«ستراتفور»: لعبة الكراسي الموسيقية في السياسة الإيرانية.. سباق على منصبي الرئيس والمرشد

بمساندة الإصلاحيين والمعتدلين في إيران، فإن الرئيس «حسن روحاني» مرشّح للفوز بجولةٍ جديدة من انتخابات الرئاسة في إيران في شهر مايو/أيار، ومع ذلك، سيبذل خصومه المحافظين أقصى جهدهم لإيجاد مرشّح يمكنه توحيد قواعدهم السياسية والإطاحة بالرئيس الحالي. وفي النهاية، قد لا يهم من يفوز بالسّباق، فعلى الأغلب ستستمر السياسة الخارجية لإيران كما هي.

تحليل

على بعد شهرين فقط من السّباق الرئاسي، يستعدّ مجلس الخبراء الإيراني لتحديد أيّ المرشّحين ينبغي أن يدخل سباق رئاسة البلاد. ويحضر العديد من الشخصيات السياسية البارزة في إيران في المؤتمر نصف السنوي للمنظّمة في الأيام من 7 إلى 9 مارس/آذار، وبينما ستكون أولوية المجلس في هذا الاجتماع مناقشة من سيخلف المرشد الأعلى «آية الله علي خامنئي» الذي كبر في السنّ، سيدور نقاش حول الانتخابات أيضًا.

ورغم أنّ السياسة الإيرانية لا يمكن التنبّؤ بها إلى حدٍّ ما، فإنّ انتخابات 19 مايو/أيار قد تخالف تلك القاعدة. وهناك العديد من القوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تبقي البلاد في مسارها الحالي الذي يعمل على تحديث الاقتصاد والاندماج في المجتمع الدولي. وعلى الرغم من أنّ الرئيس الحالي «حسن روحاني»، وهو الرجل الذي وضع إيران على أول هذا المسار لم يعلن حتّى الآن سعيه للترشّح لفترة جديدة، يبقى على الأرجح هو المرشّح الأوفر حظًا. ولكن ذلك لن يثني خصومه المحافظين من التكتّل والاتّفاق على مرشحٍ جديد لتبنيه.

أفضلية شاغل المنصب

منذ تولّيه الرئاسة عام 2013، قاد «روحاني» البلاد بحرص خلال سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الصّعبة وبداية عودة العلاقات الدبلوماسية مع الغرب. وعلى الرّغم من أنّ كلا المسارين لا تزال أمامه مساحة للفشل، يمكن لـ«روحاني» الإشارة إلى التقدّم الحقيقي الذي أنجز تحت قيادته. وعلى سبيل المثال، قفز إنتاج إيران من النفط من 2.8 مليون برميل يوميًا إلى 3.8 مليون برميل يوميًا منذ رفع العقوبات الغربية في يناير/كانون الثاني عام 2016. وخلال فترة «روحاني»، انخفض التضخّم من 45% إلى 8.7%.

وجدير بالذّكر أنّ الاقتصاد الإيراني في هذه الفترة مرّ بمستويات متفاوتة، حيث عانت البلاد من بطالة مرتفعة بين الشباب. (لا يزال 30% من شباب البلاد و20% من خريجي الجامعات لا يجدون وظائف). وبالتأكيد ستؤثّر هذه الأمور على خيارات الإيرانيين أثناء الاقتراع. لكن لا يزال من غير المعتاد أن يتعرّض رئيس في منصبه للهزيمة في إيران. وبعد كلّ شيء، فإنّ آخر رئيس إيراني يفشل في الترشّح لفترة ثانية كان هو «محمد علي رجائي»، الذي اغتيل عام 1981 بعد 4 أسابيع فقط من تولّيه الرئاسة.

ولا يزال المحافظون التقليديّون في البلاد يأملون في الإطاحة بـ«روحاني»، الذي قاد عدّة إصلاحات اجتماعية لا تتماشى مع أجندتهم. ولكن عليهم أولًا الاتّفاق على مرشّح لتمثيلهم. وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2013، كانت القوى المحافظة منقسمة بشدّة وتفتّتت أصواتهم بين 4 مرشّحين. نتيجةً لذلك، حصل الوصيف «محمد باقر قاليباف» على 16.5% فقط من الأصوات خلف «روحاني» الذي حصل على 50.9% بأغلبية طفيفة جنّبته الدخول في جولة إعادة. (حيث ينص قانون انتخابات إيران على إعادة الانتخابات بين المرشحيْن الأكثر حصولًا على الأصوات مالم يصل يتخطّى أحد المرشّحين نسبة 50% من الأصوات).

