د. عبد الوهاب الأفندي يكتب: الترابي والحـوار الوطني السـوداني

في ليلة رأس السنة الميلادية من عام 2015–2016، كان لي لقاء مطول مع السياسي السوداني المخضرم، الشيخ حسن الترابي رحمه الله، في مقره في فندق الريتز- كارلتون في الدوحة. بعد أن خرجت، قمت بتدوين ملاحظاتي، وهو أمر نادراً ما أفعله بعد لقاءات من هذا النوع. وكان لذلك سببٌ دوّنته، في بداية تعليقي، حيث كتبت: “كان لقاءً مفيداً، ربما أكثر لقاء مثمر مع الشيخ منذ سنوات”.

ويُحمد للشيخ رحمه الله أنه كان يرحب بالحوار معي، رغم خلافاتنا العلنية، وانتقادي الحاد بعض مواقفه مما دفع بعض أنصاره لتوجيه تهديداتٍ لي بالويل والثبور. (الطريف أن طائفة ممن وجهوا تلك التهديدات التحقوا بالمعسكر المناوئ بعد فترةٍ لم تطل). وكنت كلما زرت الخرطوم أحرص على لقائه، وكذلك كلما سنحت فرصةٌ في الخارج، فكان يستقبلني بالبِشر والترحاب.

ولأنني كنت أواجه طرفي الصراع في الحكم دائماً بانتقاداتي الصريحة، فلم تكن لقاءاتنا تخلو من طرافة. أذكر أنني اقترحت، في أحد لقاءاتنا في صيف عام 1999 (بعد أن احتدم الصراع وتحول إلى مواجهة مكشوفة ومفتوحة) مشروع حوار لحسم الخلاف، فوجّه لي اتهاماً مبطناً بأنني أخدم أجندة الطرف الآخر، قائلاً: إن “الجماعة” عندما أدركوا أنهم خسروا الصراع، يريدون الآن استخدام “الشيخ” لتمرير أجندتهم.

فتوقفت بعدها عن تقديم أي مقترحاتٍ إلا عبر كتاباتي العلنية في الصحف. وفي مرة لاحقة، نصحني بتكريس وقتي لشؤون المسلمين في الغرب وهمومهم، في تلميح ذكي آخر عن عدم رضاه عن مساهماتي في الشأن السياسي السوداني.

في هذه المرة، كان اللقاء إيجابياً بصورة غير مسبوقة، حيث قضينا أكثر من ساعتين بدون مقاطعة، كنت في معظمهما مستمعاً، أوجّه، بين الحين والآخر، أسئلةً أجاب الشيخ عنها كلها بصراحة متناهية. وتحدث، قبل ذلك وفي أثنائه، بإسهاب عن عدة قضايا تاريخية ومعاصرة.

تناول الهوية السودانية، والحركة المهدية، كما تناول الأحزاب السودانية وقادتها وحكاياته مع بعضهم، ولم يخلُ الأمر من تقييماتٍ صريحة لبعضهم. تناول الشيخ كذلك قضايا خارجية، مثل داعش، حيث حلل دوافع منتسبيها ومنطلقاتهم، وشبّهها بالحركة المهدية في السودان.

وقد استمعت باهتمام لهذه الآراء، ولكن أسئلتي تركّزت حول الحوار الوطني الذي أعلنه الرئيس البشير في مطلع عام 2014، وشارك فيه الشيخ، منهياً قطيعةً مع النظام الذي أسسه استمرت قرابة خمسة عشر عاماً، وسط استغراب كثيرين.

ذلك أن “المؤتمر الشعبي” الذي أسسه الشيخ وأنصاره كان قد نذر نفسه لإسقاط نظام عمر البشير، متحولاً إلى حزب المعارضة الأشرس. وكان هذا تقييم النظام الذي اعتقل الشيخ مراراً، بينما لم يكن يحفل ببقية قادة المعارضة في تلك الحقبة.

ولهذا كانت مفاجأة حضور الشيخ الخطاب الذي أعلن فيه البشير مقترحه لحوارٍ وطني، دعيت إليه كل القوى السياسية. وزادت الحيرة حين تمسّك “المؤتمر الشعبي” بالحوار، رغم مقاطعة أطرافٍ أخرى كانت قد شاركت فيه ابتداءً، بسبب عدم اقتناعها بجدية النظام. وقد أثار هذا تكهناتٍ بوجود صفقة سرية بين الترابي والبشير، لا علاقة لها بالحوار العلني.

