زياد الدريس يكتب: هل ما زال (الحوار) حيا؟

إلى أيهما نحن أحوج: تعزيز ممارسة الحوار أم تعليم ثقافة الاحترام أولاً؟

سؤالٌ طرحته في أحد المنتديات النخبوية الشهيرة (أسبار)، فتفاوتت الإجابات عنه، وربما تناقضت أو تضاربت أحياناً، لكن رغم كل ذلك فقد اتفقت جميعها على أن لدينا أزمة حقيقية في الحوار وفي احترام الآخر، إن اختلفنا على من تقع المسؤولية عنها فلن نختلف على وجودها.

ليس جديداً الحديث عن (الحوار) وآدابه ومآلاته، لكن ربما كان جديداً الحديث عن (ثقافة الاحترام) الذي اعتمدت منظمة اليونسكو، قبل أشهر عدة، قراراً دولياً في شأنه.

غنيّ عن القول إن ثقافة الاحترام ليست سلوكاً فطرياً كما قد يظن بعض الطوباويين، بل هي ثقافة تُستحدث في سلوك الإنسان، ولأنها كذلك فهي لا بدّ، لا بدّ، أن تكون مسنودة بقوانين وأنظمة تكرّسها وتحميها من الغياب الفطري.

وحين نقارن بين الحوار والاحترام فإننا في الحقيقة نقارن بين وسيلة وقيمة!

هل يمكن للوسيلة أن تقودنا إلى قيمة؟

أم أن القيمة هي التي تقودنا إلى حُسن استخدام الوسيلة؟

هذا هو السؤال، الذي كان وما زال، شائكاً!

مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني تجربة سعودية فريدة على المستوى العربي والإقليمي. أنشأها عرّاب الحوار العربي الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، يرحمه الله، وقام على تنفيذها وتسييرها مواطنون مخلصون صادقون.

استبشر الناس بالمركز كثيراً في بداياته، وخصوصاً في اللقاء الذي عُقد في العام ٢٠٠٣ وجمع على أريكة واحدة ممثلي: السلفية والصوفية والشيعة. وعُقدت عليه آمال عريضة في فتح باب الحوار، لكن فجأة انشقّ باب الحوار ولم ينفتح فقط!

حدث هذا الانشقاق بالتزامن مع متغيّرين جذريين وقعا بين عامي ٢٠١٠-٢٠١١، هما: الربيع العربي والربيع «التويتري»!

أما الأول فوقائعه وأحداثه ومتغيراته واختلاف الناس حوله لا تحتاج إلى تفصيل.

أما الآخر فهو الذي على مساس حميم بموجات الحوار، وأعني به انكباب الناس في بلادي على «تويتر» بوصفه منصة حوارية أولى من نوعها.

ما الذي أوقف أو عطّل أو هدّأ مسيرة الحوار الوطني؟

هل هو الربيع العربي أم الربيع «التويتري»، أم كلاهما بوصفهما حَدَثاً ووسيلة؟!

ستنبثق محاولات عديدة للإجابة عن هذا السؤال (المزعج)، أما محاولتي فأوجزها في أن الربيع و «تويتر» لم يُحدثا نمطاً جديداً في التفكير، بل سمحا لنمط جديد من التعبير عن الأفكار ليظهر فوق السطح.

هل نجح مركز الحوار الوطني في مهمته أم فشل؟

هل سحب «تويتر» البساط من تحت المركز، وأصبح «تويتر» هو مركز الحوار (الشعبي، عوضاً عن الوطني)؟!

بل، هل ما زالت الحاجة قائمة الى المركز بصيغته التي أُسس عليها، رغم التحولات الجذرية في المجتمع؟

المؤكد أن المجتمع ما زال في حاجة الى المركز الوطني للحوار، بل ربما باتت حاجته إليه الآن أكبر، لكن بعد أن يعيد المركز النظر في رسالته ورؤيته ووسائله، بحيث تتواءم مع معطيات حوار ما بعد «تويتر»، والمواءمة ليست هي الاستجابة التامة والانصهار، ولكن التناسق والتفاهم مع مقتضيات الخطاب الحواري الجديد.

وفي خضمّ تجديد الرسالة والرؤية، من المهم أن يعطي المركز أولوية لإشاعة ثقافة الاحترام.

وتكريس ثقافة الاحترام، تكون من خلال ثلاثة منافذ: التعليم (عبر المؤسسات التعليمية)، والتثقيف (عبر وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية)، والتأديب (عبر وضع حزمة قوانين تضبط هذا الشأن وتعاقب أي تجاوزات تخالفه).

وختاماً، فإن الحوار السيئ في المجتمع ليس مرضاً، بل هو عَرَضٌ لمرضٍ يتم إخفاؤه أو تجاهله.

* زياد الدريس كاتب سعودي

المصدر | الحياة