«ستينالغراد»: السينما الألمانية تبدع في تصوير الفاشية..والساسة يساعدون «طاغية مصر»!

من جنون العالم الذي نحيا فيه اليوم وفوضاه أن تجاربه المؤلمة العميقة تتسرب من بين يديه؛ فلا يعيها أو يُقدرها رغم أنها تستنفذ طاقاته وأعظمها البشرية؛ ثم هو يطبق الطُرفة البسيطة المصرية القائلة في همس مؤلم، أن 6 من الجنوبيين يسيرون خلف بعضهم سقطوا في حفرة واحدة..والمؤلم أن العدد صار يتجاوز الملايين..وأن السقوط ما يزال حتى اليوم؛ بل إنه غير محدود لا بجنوب ولا بشرق أو غرب بل يشمل بقعًا كبرى من العالم!

فيلم «ستينالغراد»، الذي نتعرض لنسخته الألمانية هذه الظهيرة، صدر منذ نحو ربع القرن (في 21 من يناير/كانون الثاني 1993م) كعمل درامي رائع؛ بل إنه برأينا علامة من علامات السينما؛ لكن عالم اليوم المجنون لا يحتفي ولا يمنح جوائز كبرى لمثل هذه الأفلام، وإن نال الفيلم جوائز شبه عابرة في عام صدوره، تمامًا مثلما لا تستعيد ألمانيا نفسها عبر سلطتها الحاكمة ونخبها مشاهدة هذا الفيلم بعين المنطق قبل الإنسانية.

مع «طاغية مصر» رغم آلام الألمان

ما يزال الشيوخ والعجائز الألمان يتذكرون ما بناه «أدولف هتلر» على الحرب العالمية الأولى؛ وجره على بلادهم من ويلات وحروب أفنت زهرة شبابها؛ ودمرت بُنيتها؛ وحطمت أسرًا وبيوتًا مثلما عصفت بمعالم معمارية ومن قبل بنىً تحتية..

وإن يعجب إنسان قبل مفكر وأديب فلن يعجب لموقف أكثر من إهداء الحكومة الألمانية المصريين آلات القمع الأمني عبر اتفاقية بين وزارتي الداخلية الألمانية والمصرية في 22 مجالًا أمنيًا؛ و(كان مجلس النواب الألماني قد صدق مؤخرًا على اتفاقية أمنية مع مصر خلال جلسة تصويت غاب عنها أغلب أعضاء المجلس، وصوت لصالح الاتفاقية كل من نواب الائتلاف الحاكم من حزبي الاتحاد المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي، بينما عارضها نواب حزبي الخضر واليسار؛ وتتضمن الاتفاقية 22 مادة تتعلق بمكافحة الإرهاب والتعاون في مجال منع ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهابية والجرائم الخطرة وملاحقة مرتكبيها).

دراما حربية..دراما إنسانية

«أدب الحرب» في قمة تألقه وإبداعه يساوي سلاسل عذبة من الأدب الإنساني بذلك يُجمع نقاد وأدباء عالميين؛ فلا شيء يُبغض الحروب والشقاق بين البشرية في المُجمل وحتى أفرادها في العلاقات الشخصية أكثر من التلويح بمشاهد الدمار والقتل وبكاء العجائز على رؤوس أبنائهم القتلى؛ وضياع الإنسان بن طلقات الرصاص «باسم الرب» من جانب الكاذبين الذين يسيطرون على العالم إما وفقًا لخداع الشعوب أو مرورًا فوق جثثهم.

كتب فيلم «ستالينغراد» الألماني كتبه «جورغير بوشير» و«جونس هيدي»؛ ليقارب الساعتين ونصف الساعة في ملحمة سينمائية حربية أخرجها باقتدار إلا قليلًا مواطنهما الألماني «جوزيف فلازيميرر» متناولًا استدعاء الآلاف من الجنود من إجازة في إيطاليا، بعد مهمات مرهقة في شمال أفريقيا ومنها العَلمين، لحرب أخرى على قوات التحالف، إثر نداءات من «الرايخ الثالث» في إيطاليا.

لا بطل حقيقي للفيلم بل عشرات القصص المُتضافرة في نسيج فريد، لولا الإطالة المُرهقة إذ إن ربع الفيلم إن لم يكن أكثر كان يمكن الاستغناء عنه ويكفي المُشاهد ما يراه من قصف وتقطيع ودماء ليستوعب أن الطغاة لا يجلبون إلا الهلاك؛ ولكي يمكن للساسة الألمان أنفسهم مشاهدة الفيلم دون أن يشتكوا من الإطالة!

