«ستيفن كوك»: ماذا تعلمنا من لقاء «ترامب» مع النظام الملكي السعودي؟

هل هناك جديدٌ يقال عن زيارة الرئيس «دونالد ترامب» للسعودية؟ نعم. هل هو السخرية من الرئيس الذي شن حملة على المسلمين ثم جعل وجهته الأولى هي المملكة؟ أم صراخ الرئيس بلا خجل حول «الأسلحة الأمريكية الجميلة» إلى بلدٍ غارقٍ بالفعل في أسلحة متطورة استخدمت في طمس اليمن، أفقر بلد في المنطقة، في حربٍ أصبحت كارثة كبرى لحقوق الإنسان؟ أم أنّ دعوة «ترامب» إلى التسلح لمحاربة التطرف والإرهاب دون ذكر كلمة عن كيفية مساهمة السعوديين في هذه الظاهرة؟

وفرت غرابة زيارة «ترامب» إلى الرياض تيارًا لا نهاية له من السخرية في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب انتقاداتٍ أكثر خطورة لنهج البيت الأبيض تجاه الشرق الأوسط، الذي بدلًا من الانفصال تمامًا عن الماضي كما وعدت الإدارة، فقد بدا أن استراتيجية البيت الأبيض باتت مألوفة.

على خطا «أوباما»

وبقدر ما تريد إدارة «ترامب» والسعوديون أن يتغلبوا على نتائج أعوام «باراك أوباما»، كان طيف الرئيس السابق يحوم خلال زيارة «ترامب» التي استمرت ليومين. وقد تباين حفل الوصول الفخم والترحيب من قبل الملك «سلمان بن عبد العزيز آل سعود» للرئيس الأمريكي الجديد مع الاستقبال منخفض المستوى الذي تلقاه «أوباما» في آخر زيارة قام بها إلى المملكة العربية السعودية في أبريل/نيسان عام 2016. وكان الأمر كما لو أنّ القيادة السعودية قد عبرت عن غضبها من سياسة «أوباما» تجاه إيران من خلال السجادة الحمراء الهائلة والاستقبال الفخم لخليفته. وقد لعب «ترامب» دوره في هذه الدراما إلى حد الكمال، وقال للسعوديين كل ما أرادوا سماعه.

كما حاول الأميركيون والسعوديون رسم صورة مناقضة للخلاف الحاد في العلاقات الأمريكية السعودية خلال سنوات «أوباما»، لكن ما بدا واضحا هو أنّ الإدارة الجديدة لن تغير أكثر من لهجة الخطاب. وبالنسبة للسياسة، كانت هي نفسها بشكلٍ كبير. ويبدو أنّ المركز العالمي الجديد لمكافحة الأيديولوجية المتطرفة هو امتدادٌ منطقيٌ لجهود «أوباما» في نفس المنطقة. وفي فبراير/شباط عام 2015، استضافت الولايات المتحدة مؤتمر قمة لمكافحة التطرف العنيف، والتي أسفرت عن عقد اجتماعاتٍ إقليميةٍ لمتابعة مختلف جوانب هذه الظاهرة. ومن الصعب أن نغفل حقيقة أن «ترامب» لم يفعل شيئًا سوى الإكمال على ما توقف عنده أوباما.

وينطبق نفس الشيء على خطة «ترامب» لمكافحة تمويل الإرهاب من خلال ما يسمى مركز مكافحة تمويل الإرهابيين. ومن الصعب ألا نلاحظ إعادة اختراع هذه النوعية من القيادة لهذه المبادرة، بالنظر إلى أنّ فريق «أوباما» تابع ملف تمويل الإرهابيين بقوة، على الرغم من أنّ أصول هذه السياسة تعود إلى إدارة الرئيس «جورج دبليو بوش» في الأسابيع والأشهر الساخنة بعد سبتمبر/أيلول عام 2001. ويمكن اعتبار حزمة الأسلحة بقيمة 110 مليار دولار من «الأسلحة الجميلة» جزءًا من تلك الصفقة التي أبرمت في ظل حكم «أوباما»، على الرغم من أنّ «ترامب» قد أضاف الذخائر التي كانت الإدارة السابقة لا تريد بيعها للسعوديين بسبب قلقها حول كيفية استخدامها في اليمن. وحتى في إيران، التي حددها «ترامب» كمصدر للتطرف وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، أصدر البيت الأبيض إعفاءات في 17 مايو/أيار بشأن العقوبات الإيرانية، تمشيًا مع خطة العمل الشاملة المشتركة (تعرف باسم الاتفاق النووي الإيراني).

