د. عبد الله العوضي يكتب: اليمن والانقلاب المركّب .. أين المنقلب؟!

بدأ «الحوثيون» منذ بدء محادثات الكويت في محاولة فرض حيثيات الأمر الواقع على المجتمعين، فيما كانت المحادثات مستمرة وأيضاً الميدان من ورائهم يزداد احتراقاً وتعقيداً. وقبل هذه المحادثات غير المكوكية كانت «الشرعية» تملك قرابة الـ90% من الأرض اليمنية وبعد فشل تلك المحادثات وانقلاب الحوثيين عليها زعموا السيطرة على أكثر من 60% من وراء «الشرعية».

فالانقلاب على المحادثات أمر وارد في أي مرحلة، أما الانقلاب مرة أخرى على الانقلاب الأول ورفض مشروع التمديد لخمسة وأربعين يوماً آخرين لتسوية الأوضاع النهائية فأمر يستدعي ليس الحزم بل الصرامة أكثر مع «الحوثيين» وغيرهم من «فلول صالح» والمرتزقة من الإيرانيين ومَن والاهم من «حزب الله» اللبناني.

بعد بدء محادثات الكويت وعلى هامش أحد المؤتمرات التقيت وزير الخارجية اليمني الأسبق، ودار حديث سريع حول حقيقة ما يدور في الكويت وكيف أن المماطلة وسيلة تجعل الوصول إلى حل سياسي سلمي مرضي من قبل جميع الأطراف اليمنية أصبح دونه خرط القتاد كما تقول العرب.

لماذا تراجع التحالف قليلاً عن الحزم، رغم أن الحوثيين مستمرون في حرق المتبقي من اليمن السعيد وزرع الحزن بأنواعه في أرض الحكمة والعروبة الأصيلة؟

لقد أيد هذا الطرح وقال إنه يوافقني في ذلك، وإنه أدلى بهذا الرأي بنفسه في إحدى القنوات التلفزيونية منذ وقت قريب، ولا شيء يردع «الحوثيين» وكل من يواليهم من الشراذم الشاردة عن «الشرعية» إلا المزيد من الحزم.

ومرت الأيام تلو الأخرى والعالم يتابع تفاصيل مجريات المحادثات في الكويت حتى فوجئ الجميع بتشكيل «حكومة جديدة» من طرف «الحوثيين» و«فلول صالح» من عشرة أعضاء هم أفراد «المكتب السياسي» المزعوم، والإعلان عن رئاسة دورية لهذه «الحكومة» المرفوضة في الداخل اليمني كله.

وبعد أن توصل مندوب الأمم المتحدة إلى مهلة الـ45 يوم الجديدة أو قل عنها الإنذار الأخير أو المماطلة الأخرى التي يمكن للحوثيين أن ينقلبوا بعدها مرة ثالثة على «الشرعية» التي أكملت في حربها مع التحالف قرابة سنة ونصف منذ بدأت «عاصفة الحزم وإعادة الأمل».

لقد وفق أحد المحللين في وصف مناورات «الحوثيين» عندما قال بأنهم يتقنون فن الهروب في وجه عقارب الساعة، ويسعون في مماطلاتهم الممجوجة لتعذيب اليمنيين لأطول فترة ممكنة، فهم لا يبالون بأي حصار، ولا بالنار التي يؤججونها في اليمن على مدار الساعة.

ولم يعد للحل السياسي السلمي أثر على الواقع بسبب محاولتهم إفراغه من معناه، وبناء الآمال العريضة على نجاحه شيء من دغدغة الخيال، في نظر كثير من المراقبين، والصراع في حقيقته صراع إرادة وإدارة، ولا بد أن تنتصر إرادة الشعب اليمني وإدارته الشرعية، ويهزم المتمردون الحوثيون وحلفاؤهم الانقلابيون، ومن يدعمهم جميعاً في الداخل والخارج.

ولا بد حينئذ من صرامة الحزم أكثر حتى يرضخ العدو إلى تنفيذ المطلوب منه داخلياً وإقليمياً ودولياً، فليست هناك حرب دائمة ولا محادثات سائلة مفتوحة دون سقف زمني معروف، وفي السياسة كل الحروب في التاريخ، عالمية كانت أو إقليمية، لا بد أن تحسم أمورها لمصلحة طرف ضد آخر، وإلا أصبحت لعبة عبثية تدفع الشعوب المحترقة بها الثمن غالياً من مقدراتها كما هي حال الشعب اليمني الذي يحاول الحوثيون إدامة معناته، وتفويت فرص الأمان والاستقرار عليه لأطول فترة زمنية.

والتحالف الذي شكّل من أجل إعادة الشرعية المستلبة من قبل شرذمة «حوثية» لا بد أن يحسم أمره خلال المهلة المقبلة، وإن كان البعض قد يرى في المهلة مزيداً من المماطلة وتغييراً للواقع اليمني لمصلحة «الحوثيين» لفرض أوضاع أكثر تعقيداً بهدف الحصول على المزيد من التنازلات من «الشرعية» اليمنية والإقليمية والدولية، فهؤلاء «الحثالة» يلعبون على أي وقت يعطون ليس لمصلحة السلام، بل لخلق المزيد من العقد حتى يصبح الواقع المفروض على الأرض هو الحل النهائي.

فعلى التحالف إدراك هذا البعد الذي يجعل من التضحيات التي قدمت من الأرواح والأموال والثمرات، وكأنها بلا جدوى، وهذا ما يريده المخلوع و«الحوثي» المدعوم من قبل «الإيراني» و«العفاشي» واللبناني من «حزب الله» وثلة من المرتزقة الأفارقة، للالتفاف على كل ذلك في ماراثون المناورات والمحادثات التي لم تثبت بعد أنها ذات جدوى، وهو أمر أكثر من خطير وأكبر من أن تحتمله الأوضاع المأساوية العامة في المنطقة العربية إجمالاً.

ولذا فحذارِ أن تكون نتائج الـ45 يوماً المقبلة مزيداً من الشروط التعجيزية والمطالب التي تزيل «الشرعية» تدريجياً لمصلحة أجندات تحمل بذور التقسيم الذي بدأت روائحه السياسية تفوح منذ بداية المحادثات في الكويت ولم يخف دخانه بعد في مكائد الحوثيين وحلفائهم المتآمرين، ونختم ما بدأناه بقول مستشار الرئيسي اليمني.. إن إعطاء الفرص للانقلابيين مضيعة للوقت.