د. محمد سليمان أبورمان يكتب: «ترامب» المربك … أردنيـًا

كان الملك عبدالله الثاني أكثر عقلانية في تحديد مدى التغيير الذي أحدثه لقاؤه بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فقال، في لقاء مع كتّاب وإعلاميين، دعونا ننتظر زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فما زال الوقت مبكّراً على الحكم على الإدارة الجديدة.

على الرغم من أنّ تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب (في المؤتمر الصحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربعاء الماضي في البيت الأبيض) أثارت القلق لدى المسؤولين والسياسيين الأردنيين من تخلّي الإدارة الحالية عن الإطار العام لرؤيتها لحل القضية الفلسطينية، أيّ حلّ الدولتين، إلاّ أنّ المسؤولين الأردنيين يرون أنّ المسألة أكثر تعقيداً، وبحاجة إلى “وقت أطول” لعدة شهور، لتتمكّن الإدارة الأميركية الجديدة من بناء “مقاربتها” للمنطقة عموماً، وللقضية الفلسطينية خصوصاً.

كان الملك عبدالله الثاني أول زعيم عربي يلتقي ترامب (على هامش أحد المؤتمرات)، قبل زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض، وخرجت بعدها صحيفة نيويورك تايمز بتقرير يتحدث عن تغييرات جوهرية صنعها الملك في رؤية ترامب تجاه المنطقة والقضية الفلسطينية. لكن الملك نفسه كان أكثر عقلانية ومنطقية في تحديد مدى التغيير الذي أحدثه لقاؤه بترامب، إذ قال، في لقاء مع كتّاب وإعلاميين أردنيين، دعونا ننتظر زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثم نقرأ المؤشرات، فما زال الوقت مبكّراً على الحكم على الإدارة الجديدة التي تبدو، وفق رؤية الملك، مختلفة تماماً عن الإدارات السابقة.

ما هو مؤكّد أنّ الملك نجح في إرباك رؤية ترامب لنقل السفارة الأميركية إلى القدس، إذ من الواضح أنّ الأخير تراجع عن وعوده بنقلها فور تسلمه مقاليد البيت الأبيض، وبدا أكثر تحفظاً في لقائه بنتنياهو تجاه هذه العملية ومآلاتها، بعد أن طرح الملك أمامه ما يمكن أن يحدث من تداعيات كبيرة وخطيرة على الأمن الإقليمي، في حال نفّذ وعوده لإسرائيل.

هنالك ثلاثة مستويات يمكن قراءة توجّهات الأردن نحو الرئيس الجديد؛ الأول العلاقات الثنائية، والمساعدات الأميركية، والانطباع الأولي إيجابي للغاية، مع توقعات برفع المساعدات الأميركية لتصل إلى حدود ملياري دولار في الأعوام المقبلة، والثاني ملف القدس وقد نجح الملك بتأجيله مرحلياً، في الحدّ الأدنى، أمّا الثالث فهو ملف التسوية السلمية، وما تضمنته تصريحات ترامب من دلالات مقلقة للفلسطينيين والأردنيين على السواء.

لا يشعر “مطبخ القرار” في عمان بقلق بالغ تجاه تصريحات ترامب، لعدة أسباب، في مقدمتها أنّ “حل الدولتين” في حالة “احتضار” واقعياً، مع نمو الاستيطان. لذلك، لا تقدم تصريحات ترامب ولا تؤخر، بعدما وصل الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، إلى قناعة بعدم جدوى استئناف مفاوضات السلام.

أمّا خشية “التخلي المفاهيمي” عن “حل الدولتين”، من خلال تصريحات ترامب ومسؤول في البيت الأبيض، فمن الواضح أنّها ما تزال أوّلية وغير مدروسة تماماً، ومرتبطة في سياق تحليل شخصي للرجل، ففي المقابل ربط موقفه بالوصول إلى “أي تفاهم” يرضى عنه الإسرائيليون والفلسطينيون، وبضرورة تقديم تنازلاتٍ، حتى لو كان “حل الدولة الواحدة”. وكما هو معروف، هذا الحل هو أخطر على إسرائيل من حلّ الدولتين، ويدخلها في أزمات الهوية والديمغرافيا والأمن بصورة أكثر تعقيداً وعمقاً.

ليس المقصود، هنا، التقليل من خطورة تصريحات ترامب، ولا من ميوله الواضحة مع فريقه اليميني، تجاه إسرائيل، وضد الفلسطينيين. ولكن، من المهم، أيضاً، أن نفهم التصريحات في سياقها المنطقي، وضمن حالة الارتباك والإرباك التي ولدت مع الرئيس الجديد الذي يتحدث خارج النسق المؤسساتي الأميركي، وبعيداً عن الأطر المعروفة لمراكز التفكير في واشنطن.

بالطبع، ذلك كله على الصعيد الدبلوماسي. أما على الصعيد الآخر العملي، فيتمثل استشعار الأردن للخطر في استمرار الاستيطان وقضم الأراضي الفلسطينية، وشرعنة ذلك عبر الكنيست، وهشاشة السلطة الفلسطينية، وتراجع الأفق الحقيقي بوجود ضغوط دولية على إسرائيل لتقديم تنازلات حقيقية، ما يعني، في نهاية المطاف، إعدام أي فرصة حقيقية لحل الدولتين.

في الخلاصة، تصريحات ترامب مربكة، لكنّها تعكس عدم وجود مقاربة صلبة له، أكثر مما يمكن أن تكون تحولاً جوهرياً نهائياً في السياسات الأميركية تجاه التسوية السلمية، بما ينهي الحل الفلسطيني، نظرياً، بإقامة الدولة، فمثل هذه النتيجة تتطلب وقتاً أطول، لمعرفة كيف ستطور الإدارة الأميركية الجديدة رؤيتها للمسألة.

* د. محمد سليمان أبورمان باحث بـ”مركز الدراسات الاستراتيجية” بالجامعة الأردنية مهتم بالحركات الاجتماعية والإصلاح والتحول الديمقراطي.

المصدر | العربي الجديد