«روبرت فيسك»: تنظيم الدولة يعبر القناة.. لكنها ليست أكبر مشاكل «السيسي»

هكذا يعود الأمر إلى سجون مصر المروعة، لا أوامر اعتقال، ولا استجوابات في الخفاء، وحالة طوارئ رئاسية تجلب الجيش مرة أخرى إلى الشوارع. لكنّها تمثل أيضًا آفاقا مخيفة للرئيس «السيسي» في أعقاب الهجمات على الكنائس ومقتل 45 مسيحيًا قبطيًا، لأنّ ذلك يعني أنّ داعش قد «عبرت القناة»، وهو ما يحاول الجيش منعه منذ عدة أشهر.

قد يعتقد «دونالد ترامب» أنّ «السيسي» قام بعملٍ رائعٍ في وضعٍ صعبٍ للغاية، لكنّه في الواقع قام بعملٍ مؤسف، وامتلأ حكمه بحالاتٍ متعددة من الاختفاء القسري لأي شخص لا تحبه الشرطة، الأمر الذي يسمح باستمرار التعذيب في مراكز الشرطة (يجب ألا ننسى أنّ الطالب الإيطالي وُجد معذبًا ومقتولًا بجانب طريقٍ سريعٍ خارج القاهرة)، وتظاهر بأنّ الإخوان المسلمين، الذين أطاح الانقلاب بحكومتهم، هم نفسهم تنظيم الدولة.

ليست هذه هي الحقيقة. والحقيقة غير المعلنة هي أنّ جزءًا كبيرًا من شبه جزيرة سيناء ظل تحت سيطرة تنظيم الدولة لعدة أشهر، حيث هاجم مسلحون، في ظاهرةٍ مرعبة، كلًا من المسيحيين وجنود الجيش والشرطة في الأراضي الواقعة بين قناة السويس وغزة. وادعى «السيسي» بأنّه «يحقق الفوز في الحرب على الإرهاب». لكنّ الواقع يقول، أنّ قوانينه الخبيثة تخلق المزيد من الإرهاب عن طريق إحباط آلاف الشباب عن أي أملٍ في العودة إلى الديمقراطية.

وبعد أشهرٍ من قيادته الانقلاب العسكري، أصبح «السيسي» رئيسًا، بعد نصرٍ انتخابي وهمي في سيناريو مصريٍ معتاد. وأصر الذين أيدوا استيلاءه على السلطة أنّه نجح في إبقاء تنظيم الدولة على الضفة الأخرى من القناة.

لكن في الواقع، فشل الجيش والشرطة في إبقائهم هناك. وأصبحت داعش الآن في القاهرة والإسكندرية، ويفترض أنّهم موجودون أيضًا في جميع المدن الفقيرة الأخرى على جانبي النيل في صعيد مصر والدلتا. ويبدو أنّنا سنشهد المزيد من عمليات القتل في شوارع العاصمة بعد التفجيرات التي وقعت في الإسكندرية وطنطا، وهذا هو سبب عودة الجيش إلى الشوارع. وربّما تحوّل عملهم نحو قتال الشوارع إذا لزم الأمر، كما فعلوا في قرى سيناء على مدى العامين الماضيين.

أضف إلى ذلك أنّ «السيسي» لديه مشاكلٌ أخرى. فبإعلانه أنّ مصر الآن سوف تخضع لقوانين الطوارئ، لمدة ثلاثة أشهر كما يؤكد، رغم أنّني أراهن على أنّها ستستمر لعام، فإنّه يثبت للعالم أنّ الاستثمار الخاص لا يمكنه التطور خلال الأشهر القادمة . وذلك بعد أن أظهرت أرقام شهر مارس/آذار أنّ اقتصاد القطاع الخاص المصري لم يتحسن. وهذا كله، أيضًا، يأتي بعد «إصلاحات»العملة المحلية والتدابير التقشفية التي أثارت الغضب بين الفقراء في أنحاء المدن المصرية.

فبعد كل شيء، من يريد استثمار أمواله في بلد يحضر فيه تنظيم الدولة؟

وبشأن احترام مؤسسات الدولة، حتّى «مبارك» و«السادات» قد أبلغا برلماناتهما وحكوماتهما في السابق حين كانا يخططان لفرض قوانين الطوارئ. لكنّ «السيسي» لم يشأ أن يزعجهم حتى، ولم تعلم الحكومة عن الأمر أول مرة سوى في خطاب الرد على مقتل المسيحيين في الإسكندرية ودلتا النيل، مثلها مثل باقي الشعب. وهذا ما يفعله الديكتاتوريون العسكريون، حتى وإن كان «السيسي» لا يزال يدعي بأنّه «”ديمقراطي».

وبشأن رد إدارة «ترامب» على جرائم حقوق الإنسان التي ترتكبها شرطة «السيسي»، على عكس «أوباما»، ووفقًا لمسؤول البيت الأبيض المجهول كالعادة، قال: «نهجنا هو التعامل مع هذه الأنواع من القضايا الحساسة بطريقة خاصة وأكثر سرية». ولكن لماذا يجب أن تكون جرائم حقوق الإنسان قضية حساسة في المقام الأول؟ ولم لا نتخذ هذا النهج الحساس تجاه قضايا حقوق الإنسان في أماكن أخرى من الشرق الأوسط؟ ويتبادر إلى ذهني هنا العراق وسوريا.

قد يعتقد «ترامب» أنّ «السيسي» يقوم بعملٍ رائع، لكنّه ليس كذلك. إنّه يقود بلاده إلى الحضيض بنفس الطريقة الديكتاتورية الوحشية التي اتبعها أسلافه، «عبد الناصر» و«السادات» و«مبارك».

الأمر هو أنّ تاريخ مصر يكرر نفسه. يستمر الأمر، عامًا بعد عام، وعقدًا بعد عقد، مع العودة دائمًا إلى قوانين الطوارئ نفسها وإلى العنف والفقر. ويسن الجلاد سيفه الآن، استعدادً لـ «المحاكم الاستثنائية».

المصدر | الإندبندنت