ لا يجرّد الحوثيين من السلاح لن يكون إلا هدنة مؤقتة، يعملون خلالها على استعادة أنفاسهم، والتزود بمزيد من السلاح والتدريب والإعداد استعداداً لحربٍ مقبلة. ويأتي تشبيههم بحزب الله في هذا الإطار.

وإذا كان صالح يرى أن كل الحلول المقترحة لا تحفظ له مكاناً في التسوية، فالأرجح أنه سيعمل على إفشال كل عروض التسوية المقترحة، خصوصا أن وضعه داخل التحالف مع الحوثي يزداد تحسناً، مع الاستنزاف الحاد الذي عانى منه الحوثيون، خصوصا على مستوى العنصر البشري.

ولا يبدو أن هؤلاء في وارد القبول بأي تسويةٍ، لا تحفظ لهم يداً عليا في المسائل العسكرية والأمنية، على الأقل في مناطق نفوذهم الرئيسية، لأنهم يعلمون حجم الثارات التي زرعوها مع الإسلاميين الجهاديين، ومع عدد من أكبر الأسر المشيخية والقبلية، فيما تبدو المقاومات الشعبية، والتي تقاتل في صفوف قوات هادي غير قادرة حتى الآن على توحيد نفسها، وصياغة برنامج سياسي مستقل عن حكومة الرئيس هادي.

وجاء الاستهداف المتكرّر للبارجة الأميركية، والرد الأميركي عليه، بعد ضرب الناقلة الإمارتية، ليزيد الوضع تعقيداً، خصوصاً لإظهار مدى الأخطار المتزايدة على حرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق باب المندب وخليج عدن، والذي عبر عنه بتزايد انتشار القطع العسكرية البحرية في المنطقة.

وحتى إذا جاء الرد الأميركي محدوداً، على الرغم من اتهام الأميركان الحوثيين باستهداف البارجة صراحةً، فإن من الصعب الاعتقاد أن عملية الاستهداف بعيدة عن قوة إقليمية، هي إيران، تريد أن تضيف مزيداً من الضغط في ملف الممرات البحرية، والتأكيد على أنها لاعبٌ رئيسي في أمن الملاحة البحرية، ولا يمكن استبعادها من الترتيبات الإقليمية.

* د. سلوى دمّاج أستاذة العلوم السياسية بجامعة صنعاء.

المصدر | العربي الجديد