د. محمد صالح المسفر يكتب: الراهـن العـربي ومـآلاتـه

بدعوة من الجامعة الأردنية عشية انعقاد القمة العربية في الأردن طلب مني الحديث أمام نخبة من أساتذة الجامعة وطلاب الدراسات العليا عن الراهن العربي ومآلاته.

(1)

انتهت وقائع مؤتمر القمة العربية ببيان ختامي لكل منا وجهة نظر في محتواه ومضمونه، ولن أخوض فيه، قمة عمان (البحر الميت) عقدت لتبحث عن سبيل جديد يقود الأمة للخروج من الأزمة السياسية العربية الراهنة، وهذا الخروج لا يمكنه الحدوث، إلا بتغيير المفاهيم والمبادئ والأهداف، بعد أن تغيرت طبيعة الأنظمة وتركيبتها وركائزها الاجتماعية والطبقية وتحالفاتها الداخلية بما يتوافق مع علاقتها الدولية سواء مع الغرب أو الشرق.

لقد باتت إشكاليات الواقع العربي عميقة، لا يمكن لقمة حلها، ما لم ينبع الحل من القاعدة المجتمعية، ومن اقتناع الحكم بضرورة التحديث وتعزيز المشاركة، وترسيخ قيم المواطنة، التي لا يمكن لها أن تكون ناجزة مع سيادة الفقر والجوع وثقافة الغنيمة. والسؤال كيف لنا أن نعبر إلى أفق جديد؟

(2)

عقد مؤتمر لندن عام 1907 وحشدت فيه أوروبا خيرة علمائها ورجال الفكر وخرج هذا المؤتمر بوثيقة (كامبل بنرمان) رئيس وزراء بريطانيا آنذاك لتأتينا بعد هذا المؤتمر كل مؤامرات الغرب وسبله علينا في التفكيك وإعادة التشكيل من سايكس بيكو(1916) إلى بلفور(1917) إلى سان ريمو (1920) إلى مؤتمر القاهرة (1921). هكذا كانت قبل مائة عام تحت تأثير قوة التفوق الغربي الوريث للقارة العجوز، وسنبقى على ما يبدو في العقود المقبلة أمام قوة الغرب الرأسمالي الليبرالي المتوحش.

لكي يقسم ويعيد التشكيل، ما لم تحدث نهضة أو وحدة عربية لا أراها مستحيلة حتى ولو كانت مجرد إفاقة محدودة، أرى أن هذه الاستنارة العربية ممكنة التحقق بوجود العناوين التي رفعت قبل أكثر من خمسة عقود سواء من طرف التقدميين الذين تحولوا إلى مستبدين أو من طرف القائلين بالخلاص بمقولة الدولة الإسلامية فانتهوا متطرفين، فكلا الشعارين لم يفلحا، وانتهيا إلى الاستبداد.

إن النهضة العربية المطلوبة قائمة على شرط العقد الاجتماعي، ودولة العدالة والنزاهة والحرية ومحاربة الفساد والظلم، ويمكن لها أن تتوحد لاحقًا، فليست القطرية العربية الراسخة اليوم بعد مائة عام على سايكس بيكو هي الحل وليست الخيار النهائي، بل الإمكان التفكير بسبل وحدوية جديدة قائمة على المصالح وخدمة الشعوب والتنسيق البيني والاستثمار العربي بقوة الشباب.

(3)

لعل السؤال اليوم، هل النظام العربي باق كما رسم قبل مائة عام في مثلث سايكس بيكو الشهير؟ هل تزول الخارطة الراهنة لصالح خارطة جديدة وتكوينات حديثة؟ إنه زمن لا شك لم يتمنه أحد، كل هذا يحدث في ظل وجود العرب بين ثلاثة مشاريع سياسية قومية لا قبل لهم اليوم على مواجهتها إذا بقوا بحالهم التي هم عليها وهذه المشاريع:

- المشروع الصفوي الإيراني

- المشروع التركي

- المشروع الصهيوني

هذه المشاريع، متقدمة تقنيا وبحثيا ومعرفيا، ولديها أهداف محددة وإستراتيجيات لامتلاك المعرفة، أما نحن فنلهث وراء فتاة المعرفة، فكم ننتج وكم نقرأ وكم نترجم وكم نحفز وما هو مد إنفاقنا على البحث العلمي؟

(4)

وبخلاف التأخر المعرفي والتقني فإن النظام العربي اليوم المكتمل الاستقلال غير موجود، والعرب يعيَّشون في مآزق، فالغرب صانع القطرية، وهو عدو الديمقراطية في أوطاننا، قاهر تقدمنا وصانع فرقتنا، وسارق ثرواتنا، وفارض الأنظمة الشمولية على الشعوب العربية، وهو صانع الأزمات والمحاور والأحلاف، لا بل صنع نخبة نيوليبرالية ملتحقة به ومُطبلة لفضائله.

