د. محمد سليمان أبورمان يكتب: «انكسارات عربية: مواطنون — دول — عقود اجتماعية»

التقرير الجديد لمركز كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط، بعنوان «انكسارات عربية: مواطنون، دول، وعقود اجتماعية»، يمثّل –في ظنّي- أحد أهم التقارير والدراسات التي أصدرها المركز على الإطلاق عن العالم العربي، بالرغم من أنّ إنتاج المركز عموماً، يمتاز عادةً بقدر كبير من الموضوعية والرصانة في وجهات النظر العلمية، ويمتلك نخبة من الباحثين المتميزين.

قيمة هذا التقرير أّنه يكثّف المشكلات والأزمات العربية؛ إذ يحدّد هذه الأزمات والمشكلات، والأسباب الجوهرية لها (الداء)، ويرسم الطريق إلى المناهج المطلوبة للخروج من هذا المستنقع الخطير. ويلخّص الفكرة الجوهرية وراء التقرير، بجمل موجزة، د. مروان المعشّر؛ نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام، في تصديره للكتاب بقوله:

«الركود السياسي، والنزعة التسلطية، والفساد، ترتبط ارتباطاً لا فكاك منه بالصراع والإرهاب في المنطقة العربية –تمثّل نقطة الانطلاق في هذا التقرير. وهي تسعى إلى التصدّي لعدد من المسائل الجوهرية المُستغلقة العسيرة التي تواجه الشرق الأوسط».

تسند هذه الفكرة جملة من الفرضيات الرئيسة التي تغطس وراء التقرير، في مقدمتها أنّ “العقود الاجتماعية” التي حدّدت صيغة العلاقة بين المواطنين والسلطات العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين (في مرحلة الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية)، انتهت، ولم تعد صالحة للاستمرار، لأنّها تقوم على ركنين رئيسين:

الأول، المساومات السلطوية (الحكومات التي توفر فرص العمل والخدمات والعلاقات الريعية مقابل الأمن والاستقرار).

والثاني، العوائد النفطية التي تتراجع بصورة حادة قدرتها على تمويل الاقتصادات العربية.

هذه المشكلات –من وجهة نظري- نجمت عنها أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية بنيوية في العالم العربي اليوم، لم تعد تصلح معها المعادلات التقليدية، ولا حتى الاعتماد على العلاقات الريعية والتلويح بعصا الأمن. كل تلك الديناميكيات في الحكم أصبحت خشبية غير قادرة على التكيف مع التطورات السياسية والاقتصادية الحالية.

كانت لحظة “الربيع العربي” بمثابة الفرصة الذهبية التي انفتحت أمام الأنظمة العربية لتطوير نفسها وتجاوز أزماتها البنيوية والمضي في إصلاحات جوهرية. لكنّ هذه الأنظمة بعد سقوط كل من زين العابدين بن علي وحسني مبارك، بدأت القراءة من كتابٍ آخر مختلف، ودليل إرشادي لقمع الانتفاضات ولتدشين الثورة المضادة، وليس إنقاذ الشعوب والمجتمعات والدول من انكسارات وانهيارات وشيكة في حال أصرت تلك الأنظمة على ممانعة الإصلاحات وإعادة المياه إلى ما قبل 2011.

الاستجابة الرسمية العربية الكارثية للربيع العربي، هي التي أدت إلى انهيار النظام الإقليمي العربي وتفكك المجتمعات، وبروز حالات الاستقطاب الحادة على أسس علمانية-إسلامية أو طائفية ودينية، ما وضع المجتمعات والشعوب العربية أمام خيارات كارثية أخرى؛ إما الإرهاب والحروب الداخلية الدموية وانهيار منظومات الأمن والاستقرار الداخلية، أو القبول بأنظمة أشد سلطوية ودكتاتورية مما كانت عليه الحال قبل “الربيع العربي”، فيما تمّ إخفاء الرهان الثالث وراء الستار من قبل الحكومات.

وهو رهان السير نحو الإنقاذ والنموذج البديل، وتصحيح الأوضاع، والسير في درب الديمقراطية والمواطنة وحكم القانون والتعددية الدينية والسياسية وتداول السلطة واحترام الحقوق الإنسانية والحريات العامة.

تلك –باختصار- وبلغتي، أهم أفكار التقرير الصادر عن “كارنيغي”، والذي يتناول جوانب عديدة، أهمها والأكثر خطورة الكوارث الإنسانية الراهنة في العالم العربي، على صعيد اللجوء والتعليم والأمن الإنساني.

يبقى القول بأنّه لن يستفيد أحد من هذا التقرير في العالم العربي! فالحكومات تتخذ «أذنا من طين وأذنا من عجين»، وكأنّ الربيع العربي «غمامة صيف» عابرة، لكنه في الحقيقة كان «طوق النجاة» وجرس إنذار بأنّ ما بعده إما الدخول إلى المستقبل أو الوقوع في أحراش الكوارث!

* د. محمد سليمان أبورمان باحث بـ«مركز الدراسات الاستراتيجية» بالجامعة الأردنية مهتم بالحركات الاجتماعية والإصلاح والتحول الديمقراطي.

المصدر | الغد الأردنية