د. مصطفى اللباد يكتب: الانتخابات الرئاسية الإيرانية 2017.. مشهد تأسيسي

أعلنت وزارة الداخلية الإيرانية يوم التاسع عشر من مايو/أيار 2017 موعدا للانتخابات الرئاسية المقبلة، فانفتح الباب أمام التحليلات الانتخابية مبكرا. تعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية أكثر من مهمة لرسم ملامح المشهد الإقليمي خلال الفترة المقبلة، بسبب النفوذ المتعاظم لإيران وأدوارها الإقليمية في جوارها الجغرافي.

وإذ يرفع الدستور الإيراني موقع رئيس الجمهورية إلى قمة السلطة التنفيذية، إلا أن ذلك الدستور يحتفظ للقرارات المؤثرة والمصيرية بهياكل ومؤسسات أخرى متشعبة تشكل قيدا على حركة الرئيس، بعد أن يضع الصلاحيات الكبرى للدولة في يد مرشد الجمهورية.

عشرة أشهر تفصلنا عن الموعد الانتخابي الرئاسي في إيران، وبالطبع لم يعلن رسميا أي مرشح عن خوضه السباق حتى الآن، إلا أن صورة المشهد التأسيسي الراهن تشي مع ذلك بوجود ثلاثة مرشحين محتملين من الآن. يدور عدد المرشحين المجازين للانتخابات الرئاسية الإيرانية في العادة حول ستة مرشحين (ربما أكثر أو أقل).

ولا يمكن التثبت من شخصيات المرشحين المحتملين قبل عشرة شهور من إجراء الانتخابات، ناهيك عن تقدير فرصهم المحتملة في السباق الانتخابي التي تلعب عوامل متنوعة دورها في التأثير عليها. ومع ذلك يمكن القول من الآن إن السابقة الإيرانية القاضية بفوز الرئيس بمنصبه لفترة ولاية ثانية، كما هي حال رفسنجاني وخاتمي وأحمدي نجاد، لم تعد مؤكدة بالضرورة في حالة الرئيس حسن روحاني.

روحاني في مأزق

الأرجح أن يخوض الرئيس الحالي حسن روحاني غمار الانتخابات الرئاسية المقبلة، كي يقطف ثمار نجاحاته الدولية والاستمرار في سياساته الانفتاحية على العالم. وبرغم نجاح روحاني في إبرام الاتفاق النووي مع الغرب وخروج إيران نسبيا من عزلتها الدولية، إلا أن الرضا الشعبي على سياساته تراجع خلال السنة الماضية.

مرد ذلك أن توقعات الإيرانيين بتحسن مستويات المعيشة ومؤشرات الاقتصاد بعد إبرام الاتفاق كانت مرتفعة للغاية ولا تتطابق مع واقع الأمور. عاد النفط الإيراني للتدفق إلى الأسواق الدولية، وتراجعت نسبة التضخم بشكل ملحوظ، وارتفع مستوى الاستثمار الأجنبي، لكن الفجوة الكبيرة بين شرائح إيران الاجتماعية مازالت على حالها.

وزاد الصورة قتامة لروحاني الكشف عن قائمة مرتبات كبار الموظفين في قطاع المصارف والتأمينات الإيراني، والتي بلغت بالمخالفة للقانون الإيراني في بعض الأحيان أكثر من مئة ضعف مرتب المواطن الإيراني العادي.

استتبع الإعلان عن هذه المرتبات المرتفعة استقالات بالجملة من مجالس إدارة المصارف الإيرانية المملوكة للدولة (بنك «ملت»، بنك «صادرات إيران»، بنك «رفاه»، بنك «مهر») ومعها استقالة جماعية لإدارة «الصندوق الوطني للتنمية».

ولم تقف الأمور عند هذا الحد الذي يضرب صدقية روحاني وإدارته في الصميم، فقد فتح البرلمان الإيراني تحقيقا حول دور حسين فريدون، شقيق الرئيس روحاني، في تعيين بعض رؤساء البنوك المستقيلين، ولم تنته التحقيقات بعد. يبدو الرئيس روحاني في موقف صعب في مواجهة خصومه، الذين سيستفيدون من تلك المعلومات المتسربة تباعا، ويستثمرونها في الشهور المقبلة حتى موعد الانتخابات الرئاسية.

السياسات تصنع الرئيس الإيراني وليس العكس؛ تقول القاعدة الإيرانية إن انحيازات المرشح الرئاسي المعلومة بالضرورة قبل الانتخابات، هي من يجعله «المرشح الصحيح» من منظور عملية صنع القرار الإيراني المعقدة، لتنفيذ سياسات إيران الداخلية والخارجية المطلوبة في فترة ولايته بعد اجتيازه الانتخابات.

بمعنى آخر، لا يصنع الرئيس الإيراني سياسات إيران الكبرى والمصيرية، بل إن الأخيرة هي من تجعله مناسبا للموقع. ويمكن التثبت من صحة هذه الفرضية بملاحظة أن الرئيس خاتمي وسياساته الانفتاحية على الجوار والعالم (1997–2005) أخرجت إيران من عزلتها الإقليمية والدولية، وكانت مؤهلاته الفلسفية والكلامية ودعوات «حوار الحضارات» وسائله الممتازة لتحقيق ذلك.