وفي السنوات التي تلت ذلك، حقّق الإصلاحيّون والمعتدلون مكاسب انتخابية إضافية، وحصلوا على مقاعد إضافية في مجلس الخبراء ومجلس الشورى والبرلمان الإيراني في فبراير/شباط الماضي. ويبدو أنّ تحالفهم، على الرّغم من التحوّلات المستمرّة، قد أصبح حركة كبيرة وجذّابة على نطاقٍ واسع، مستعدّة لاصطفاف القوى مع «روحاني» مرّة أخرى.

عامل إفساد طبيعي

مع وجود مثل هذا التحالف وراءه، لن يكون من السهل هزيمة «روحاني». لكن في 23 فبراير/شباط، عقدت الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية مؤتمرها الوطني الأوّل على أمل تحقيق ذلك. وطرحت الجبهة 21 مرشّحًا محتملًا، بما في ذلك «قاليباف» و«محسن رضائي» و«سعيد جليل» و«حميد بقائي». لكنّ المرشّح الأكثر شعبية حتّى الآن والذي يحظى باحترامٍ كبير هو «إبراهيم رئيسي»، الذي شغل منصب خادم آستان قدس رضوى، وهي واحدة من أكثر المؤسسّات الخيرية ثروة، والمسؤولة عن إدارة العديد من المواقع والمنظّمات الدينية في أنحاء البلاد، منذ مارس/آذار عام 2016.

وخلال العام الماضي، ارتفعت المكانة العامة لـ«رئيسي» بصورة كبيرة، الأمر الذي أدّى إلى تكهّنات بأنّه يتمّ إعداده كبديل لـ«خامنئي» في نهاية المطاف كمرشد أعلى. وبالطبع ليس «رئيسي» هو المرشّح لهذا المنصب وحده. فهناك أسماء مثل رئيس القضاء «صادق لاريجاني» وسلفه «محمود هاشمي الشاهرودي» وكذلك «روحاني» نفسه.

لكنّ «لاريجاني» و«روحاني» ارتبط اسماهما بفضائح وخلافات مستمرّة بينهما في العام الماضي. و«رئيسي» في الوقت نفسه، بقي في معظم الأحيان على الحياد، وارتفع فوق التحزّب الذي تعثّر فيه منافسيه. وبتجنّبه استعداء أيّ من الدوائر الانتخابية الكبرى في البلاد، ظهر «رئيسي» كخيارٍ واضح ليكون أفضل فرصة لتوحيد المحافظين في البلاد.

لكن قد تصبح نقطة القوّة البادية عيبًا في حملة سياسية على الرغم من ذلك. فإذا وافق «رئيسي» الدخول في معترك الرئاسة، قد يخاطر بالانجرار إلى خلافات حادّة مع منافسيه. وأمام تحالف الإصلاحيين والمعتدلين القوي، ستكون لديه فرصة كبيرة للخسارة، الأمر الذي قد يلحق الضرر بوضعه المثالي. لذا فقد يختار «رئيسي» رفض الترشّح، إلّا إذا طلب منه المرشد الأعلى نفسه قبول الترشّح.

إذا رفض «رئيسي» فكرة الترشّح، لن يبقى أمام معسكر المحافظين سوى خيارٌ واحد، رئيس مجلس الشورى «علي لاريجاني»، شقيق رئيس السلطة القضائية الإيرانية. تعدّ عشيرة «لاريجاني» قوّة مؤثّرة في السياسة الإيرانية، وكقائد سابق للحرس الثوري الإيراني، لا يزال «علي لاريجاني» يحافظ على علاقات قوية بالجناح العسكري. علاوةً على ذلك، مثل شقيقه «صادق» و«رئيسي»، فإن «علي لاريجاني» مقرّب للغاية من المرشد الأعلى. وعلى الرغم من أنّه لا يحظى بالدّعم من المحافظين المتشدّدين، يمكن لـ«علي لاريجاني» سدّ الفجوة بين المحافظين التقليديين والمعتدلين أفضل من «روحاني».