لقد أدت عوامل الضعف في بنية النظام العربي نتائجها المخيفة، في تحطيم القوى الوطنية التقدمية وفي إلحاقها بالأنظمة وتحويلها العلاقة من علاقة تحريرية للمجتمع إلى علاقة مصلحية زبائنية، أسهمت أيضا في تحطيم القوى الطليعية وأجهضت إمكانية حماية المجتمع لنفسه، وزادت من التحاق النظام الرسمي بالغرب بولادة نخبة متفقة في مصالحها مع مصالح بقاء تلك الأنظمة، فصار الحديث عن الديمقراطية تهمة وصار الحديث عن التغيير تخوينا وتولى مثقفون خدمة السلطة وكان هؤلاء أشد بأسًا بآرائهم على الشعوب من القادة.

(5)

إن المأزق العربي والذي يعاني منه الجميع، ورياحه تؤثر على المصالح العربية، وتستفيد منها إسرائيل والغرب، لذلك نرى أن الأمثل للخروج من المأزق الحالي يتطلب من الشعوب والأنظمة الهروب إلى الأمام، فمحاربة التدخل والتبعية للغرب تتم بتحالف عربي عربي، والخروج من النفق، وهذا لا يتم بالوعود إنما بإدراك القادة إلى عمق الأزمة وتحديد سبل النهوض، وتعظيم القدرات الوطنية وتعزيز دولة المؤسسات والحكم الرشيد ووقف الفساد والالتفات بجدية إلى الشباب وتعظيم دورهم هكذا نواجه التخلف والفكر المنغلق.

فمن سمات الواقع العربي في المرحلة الراهنة، تعمق التخلف والانحطاط والفساد والعفن المستشري في الدوائر والأجهزة المؤسساتية العربية وتراجع القطاع العام وهروب الخبرات وهجرتها. عدا عن سيادة عقلية الاستبداد والتسلط والقمع والاضطهاد وتنامي حالة الاغتراب المجتمعي وشيوع اللامبالاة بين الجماهير الشعبية المقموعة والمهمشة، وعجز قيادات المجتمعات العربية المعاصرة عن الإبداع السياسي.

ناهيك عن تغلغل الطائفية البغيضة والقبلية والإقليمية الضيقة والسلفية الممنهجة الطاغية على الخطاب والعقل العربيين، وانتشار القوى والتيارات المتأسلمة والحركات التي تمارس التكفير والإقصاء والعنف والاغتيال والإرهاب الفكري باسم الإسلام والإسلام منها براء، هذه العوامل بلا شك تحدد العلاقة بين الوعي والثقافة والتاريخ.

نعم لدينا راهن عربي مخيف، راهن لا تنهض به مؤسسات العمل العربي المشترك ولا القمم الدورية، بل ينهض به الوعي والإدراك والرغبة الجادة في الإصلاح، لدينا اليوم طبقة وسطى يزداد طموحها للترقي الاجتماعي وتحسن مستواها الاقتصادي، ودول ضعيفة تكاد تعجز عن القيام بمهماتها الأساسية وعلى رأسها توفير الخدمات العامة، واقتصاد هش يعاني جملة من الأمراض الهيكلية التي تدفع بنموه إلى التباطؤ، ولدينا محاسيب تنمو ثرواتهم وبدأوا يطفون على سطح السياسات العامة بل يجيرون الدولة لخدمتهم ولأجل نمو ثرواتهم.

آخر القول: هذه العوامل مجتمعة أدت لخروج الجماهير العربية قبل خمس سنوات بشعارات حراكية ثورية، بثلاثية:”الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية”، وتعزيز كرامة الفرد وتعظيم المواطنة هذا ما يرده المواطن العربي، فهل يستمع القادة العرب من جديد لشعوبهم ويصلحون شأن الأمة؟

* د. محمد صالح المسفر أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر.

المصدر | الشرق القطرية