د.سيف الدين عبدالفتاح يكتب: سلام دافئ .. تطبيع .. مقاطعة

ثلاثة مشاهد يجب أن نتوقف عندها، لتحكي لنا قصة العرب مع الصراع العربي الإسرائيلي، ومع القضية الفلسطينية، مشاهد تشكل حالة التدافع السياسي بين أمور شتى، ترتبط بجوهر هذا الصراع، وبالمسائل المستجدة التي تسربت إلى التصورات والإدراكات، والثوابت والاستراتيجيات. تحدثنا قبل ذلك عن التسميم السياسي الذي حاول تقويض بعض الثوابت الأساسية حيال ذلك الصراع المصيري والحضاري مع الكيان الصهيوني، وبين أمور حاولت أن تتسلل إلى منظومة الإدراك، في محاولة خطيرة لتسميم العقول، وترتيب الأولويات التي تتعلق بهذا الصراع.

لا يمكننا بأي حال أن نتغافل عن ظاهرةٍ تصاعدت تتعلق بالمتصهينة العرب، هؤلاء الذين شكلوا أهم أدوات ومعابر عمليات التسميم في الإدراك والخطاب والسياسات المتعلقة بالتعامل مع هذا الصراع مع الكيان الصهيوني، ظاهرة المتصهينة العرب أمر يجدر بنا التوقف عنده، والتعرف على أسباب بروزها وصعودها، ضمن حالةٍ عربيةٍ يسودها الضعف والوهن والمهانة والإهانة، هذه الظاهرة التي اتخذت أشكالاً عدة، وأذرعاً متنوعة، تحاول، بشكل أو بآخر، أن تموه على مفهوم العدو، وأن تبرّر وتمرّر مفهوم المصلحة المشتركة مع الكيان الصهيوني، قام هؤلاء من الانتقال من عملية التبرير والتمرير إلى عمليات أخطر من التدليس والتغرير والتزوير، وتحركّت ضمن مسارات ومسالك خطيرة، بعضها تدثر بمفاهيم الانتقال من السلام البارد إلى السلام الدافئ، وبعضها صار يدفع دفعاً إلى مسارات تطبيع مهينة مع الكيان الصهيوني.

المشهد الأول هو مشهد السلام الدافئ الذي أعلنه المنقلب على ضرورة هذا الانتقال، من السلام البارد إلى السلام الدافئ، لا يقتصر فحسب على مصر، لكنه يمتد إلى سائر الدول العربية. صدرت هذه الدعوة من المنقلب، وتلقفها نتنياهو لتمرير سياساته التي تفرض رؤية السلام في ثواب استسلام دائم وفق الرؤية الإسرائيلية التي تحافظ على تلك السياسات العنصرية والسياسات الاستيطانية، وتشكل غطاء لعملية تفاوضٍ إلى مالا نهاية، لا تنجز أي خطوة على طريق السلام الحقيقي والعادل. ومن المؤسف حقاً أن تشكل جهات رسمية دعما في إسناد هذه الرؤية الإسرائيلية التي اتخذت من شعار السلام الدافئ غطاءً تدثرت به، ومرّرت من خلاله رؤيتها العنصرية.

هذا الإعلان واكبته زيارة وزير خارجية الانقلاب المصري إلى القدس، في سابقة مهينة، تحركّت ضمن مساحات هذا السلام الدافئ، وعبرت في وقائعها، وفي رموزها، عن حالة انتقال من “مبارك الكنز الاستراتيجي” إلى “السيسي الانبطاح الاستراتيجي”، وهي رؤية تماهت فيها الرؤية المصرية مع الرؤية الإسرائيلية، وشكلت مع استمرار سياسات الحصار على غزة العزة أرضية خطيرة، تجعل المقاومة للكيان الصهيوني في حالة إدانة أو تجريم أو في حدها الأدنى حالة حصار وتجويع، فضلاً على أنها غضت الطرف عن أمور تتعلق بالسياسة الاستيطانية وانتهاكات المسجد الأقصى.

ثم كانت الطامة الكبرى في تصريحاتٍ خطيرةٍ أطلقها وزير الخارجية المصري، حين سُئل من أحد طلاب أوائل الثانوية العامة حول إرهاب إسرائيل و قتلها أطفال فلسطين، فكان الجواب ساقطاً متخاذلاً، يعبر عن حالة الانبطاح الاستراتيجي سياسة اعتمدها الانقلاب في علاقته مع إسرائيل، إذ حاول وزير الخارجية المصري أن يتملّص من السؤال. وقد قال بعضهم إنه أجاب إجابة دبلوماسية، لكنه، في الحقيقة، أجاب “إجابة انبطاحية”، راوغ فيها في اتهام إسرائيل بإرهاب الدولة، برّر فيها موقف إسرائيل في العدوان على غزة، واستناداتها إلى متطلباتها في الأمن والأمان. وحاول هؤلاء من بعد، تمريراً وتبريراً لهذا التصريح؛ بأنه لم يكن في مقام يتعلق في الإعلان عن سياسةٍ رسمية في محافل دولية، ولم ير هؤلاء خطورة هذا التصريح، في أن يصدّر لنشء صغير من طلاب الثانوية في ممارسة حالة التسميم السياسي، لتمرير صورةٍ تُخرج الكيان الصهيوني من كونه عدواً، فضلاً عن كونه معتدياً. وفي مراوغة وتدليس للتهرب من وصفه بالإرهاب الدامغ الذي يمارسه بعنصريته وأعماله الاستيطانية.