و«ريغان» أيضا

وفي مقال لـ «جين كيركباتريك» عام 1979، بعنوان «الديكتاتوريات والمعايير المزدوجة»، اعتقد «كيركباتريك»، الذي سيصبح فيما بعد الممثل الدائم للرئيس «رونالد ريغان» لدى الأمم المتحدة، أنّ السياسة الخارجية للرئيس «جيمي كارتر»، التي تؤكد على حقوق الإنسان، هي المسؤولة عن مأزق واشنطن. وبالنسبة لـ«كيركباتريك»، كانت نزعة النضال العالمي ضد موسكو مرتفعة جدًا بالنسبة لصناع القرار الأمريكيين حول ما إذا كانوا ديمقراطيين أو لا، كانوا يحكّمون سيادة القانون أم لا، وما إذا كانوا يحافظون على حرية الصحافة أو يسجنون الصحفيين، وما إذا كان الناس هناك لهم الحق في التجمع أو يواجهون الهراوات المعدنية إذا حاولوا ذلك. ولكن ما يهم، وهو في الواقع، الشيء الوحيد الذي يهم، بالنسبة إلى «كيركباتريك» هو ما إذا كان القادة هناك يتبعون خطى الولايات المتحدة في التحديات الأمنية لتلك الحقبة. وردد «ترامب» هذا عندما قال لجمهوره في الرياض:

«نحن لسنا هنا لإلقاء المحاضرات، نحن لسنا هنا لنقول للآخرين كيف يعيشون، وما يجب عليهم القيام به، أو كيفية العبادة. بدلًا من ذلك، نحن هنا لتقديم شراكة، على أساس المصالح والقيم المشتركة، لأجل مستقبلٍ أفضل بالنسبة لنا جميعا».

«هنا في هذه القمة، سنناقش العديد من المصالح التي نتشاركها معًا. ولكن قبل كل شيء، يجب أن نتحد في السعي إلى تحقيق هدفٍ واحدٍ يتجاوز كل اعتبارٍ آخر. وهذا الهدف هو تلبية اختبار التاريخ العظيم، والتغلب على التطرف وقهر قوى الإرهاب».

وبعبارةٍ أخرى، قد يكون العديد من رؤساء الدول والوزراء الذين تجمعوا لسماع الرئيس من الأوغاد الديكتاتوريين، لكنّهم على الأقل قد شاركوه اهتمامه في «قصف تنظيم الدولة الإسلامية».

وقد بدا هذا كله رائعًا لمجموعة متنوعة من الحزبيين والمحللين الذين يدعون إلى اتباع نهجٍ جديد مع دول الخليج العربي، ومكافحة التطرف ومناهضة سياسات إيران الحاقدة. وقد تطمئن الاستراتيجية التي طرحها «ترامب» في الرياض دول المنطقة التي هي في أشد الحاجة إلى الاطمئنان إلى الدعم الأمريكي، ولديها القدرة على وضع الإيرانيين في حالة الدفاع، وهو أمرٌ جيد. ولكن عندما يتعلق الأمر بهزيمة التطرف والإرهابيين عبر الحدود الوطنية، يرتكب «ترامب» خطأً من خلال إعطاء قادة بعض الحكومات الأكثر قمعًا على الأرض رخصةً للقضاء على شعوبهم أكثر من ذلك.

دعم المستبدين

وبقدر ما تغضب فكرة أنّ القمع يمكن أن يؤدي إلى التطرف هؤلاء القادة ومؤيديهم، لا يمكن إغفال حقيقة أنّه مع كل مواجهة غير سعيدة مع الدولة، يصبح المزيد من الناس على استعداد للتحول إلى العنف والتطرف. ولا يعزز هذا مكافحة الأيديولوجية الجهادية العابرة للحدود، لكنّ القمع يميل إلى تعزيز النداء الأيديولوجي لشخصٍ مثل «أبو بكر البغدادي»، الخليفة المعلن لتنظيم الدولة الإسلامية. لذا، فحتى إذا كان المركز العالمي الجديد لمكافحة الأيديولوجية المتطرفة قد يطور طرقًا وأفكارًا مبتكرة للتغلب على وجهات النظر العالمية الخطيرة التي هي أساس تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة وغيرها من الجماعات المماثلة، فإنّ ضوء «ترامب» الأخضر، غير الضمني، لأصحاب السلطة الإقليمية في فعل ما يرونه مناسبًا في الداخل، قد يكون سببًا في تقويض هذا العمل الجيد.

وأظهرت أيضًا الزيارة الغريبة للرياض وإعجاب «ترامب» بحذاء الرئيس المصري اتساقًا ملحوظًا في السياسة الخارجية الأمريكية. حيث إن دعوة «ترامب» الواضحة للعمل مع الدكتاتوريين في الشرق الأوسط تقع في نطاق التقليد الطويل لواشنطن والمتمثل في صياغة سياسة خارجية للتعامل مع الطريقة التي يسير بها العالم، بدلًا من فرض الطريقة التي يريدها الأمريكيون.

المصدر | ستيفن كوك — صالون