د. عبد الله خليفة الشايجي يكتب: «ترامب» رئيسا لأمريكا منقسمة

حقق دونالد ترامب أكبر مفاجأة في تاريخ انتخابات الرئاسة الأمريكية، رغم تاريخية انتخابات هذا العام تحديدا بمشاركة مرشحين خالفا الأعراف والنهج الذي يأتي منه رؤساء أمريكا عادة، فكانت المواجهة القاسية التي تابعها العالم كله على مدى أكثر من عام بين هيلاري كلينتون، أول امرأة تنتخب لتمثل حزبا رئيسيا، ودونالد ترامب، شاغل الأمريكيين والعالم بأسره الذي لم يكترث لملياراته ولا لعقاراته وبذخه وكازينوهاته وتليفزيون الواقع، وكتابه «فن الصفقة» وغير ذلك كثير مما اشتهر به..

كان انتزاعه لترشيح الحزب الجمهوري قد قسم الحزب، بل لقد اتهم ترامب باختطافه، وتكرر التحذير من انقسامه، ومن حرب داخله.

كانت هذه الحملة الانتخابية هي أكثر انتخابات رئاسية أمريكية قسوة وتنابزا وتهجما وشخصنة للخلافات وغيابا للبرامج والسياسات، وزادت من انقسام أمريكا بين الأغلبية البيضاء والأقليات، وبين الرجال والنساء، والطبقة العاملة ذات الياقات الزرقاء من غير الجامعيين وبين الجامعيين، وبين المدن والأرياف، واليمين المحافظ واليسار الليبرالي، وبين الليبراليين والإنجيليين. وقد بدت أمريكا منقسمة على نفسها، وزادها فوز ترامب انقساما وتشرذما.

وعقب فوزه عم العديد من مدن أمريكا من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ تظاهرات احتجاج، وحتى أعمال شغب، ومطالبات برحيله، وذلك قبل 70 يوما من أدائه اليمين الدستورية وتنصيبه في 20 يناير/كانون الثاني 2017.

وقد جعل انتصار ترامب كثيرا من المحللين والباحثين والخبراء والمراقبين ومؤسسات استطلاع الرأي أقرب إلى الحمقى! وقد ظلوا حتى عشية يوم الاقتراع يعطون كلينتون تقدما بـ4% وفرص فوز تتجاوز 66% مقابل 32% لترامب! وتوقعوا أن تتجاوز 300 مندوب من المجمع الانتخابي، بينما المطلوب 270 مندوبا فقط. فإذا بالمفاجأة والصدمة بعد ليلة عصيبة تابعها العالم متسمرا، تطيح بكلينتون وحلمها بصناعة التاريخ..

ولم تنجح في كسر السقف الزجاجي، لتصبح أول رئيسة من الجنس الناعم. ولم تتخط 228 مندوبا في المجمع الانتخابي. ومرة أخرى يفشل منظمو استطلاعات الرأي في توقع النتيجة، لأنهم لم يقرؤوا غضب الرجل الأبيض، وإعجابه بخطاب ترامب الشعبوي البسيط الجذاب!

ومن «بريكست» إلى ترامب وصعود صقور اليمين المتشدد في أوروبا وأمريكا تغير الكثير من المعطيات، وهو ما يدل على تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية مقبلة. وأخطر ما يفجره فوز ترامب بالرئاسة في أمريكا هو صعود المد اليميني، وزيادة الاحتقان العرقي، وغضب الرجل الأبيض، وشعور الأقليات بالحصار.. وفي اليوم الأول بعد فوزه خرجت مظاهرات في معظم المدن الأمريكية الكبيرة.

واعتدي على طالبتين مسلمتين في جامعتين.. وكتبت أم مسلمة لابنتها الطالبة في أمريكا: لا ترتدي الحجاب في الشارع! وجماعة «كو كلوكس كلان» العنصرية المتطرفة، التي كانت تشنق السود في الخمسينيات، تعتزم إطلاق مسيرة كبيرة في ولاية نورث كارولينا التي فاز بها ترامب احتفالا بانتصاره.. وقد أطلق ترامب النفس العنصري ضد الأقليات بما فيها المسلمون والمكسيكيون وغيرهم.

إنه زلزال سياسي واقتصادي وطبقي، يغير صورة أمريكا في الداخل والخارج، وترامب الذي قلل خصومه من قدراته، ومع افتقاره إلى الخبرة والدبلوماسية، هزم 16 منافسا وخصما، رغم سلسلة الفضائح التي حاصرته. وقد فاز ترامب لأنه نجح في ملامسة وتر حساس فجر غضب الرجل الأبيض، وخاطب هواجسه وآماله، واتهم النظام والمؤسسات الحزبية بالفساد، وقدم نفسه باعتباره المخلص والملهم الآتي لإنقاذ أمريكا!

وفي النهاية أصبح هو الرئيس الـ45 للولايات المتحدة، وأنهى الحياة السياسية لعائلتين سياسيتين عريقتين هما آل بوش في الانتخابات التمهيدية، وآل كلينتون لاحقا. ودشن ما أسميه «الحقبة الترامبية» التي تبقى لغزا بحاجة إلى التفكيك الداخل الأمريكي، وما يهمنا هو الخارج وسياساته ومواقف إدارته قيد التشكيل، ومقارباته لأزمات الشرق الأوسط والخليج العربي.

السؤال الكبير: هل سنرى تغيرا بين ترامب الرئيس، وترامب المرشح بخطابه المتشدد والمستفز للأقليات الداعي لإلغاء الكثير من قرارات أوباما، مثل نظام التأمين الصحي بسبب ارتفاع تكلفته، وإلغاء أو التشدد تجاه الاتفاق النووي الإيراني، ما قد يدفع طهران إلى الانسحاب من الاتفاق النووي؟! ثم ماذا؟!

بدا خطاب ترامب أكثر اعتدالا وموضوعية بعد فوزه، ولم يخرج عن النص، وأشاد بكلينتون، واجتمع مع الرئيس أوباما. الذي كان قد وصفه مرارا بأنه غير كفء وغير مهيأ ليصبح رئيسا!

وقد قدمت أيضا أسباب لخسارة كلينتون منها ‏إعادة فتح جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، التحقيق في فضيحة رسائل كلينتون الإلكترونية عندما عملت وزيرة للخارجية، وكذلك دور الإعلام المعادي، وعدم مشاركة الناخبين من النساء والسود واللاتينيين بأعداد كبيرة! وغضب الرجل الأبيض خصوصا في الولايات الشمالية الصناعية التي تسببت في خسارة ولايات بنسلفانيا وأوهايو وربما ميشيغن!

* د. عبد الله خليفة الشايجي — رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت

المصدر | الاتحاد الظبيانية