ترافق مع هذا المشهد مشاهد هنا وهناك من هرولة المطبعين الذين تمثلوا في أدوات مختلفة، من مثقفين وفنانين ورياضيين، وزيارات من مسؤولين سابقين، إلى إسرائيل. وشكلت تلك الهرولة فصلاً آخر في إطار مسالك السلام الدافئ التي حاولت التبرير والتغرير، وفي إطار من تلبيس إبليس لمثل هذه الزيارات المطبعة والكلمات المفجعة حول تصور الصراع، وحول تطور العلاقات مع الكيان الصهيوني.

يأتي بعد ذلك المشهد الثالث في حركة التدافع التي تؤكد على المقاومة الشعبية أداة أساسية من أدوات الصراع ضد الاحتلال الإسرائيلي والكيان الصهيوني. برزت في هذا المقام أهمية مقاطعة إسرائيل محور عمل للقوى الديمقراطية العربية والعالمية المتضامن مع الحق الفلسطيني، وهي رؤية استراتيجية تتعلق بالمقاطعة هدفاً وأساليب، لتوظف قواعد القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان في مواجهةٍ عنصريةٍ واستيطانيةٍ الكيان الصهيوني. لسنا هنا في معرض استعراض استراتيجية المقاطعة، وأشكالها الرسمية والشعبية. ولكن، في ظل هذه الأجواء من التخاذل الغريب، والسلام الدافئ العجيب، والتطبيع المريب، كانت هذه الدعوة من مركز بحثي أكاديمي لعقد مؤتمر يحيي فكرة المقاطعة بوصفها استراتيجية في النضال ضد الاحتلال و”نظام الأبارتهايد” الإسرائيلي، ليدرس خرائط الواقع وآفاق الطموح في حال المدافعة والمقاومة لهذا الكيان الاستيطاني العنصري، كان ذلك على أرض الثورة في تونس، في الرابع إلى السادس من أغسطس/ آب الجاري.

وعلى الرغم من الطبيعة الأكاديمية للمؤتمر في إطار إحياء استراتيجية المقاطعة كفكرة مدافعة ومقاومة، في محاولة للالتفاف على هذا المؤتمر، بأحداث مصطنعة ومفتعلة، أراد بها هؤلاء أن يخرّبوا الفكرة وأفق تدعيمها، بل أكثر من ذلك، فإن صحيفة الديلي تلغراف البريطانية حاولت من مداخل التلبيس أن تنتقل إلى دائرةٍ مبنيةٍ على مجموعة واسعة من التناقضات والمغالطات، خصوصاً أن ذلك المقال صدر قبل التئام المؤتمر بيوم، كان ذلك ضمن حملات تشويه هذا المؤتمر الأكاديمي الذي جعل من إحدى مهامه فضح سياسات إسرائيل العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني ومناصرة حقوقه، ولم تكن تلك الأعمال الصبيانية التي افتعلها بعضهم بالتشويش على المؤتمر، وتسيير أشغال الجلسة الافتتاحية إلا أن تكون عملاً يقوم على محاولة النيل من كل جهدٍ حقيقيٍّ، يهدف إلى مقاطعة الكيان الصهيوني.

حينما يقوم المركز العربي للبحوث ودراسة السياسات بهذا العمل الكفاحي الملتزم والمسؤول، في ظل بيئة من التخاذل والهرولة إلى أشكال شتى من التطبيع، فيحيي ذاكرة المقاطعة ووعي المقاومة، ويعبر عن طاقة مواجهةٍ لكيان عنصري واستيطاني، يعرف أن هناك من أصحاب المصالح في التطبيع، ومن جماعات المتصهينة العرب الموصولة ببؤر الاستبداد سيحاولون ومن كل طريق ممارسة ألاعيبهم وبلطجتهم، لأن هذا غاية ما يحسنون، وستظل معركة الذاكرة والوعي من أهم مهماتها في مواجهة فاعلة للاحتلال والاستبداد على طريق المقاومة ودعم الديمقراطية، لأن معركته الحقيقية هي معركة إرادة الشعوب الرافضة مسالك التطبيع ومحاولات التركيع.

المصدر | العربي الجديد