د. وحيد عبد المجيد يكتب: «الترامبيون العرب» وملامحهم العشرة

قوبل فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية، بكثير من البهجة من سياسيين وإعلاميين وغيرهم في بعض البلدان العربية، بعدما تفاعلوا مع حملته الانتخابية التي أثارت فجاجتها حماستهم.

يختلف هؤلاء الذين يمكن أن نسميهم مجازا «ترامبيين عربا»، عن أنصار ترامب في الولايات المتحدة، على رغم وجود بعض أوجه التشابه، فالأمريكيون المؤيدون لترامب غاضبون على نظام ديمقراطي أصابه الجمود، ونخبة سياسية انغلقت على نفسها، وفقدت التواصل معهم، فيما «الترامبيون العرب» يساندون نظما غير ديمقراطية أشد جمودا وانغلاقا بكثير، اعتقادا بأن هذا هو السبيل إلى أمن بلدانهم واستقرارها.

لكن الترامبيين، أمريكيين وعربا، يمثلون ظاهرة تعبر عن نوعين من الشعبوية، وليس عن تيار سياسي أو فكري. فالشعبوية بأنواعها كلها تفتقر إلى محتوى، وتعادي السياسة، وتستهين بالفكر حينا وتزدريه أحيانا. وقد نجد فيها خليطا عشوائيا وسطحيا من أفكار مختلفة، وربما متناقضة. لذلك، يصعب البحث عن أرضية سياسية مشتركة تربط أنصار ترامب العرب به. غير أنهم وجدوا في حملته الانتخابية شيئا من الملامح التي تميزهم راهنا عن غيرهم في بلدهم.

أول هذه الملامح، الإتجار بشعارات وطنية أو قومية فارغة المحتوى، وادعاء القدرة على جعل بلدهم الأعظم أو الأفضل، على نحو ما ردد ترامب لأنصاره في كثير من مؤتمراته الانتخابية: «فلنجعل أمريكا عظيمة مجددا».

وإذ يثير هؤلاء صخبا لا يهدأ عبر نفخ متواصل في نزعة وطنية خارج أي سياق موضوعي، فهم يحقرون بلدهم من حيث لا يقصدون، ويحطون من شأن شعوبهم ويحملونها صراحة أو ضمنا مسؤولية انحدار يزعمون في خطابهم أنهم قادرون على تحويله صعودا صاروخيا، فيما يأخذون هذه الشعوب إلى هاوية سحيقة.

ويبدو الملمح الثاني امتدادا للأول، وهو ترويج الكراهية والبغضاء، وصنع فزاعات لتخويف الناس واللعب على أوتار الغرائز التي يحركها خوفهم، لكي يدخل في روعهم أن لا أمن ولا أمان إلا بالتخلي عن حريتهم وكرامتهم الإنسانية، ثم عن بعض حاجاتهم الأساسية أو الكثير منها، لأن النصر على «العدو» يفرض الاصطفاف وراء قيادة قوية حازمة تتخذ ما يسمى «القرارات الصعبة».

ويرتبط هذان الملمحان أحيانا بثالث ذي شكل بونابرتي بدا في حملة ترامب الانتخابية عبر ترويج ما يعني أنه المنقذ أو المخلص من الطبقة السياسية التقليدية Establishment التي تجمدت وانغلقت، ولم تدرك أن فتح الأبواب أمام الجديد ضروري لتجديد شرعية أي نظام سياسي، فيبحث قطاع كبير من الناخبين عن سبيل آخر الى هذا التجديد، لكن بالأدوات الانتخابية الديمقراطية. غير أن «الترامبيين العرب» يتجاهلون في احتفائهم بـ»المخلص» الأمريكي، أنه صعد إلى السلطة بهذه الأدوات التي لا يؤمنون بها ولا يسمحون بوجودها إلا لإضفاء مشروعية شكلية على من يعدونهم «مخلصين» في بلدانهم.

أما الملمح الرابع، فالولع بالتفكير التآمري في أكثر صوره بساطة وسذاجة وابتعادا من الواقع أو إنكارا له، واللجوء الى تلفيق روايات للإساءة للمختلفين وتشويههم. وقد وجدوا ترامب «أستاذا» في هذا، لأسباب ربما كان بينها شغفه بما يسمى «تلفزيون الواقع» وعمله فيه لبعض الوقت.