المشكلة هنا أنّ «علي لاريجاني» لا يبدو مهتمًّا بالمنصب. وفي الواقع، لقد كان داعمًا لحكم «روحاني»، وعلى الأرجح سيستمر في دعمه في الانتخابات المقبلة. ونظرًا لعلاقة «علي لاريجاني» الوثيقة مع «خامنئي»، يشير ذلك إلى أنّ المرشد الأعلى قد يفضّل الحفاظ على الإدارة الحالية لطهران في موقعها في الوقت الحالي.

وعلى عكس ما قد يعتقده البعض، قد يكون الحرس الثوري الإيراني راضيًا باستمرار «روحاني» لفترة ثانية كذلك. وعلى الرغم من اختلاف الرئيس والحرس الثوري الإيراني في عدد من القضايا، وخاصةً الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، فإنّ انتخاب الإدارة الأمريكية الجديدة مؤخّرًا، والتي تتبنّى اتّجاهًا متشدّدًا تجاه إيران، قد قطع الأمل في أيّ دفءٍ في العلاقات خلال الأعوام القليلة المقبلة. وطالما استمرّت التوتّرات، سيستمر نفوذ الحرس الثوري في السياسة.

نفس النتيجة

بغض النظر عمّا إذا كان «روحاني» سيفوز بفترة رئاسية جديدة أو سيطاح به لصالح مرشّح يميل أكثر لمعسكر المحافظين، لن تتغيّر السياسة الخارجية لطهران كثيرًا في المستقبل القريب.

وعلى الرّغم من أنّ «روحاني» قد حاول التوسّع في الصلاحيات الرئيسية الضعيفة ليتمكّن من مواجهة نفوذ الكيانات الأخرى التي يعيّنها المرشد الأعلى، إلّا أنّه لم يحقّق تقدّمًا كبيرًا. واليوم، لا تزال الرئاسة الإيرانية غير قادرة على تحديد السياسة الخارجية أو الموافقة على التشريعات أو نشر الجيش بشكلٍ مستقل. بدلًا من ذلك، يتمّ تحديد السياسة عن طريق التداخل أو في بعض الأحيان التنافس بين الكيانات المختلفة التي يسيطر عليها المرشد الأعلى المتحكّم الحقيقي في السياسة.

وغالبًا، يتّفق المعتدلون في إيران والمحافظون على أنّ البلاد ينبغي أن تندمج مرّة أخرى في الاقتصاد العالمي. لكنّ الخلاف حول الإصلاحات الاجتماعية، وقد رفضت العديد من مقترحات «روحاني» في هذا المسار من قبل قطاعات الحكومة الأخرى. وحتّى مع ذلك، لا يزال الرئيس متمسّكًا ببرامجه، وهم متأكّدون أنّه سيخضعها للنقاش بين الجمهور خلال الحملة الانتخابية في أبريل/نيسان ومايو/أيار.

ممّا لا شكّ فيه، سيدرس مجلس الخبراء هذه القضايا عندما يجتمع هذا الأسبوع. ولأنّ «رئيسي» عضو في المجلس، سيتم قياس مدى قدرته (من بين الآخرين) على تحمّل مسؤوليات الرئاسة والمرشد الأعلى خلال المؤتمر. وكانت المرّة الأخيرة للمجلس في اختيار خليفة للمرشد الأعلى في الثمانينات، عندما اختار «آية الله حسين علي منتظري»، لكن فيما بعد حين توتّرت العلاقة بينه وبين «الخميني»، تمّ سحب ترشيحه عام 1989. وقد بيّن ذلك خطر ترشيح اسم لخلافة المرشد وهو لا يزال على قيد الحياة. لكن مع اقتراب «خامنئي» من عامه الـ 80، سيكون من الصعب الإبقاء على المرشّحين لخلافة الرئيس أو المرشد الأعلى خارج اللعبة.

المصدر | ستراتفور