«هانز فون فيتزلاند» بطل الفيلم أو المُمثل «توماس كريتشمان» من أسرة كلها عسكريون، ويمل الحياة الرتيبة مثله مثل مئات الألوف من الفلاحين والعاطلين بما فيهم الأطفال؛ فيشترك في الحرب العالمية الثانية بعد مرور سنوات منها (عام 1942م)، ويبدأ لفرقة تبلغ 600 جندي من إيطاليا إثر بتر ساق القائد السابق؛ ولإن الانتصارات الألمانية كانت حتى 1942م مُتوالية فإن الغرور أخذ بمجامعه مع جنوده؛ فالأمر لن يستغرق إلا أيامًا ويملكون مدينة ستالينغراد.

رأى «هتلر» في «ستالينغراد» هدفًا حيويًا ذا رمزية مزدوجة؛ أيديولوجية لكون المدينة تحمل اسم عدوه اللدود «ستالين»، وإستراتيجية لأنها تُشكل نقطة التقاء جميع المحاور السككية المهمة في الاتحاد السوفياتي، وتوجد فيها قاعدة صناعية مهمة وأهم ميناء نهري في البلاد، هذا فضلا عن كونها البوابة الوحيدة تقريبًا لغزوِ القوقاز وبحر قزوين والسيطرة على آبار النفط الحيوية في تأمين احتياجات ألمانيا من البترول والغاز، بحسب «الجزيرة نت».

وهكذا ينطلق «فرنز ريسير» أو «دومين هويكز» الألماني البسيط مع «مانفيرد روليدار» أو «يوخن نيكل» الفلاح الذي يعاني من خيانة زوجته مع أسير فرنسي مع «جي جي» أو «سبياستيان رودلف» تحت إمرة قادة لا يعرفون من الرحمة أو الإنسانية بجنودهم فضلًا عن أعدائهم..

الصليب الحديدي .. و«حرب الرب»

وكتكتيك كل الطغاة والأغبياء يُقال للجنود والقواد قبيل بداية الحرب أنها «باسم الرب..وأن ألمانيا المسيحية الغربية تحت إمرة «هتلر» تحارب «البلشفية الشرقية»؛ ولذلك فكل حزام لجندي منحوت عليه «اسم الرب»؛ ومكافاة كل متفانٍ في القتال «الصليب الحديدي»؛ ولو لُصقَ على نعشه؛ ويضطر الجنود إلى أكل الصليب في النهاية (كانت الحرب في نهايتها تقتضي أن يأكل كل جندي 200 جرام من مستلزمات الحياة في صورتها البسيطة..فيما كان القادة يتعاطون الخمر ويلعبون الورق في خندق بالإضافة إلى اغتصاب الأسيرة لينينا أو دانا فافروفا).

ومنذ بداية المعركة يكتشف الجنود والقادة الفرعيين أنهم يُشاركون في ملهاة حربية يُقتلون فيها ويُقتل عدوهم ليعيش طغاة «المحور» أو «التحالف»..والمدنيون الروس في وسط مناطق الحرب في المجمع الصناعي يقتلون مثل العسكريين..بل إن القادة الألمان يؤمرون بقتل الجنود المشاركين معهم لتخفيف العدد.

وتتكاتف الخطط الحربية مع حرب الشوارع مع البرد القارس في المدينة في إهلاك أكثر من مليون محارب ومدني في المدينة من المحور الألماني والتحالف الروسي..وفيهم جميع أبطال الفيلم حتى الوحيد الناجي «فرانز ريسير» يُبشرون صُناع العمل بجنونه..!

كانت المعركة بداية النهاية لـ«هتلر» وألمانيا وفي بداية فبراير/شباط 1943م استسلم الألمان ليُؤسر منهم أكثر من 91 ألفًا؛ بعد أن شارك في الحرب 300 ألف؛ عاد إلى ألمانيا منهم بعد سنوات قرابة 6 آلاف فحسب!

دراما وواقع

لعبت الموسيقى التصويرية الأقرب إلى العسكرية التي شارك فيها «مارتين غراسيا»؛ مع الخدع الحربية التي تبدو بسيطة أوان الفيلم مقارنة بالمعاصرة الآن؛ مع الحوار الراقي حتى في التعبير عن قاذروات كثير من النفوس البشرية في مراحل المحن والأزمات دورًا كبيرًا في تصوير الهزيمة الألمانية الكبيرة بيد «السينما الألمانية؛ وهو ما يضيف عمقًا رائعًا للفيلم؛ فحتى «لينينا» الروسية المُغتصبة من قبل القادة أمها ألمانية..والطائرة الهاربة من ساحة القتال في 23 من يناير/كانون الأول 1943م أخذت القادة فحسب بقوة السلاح..ليبقى الجنود والقادة الفرعيين يقتلون بعضهم بعضًا مع الروس.ويتمنى الزوج المخدوع «روليدار» العودة ومسامحة زوجته الخائنة مع عشيقها الفرنسي..فإذا كانت السينما الألمانية نفسها تعترف بأن إذلال الشعوب يدفعها للخراب العالمي فلماذا يقبل الحكام الألمان قمع المصريين ومساعدة طاغية جديد تحت سماء عالم واحد..وإن كان في مصر!