وعليه، كان أول سؤال وجهته للشيخ عمّا إذا كانت هناك مثل هذه الصفقة.

نفى ذلك، وقال إن البشير قبل بالحوار بعد أن واجه مصاعب داخلية، وعزلة دولية وإقليمية، واستهدافاً من دول عربية سمّاها. وأضاف إننا قبلنا بالحوار بدون تفاهم مسبق، لأن البلد أصبح معرّضاً للتفكك. وعلق بأن هذا الموقف كان موضع ترحيب دولي، حيث جاء كل السفراء الأوروبيين في الخرطوم مجتمعين لزيارته، بعد أن حضر الخطاب، مرحبين ومستفسرين.

وعند السؤال عن جدّية النظام في الحوار، أجاب بأنه لمس جديةً من الرئيس الذي يظهر في معظم الأحيان “صحوة”، وعودة إلى فطرته الإسلامية، ويعلن الندم على الأخطاء، ويدعو إلى التغيير، ويعلن الرغبة في التنحي.

لكنه يرى أنه يستجيب، في بعض الأحيان، لتحريضٍ من حوله ولإغواء السلطة، فنشهد بعض التراجعات. وأضاف إنهم غير مهتمين بنتائج الحوار من حيث إحداث تغييرٍ قريب الأجل في السلطة، وإنما ما يهمهم هو الوصول إلى حدٍّ أدنى من مناخ العمل السياسي الحر، فنحن كما قال، “نخطط لما بعد الحوار، حيث سنشكل حزباً جديداً اسمه “المنظومة الفكرية الخالفة”، سنجمع فيه عدة أطياف، بما في ذلك يساريون سابقون.

وقال إن الحزب الجديد لن يكون استعادةً للتحالفات والأطياف “القديمة” والتقليدية، وإنما هو فكرة جديدة تماماً. وأضاف إن الحد الأدنى الذي يطالبون به يكون صيغةً للمصالحة الوطنية مع الرئيس الأسبق جعفر النميري، التي أتاحت لهم مساحةً محدودةً من العمل السياسي، تم استغلالها لبناء رصيد سياسي، انتهى إلى تكوين الجبهة الإسلامية في وقت لاحق.

طرحت عندها سؤال الضمانات التي منحت للنظام عموماً، والرئيس البشير شخصياً، إذا كان المطلوب هو تخليه عن السلطة، في نهاية المطاف. كانت الإجابة إنه يتوقع أن تضغط الدول العربية الحليفة للنظام، حتى تلغى القرارات الدولية ضده، عندها يمكنه أن يتنحى، وربما ينتقل إلى الإقامة في إحدى هذه الدول.

ورأى أن هناك أكثر من صيغة للمصالحة الوطنية، وطي صفحة الماضي، خصوصاً في ما يتعلق بقضية إقليم دارفور، حيث يمكن أن تكون هناك صيغة من المصارحة والاعتذار عن أخطاء الماضي، تمهيداً للمصالحة. ويمكن للرئيس، في هذا الإطار، أن يعلن عدم الترشح للرئاسة مجدّداً، أو أن يكتفي برئاسةٍ شرفيةٍ، لا يكون فيها جزءاً من الجهاز التنفيذي.

هذا الملخص مفيد لفهم منطلقات الشيخ في تعامله مع قضية الحوار، حيث اتضح أنه لم يكن يعوّل على نتائجها قريبة المدى، وإنما كان يعبّر عن ثقةٍ عن قدرته وقدرة تنظيمه المقترح على استغلال المناخ والإطار السياسي الجديد، لإيجاد واقع مختلف، يكون لهم فيه الدور القيادي.

ويذكّر هذا بحوار دار داخل التنظيم عقب سقوط نظام النميري في عام 1985 حول الانضمام للتجمع الوطني الذي ضم كل الأحزاب والتيارات والنقابات السودانية، وأصبح الحاكم الفعلي للبلاد مع الجيش في تلك الحقبة.

كان هناك من يرى الانضمام تجنباً للعزلة، ومن يرى الاعتزال بسبب هيمنة اليسار، وأعداء الحركة على الكيان. كانت إجابة الترابي: لا يهم. سنحقق ما نريد من داخل التجمع أو خارجه. وقد كان.

السؤال هو: هل دفنت هذه الأفكار والطموحات مع الشيخ الراحل، أم أن هناك احتمالاً لإعادة بعثها؟

* د. عبد الوهاب الأفندي رئيس برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا.

المصدر | العربي الجديد