ويقودنا ذلك إلى ملمح خامس هو التأثر ببرامج «تلفزيون الواقع» هذا، خصوصا أكثرها ميلا إلى الضحالة والشطط والعدوانية واللغة الفظة، واعتمادا على أداء استعراضي صادم، وخطابة فالتة صارخة تنضح بالتبسيط والتسطيح والتجهيل، وتعبر في المحصلة عن غثاء لغوي مضطرب بلا منطق أو معقولية.

وثمة ملمح سادس هو الذهاب إلى أبعد مدى في إرهاب المختلفين والخصوم، اعتمادا على قذائف من شتائم وبذاءات تطلق من دون رادع أخلاقي، ما يدفع من لا يستطيعون الهبوط إلى هذا المستوى الى الانسحاب كما فعل مثلا تيد كروز، أحد منافسي ترامب في السباق التمهيدي داخل الحزب الجمهوري، قائلا أن «الحوار بلغ أدنى درجات الإسفاف والمهانة».

ونجد ملمحا سابعا لـ«الترامبيين العرب» في ميلهم إلى استئصال، أو أقله إقصاء، من يختلف أو يعارض، إذ يعد التخلص من أصحاب الآراء والاتجاهات الأخرى أسمى أمانيهم. وقد عبر ترامب عن بعضهم عندما قال في أحد مؤتمراته الانتخابية، أنه لا يريد قتل المختلفين معه، لكنه هدد بسجن إحداهن على الأقل (منافسته فى الانتخابات الأخيرة هيلاري كلينتون). غير أن الكثير من «الترامبيين العرب» يذهبون أبعد بكثير، لأن إخراج من يختلف معهم من المجال العام يمثل الحد الأدنى في موقفهم الإقصائي. كما يجهر بعضهم بالتحريض على قتل المختلفين إن بإطلاق النار عليهم في الشارع إذا أقدموا على أي احتجاج، أو بإحالتهم إلى محاكمات يريدونها صورية تقضي بإعدامهم فورا، ويتبرمون من الإجراءات القضائية المعتادة.

أما الملمح الثامن، فالبراعة في تحويل التنافس السياسي إلى معارك عرقية ودينية ومذهبية، وشيطنة الآخر في غمار هذه المعارك وتسويغ افتراسه، واللجوء إلى البلطجة والتشبيح. وربما وجد «ترامبيون عرب» في دعوة ترامـــب أنصــاره خلال الحملة الانتخابية إلى التصدي لما ادعى أنه «تزوير» سيحدث في الانتخابات، دعما لطريقتهم في التعاطي مع المجال العام في مجمله.

وهناك ملمح تاسع هو احتراف التضليل والخداع، والاعتقاد بأن الكذب يعد أعلى مراتب المهارة الانتخابية والسياسية، وأن في الإمكان خداع الناس لأطول وقت عبر وعود والتزامات يصعب الوفاء بها، وقد يستحيل تحقيقها. ولا غرابة في أن يحدث ذلك في أمريكا أيضا. فليس ممكنا تجنب استخدام آليات الديمقراطية في الخداع وتزييف الوعي، الأمر الذي يثير جدلا منذ الثلاثينات حول مدى ديمقراطية حظر نشاط القوى المعادية للحرية لحرمانها من التلاعب بهذه الآليات للقضاء على الديمقراطية.

ويبقى ملمح عاشر ظاهر بما يكفي في الحالة «الترامبية» أمريكيا وعربيا على السواء، هو النزعة المحافظة التي لا تطيق أي ميل تحرري، وتنزع إلى تحقير المرأة والحط من شأنها، وتضيق بحضورها في المجال العام، باستثناء حشد النساء لاستغلال أصواتهن في الانتخابات، أو في مناسبات تتطلب تصفيقا وتطبيلا.

وإذ يجد «الترامبيون العرب» في وصول ترامب إلى رئاسة أكبر دولة في عالمنا، وأحد أكثر بلدانه ديمقراطية، ما يبهجهم وينعشهم، إذ يعتقدون أن فوزه يؤكد سلامة خياراتهم المنافية للعقل والحرية والمساواة والعدل والتقدم.

* كاتب وباحث مصري نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام

المصدر | الحياة