د. محمد سليمان أبورمان يكتب:«منعطف حاسم» للمقاومة السورية

الهجوم الذي قامت به “جبهة فتح الشام” (“جبهة النصرة” سابقاً) على مقار “جيش المجاهدين” (وهو فصيل معارض مقرّب من تركيا)، يعكس حالة الفرز الراهنة بين الفصائل المسلّحة السورية، على وقع الانقلاب السياسي التركي، والتقارب الروسي-التركي الحالي.

الانقسام تعزّز مع مشاركة الفصائل الإسلامية في مفاوضات الأستانة، مع معارضة “جبهة فتح الشام” لذلك بشدة، ما وصل إلى حدود “تكفير” هذه الفصائل وتخوينها. وبالرغم من أنّ حليف الجبهة؛ “حركة أحرار الشام” (التي تعاني هي الأخرى من أزمة داخلية كبيرة) لم تشارك في المفاوضات، فإنّها أرادت إمساك العصا من المنتصف.

فلم تكفر أو تتهم وفد المعارضة في الأستانة، الأمر الذي لم يرق لجبهة فتح الشام التي بدأت التحضير للهجوم على مواقع في ريفي حلب الغربي وإدلب، في محاولة لتفكيك وجود الفصائل الإسلامية الموالية للأتراك في تلك المناطق.

في خلفية هذه التطوّرات هناك مخاض عميق تعبره الفصائل السورية الحالية، بخاصة بعد أحداث حلب، والتحول التركي الحاسم في إحداث خلل كبير في موازين القوى. هذا المخاض قسّم، عملياً، الفصائل المسلّحة الإسلامية في شمال سورية، وفي مناطق أخرى، إلى قسمين:

الأول، هو الذي يطلق على نفسه “المعتدل”، وقريب من الأتراك، وأصبح على قناعة بعدم قدرته على تجاوز الوقائع الجديدة، وبعدم وجود خيارات سوى القبول بوقف إطلاق نار، والوصول إلى تفاهمات سياسية.

الثاني، يتمثّل بجبهة فتح الشام التي تمّ استثناؤها أصلاً من هذه المعادلة السياسية، وتعرّضت خلال الأشهر الماضية إلى ضربات قاصمة من قبل التحالف الدولي، ما أدى إلى مقتل عدد كبير من القيادات ومئات العناصر.

في بطن الانقلاب التركي يأتي التحول في العلاقة بين أنقرة و”فتح الشام”، بعد أن حظيت الأخيرة بدعم غير مباشر كبير من المحور التركي-القطري في الأعوام الأولى، وكانت هناك ضغوط تمارس عليها من أجل إعلان الانفصال عن “القاعدة”، وهو ما تمّ فعلاً (بالإعلان عن تأسيس “جبهة فتح الشام”)، لكن عامل الوقت كان حاسماً بعدم جدوى هذا القرار، بعد أن انقلب الدور التركي بصورة كبيرة!

أصبح الأتراك، اليوم مضطرين إلى وضع “جبهة فتح الشام” أمام منعطف آخر، يتمثل بخطوات حاسمة أكثر وضوحاً بالاندماج بالفصائل السورية الأخرى، وبالتخلي عن أيديولوجيا السلفية الجهادية، وبالقبول بالحل السلمي التفاوضي. وهو ما لا يمكن لجبهة فتح الشام أن تقوم به، في ضوء بنيتها الأيديولوجية والتنظيمية.

على الأغلب، حتى لو تمّ احتواء الخلافات الراهنة، مؤقتاً، وتجنيب ريفي إدلب وحلب حربا بين الفصائل المسلّحة السورية؛ “جبهة فتح الشام” من جهة وفصائل من “الجبهة الشامية” من جهة أخرى، فإنّ التحولات الحالية ستدفع بجبهة فتح الشام إلى حافة العداء، وربما المواجهة والصراع، مع الأتراك في المرحلة المقبلة، مع ازدياد الضغوط على الجبهة، سواء بالضربات الأميركية أو بالأزمات الداخلية، أو أزمتها مع حليفها الاستراتيجي في “جيش الفتح”؛ حركة أحرار الشام.

من جهتها، فإن حركة أحرار الشام لن تتمكن من “الصمود” طويلاً في المنتصف، واضعة قدماً هنا وأخرى هناك، ففي نهاية اليوم عليها أن تقرر ما إذا كانت ستنحاز إلى الفصائل المسلحة المرتبطة بالأجندة التركية، أم أنّها ستتعاضد مع “فتح الشام”، أو أنّ الانقسام الداخلي سيتعزز داخل الحركة، كما بدت المؤشرات الأخيرة، من خلال تأسيس جناح الصقور ما يسمى “جيش الأحرار”، بعد أن سيطر البراغماتيون على الحركة.

التناقض في الأجندات الأيديولوجية والسياسية بين قوى المعارضة المسلّحة كان لا بد أن يظهر في النهاية. لكنّه يأتي في أصعب مرحلة تمرّ بها المقاومة المسلّحة، وهي في حالة من الضعف الشديد!

* د. محمد سليمان أبورمان باحث بـ”مركز الدراسات الاستراتيجية” بالجامعة الأردنية مهتم بالحركات الاجتماعية والإصلاح والتحول الديمقراطي

المصدر | الغد الأردنية