أما الرئيس أحمدي نجاد (2005–2013) فقد قلب الطاولة على التوازنات الإقليمية السائدة لمصلحة إيران بالاستفادة من الفراغ الإقليمي الكبير الناشئ بعد احتلال العراق 2003، وظهور الورطة الأمريكية في السيطرة على الوضع هناك. ولعل تصريحات أحمدي نجاد النارية بخصوص الملف النووي الإيراني ودولة الاحتلال الإسرائيلي، أحد تجليات تلك المرحلة إقليميا وإيرانيا وقتذاك.

في المقابل كانت براعات الرئيس روحاني التفاوضية السابقة، وتجذره المؤسسي في هياكل صنع القرار الإيرانية، مؤهلا كافيا ليخوض غمار المفاوضات النووية المعقدة مع الغرب بنجاح، بغرض تحييد أي أعمال عسكرية محتملة ضد إيران، وصولا إلى رفع العقوبات الدولية التي فرضت عليها بسبب ملفها النووي.

علي لاريجاني: «المرشح الصحيح»؟

يتحرك الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في المحافل الإيرانية العامة وفق خطة مرسومة، تمهيدا لإعلان نفسه مرشحا في الانتخابات الرئاسية المقبلة 2017. فاز المرشح المغمور أحمدي نجاد في مواجهة منافسه المخضرم هاشمي رفسنجاني في العام 2005 لأسباب متنوعة، يتقدمها أنه أجاد التصويب على الارتباطات المالية لبعض عائلة رفسنجاني وما أطلق عليه «مافيا وزارة النفط»، التي ارتبطت بها.

وساهمت سياسات أحمدي نجاد الشعبوية في تراجع سعر صرف العملة الإيرانية «التومان» أمام الدولار الأمريكي، وتركت مستويات التضخم تقفز قفزات غير مسبوقة في إيران، إلا أن تقديمه الدعم النقدي للشرائح الاجتماعية الفقيرة والمساهمات العينية في مشاريع الإسكان صنعت له شعبية لا يمكن التقليل منها في الريف الإيراني والمناطق الأكثر فقرا في مدن إيران الكبرى.

كانت ولاية أحمدي نجاد الثانية كارثية، فقد جاءت بعد انتخابات العام 2009 التي برز خلالها المرشحان الإصلاحيان مير حسين موسوي ومهدي كروبي، اللذان يقبعان تحت الإقامة الجبرية من وقتها لغاية الآن. كما أن معتقدات أحمدي نجاد «المهدوية» جعلته يرتطم بأجزاء من المؤسسة الدينية ومقام المرشد، فشكل في نهاية ولايته عبئا على كامل النظام الإيراني.

في المقابل تروج تكهنات أن رئيس البرلمان الحالي علي لاريجاني يفكر جديا في خوض السباق الانتخابي الرئاسي، بما عرف عنه من علاقات متميزة مع المرشد ومع دوائر الحرس الثوري وعلى خلفية اعتباره «محافظا براغماتيا». والصفة الأخيرة تجعل لاريجاني ربما «المرشح الصحيح» ـ حتى كتابة السطور ـ والشخصية الأنسب لتنفيذ سياسات إيران في السنوات المقبلة.

ويتأسس ذلك الافتراض على الاعتبارات الثلاثة التالية:

أولا: يضرب انفتاح روحاني على الغرب والسوق الدولية مصالح كتل اقتصادية نافذة مرتبطة بالدولة ولها وضعية احتكارية في السوق الإيراني («الحرس الثوري»)، ما يجعل ولاية ثانية له أمرا محفوفا بالمخاطر للنظام وكتلته الاقتصادية النافذة.

ثانيا: ستؤدي أصولية أحمدي نجاد وانغلاقه السياسي والاقتصادي إلى العودة بإيران إلى عصر الحصار الاقتصادي والعزلة الدولية، وهو أمر يرغب به خصوم إيران في الإقليم والعالم.

ثالثا: سيمثل علي لاريجاني — في حال ترشحه ـ طوق النجاة لهذه الكتل الاقتصادية النافذة، لكونه سيقلل من نفاذ التأثير الدولي إلى إيران عبر بوابة الاقتصاد، كما هو التخوف من روحاني، وفي الوقت نفسه سينأى بإدارته عن وقوع إيران في العزلة مرة أخرى، كما هو متوقع من أحمدي نجاد وسياساته التي اختبرها الإيرانيون لثماني سنوات (2005–2013).

قد لا يترشح علي لاريجاني للانتخابات، والمفاجآت معروفة في الانتخابات الإيرانية، كما أن للكواليس دورها المعتاد في «طبخ» المرشحين الرئاسيين. كما قد يتحسس آخرون من كون أخيه، صادق لاريجاني، رئيس السلطة القضائية في إيران، ما قد يطبع النظام بصبغة عائلية في حال انتخابه وربما يشكل مادة دعائية ضده.

على الأرجح، يبدو «المرشح الصحيح» للانتخابات الرئاسية المقبلة في إيران شخصا من قماشة لاريجاني: مرشح له أوثق الصلات بدوائر المرشد و «الحرس الثوري»، من وجوه النظام البارزة، يكبح اندفاعة إيران نحو الاندماج بالاقتصاد العالمي ويمنع عزلتها الدولية في آن معا. ستجري مياه كثيرة في أنهار إيران حتى موعد الانتخابات الرئاسية بعد عشرة أشهر من الآن، ولكننا سنستمر في مواكبتها بالرصد والتحليل.

المصدر | السفير