سعدية مفرح تكتب: الحـل في التفكير الديني الحـر

لا جديد تحت شمس التوحش الإنساني، في كل جريمةٍ جديدةٍ يرتكبها تنظيم داعش، أو أي تنظيم متطرف آخر. من الواضح تماما أن المتطرفين فقدوا القدرة على الابتكار، أو أنهم اكتشفوا عدم حاجتهم إليه، ما دامت النتيجة النهائية واحدة؛ أشلاء متناثرة لبشر ماتوا، ومات معهم قاتلهم الانتحاري في الوقت نفسه، وبالسلاح نفسه. الفرق الوحيد أنه مات وهو يعلم لماذا، بينما ذهبت ضحاياه إلى مصيرها الأبدي، من دون أن تعرف!

عادت البوصلة، هذه المرة، لتشير مجدّدا إلى بريطانيا، حيث قتل حتى ساعة كتابة هذا المقال 22 شخصا وأصيب 59 آخرون، إثر تفجير وقع في مسرح مانشستر الذي كان يستضيف حفلا غنائيا لمغنية أميركية، وبدلا من أن ينتهي الحفل الصاخب بجمهور يردّد آخر أغنيات الفنانة الشابة، انتهى بدوي صاعق خلّف، بالإضافة إلى القتلى من الصغار والكبار، أسئلة معتادة في ظلال الفوضى والدخان والصراخ وأبواق سيارات الإسعاف.

ولم يطل الوقت كثيرا قبل أن تتناقل وسائل الإعلام اسم الانتحاري الذي نفذ الجريمة؛ شاب ليبي مسلم لم يتجاوز الثانية والعشرين عاما، والأهم بالنسبة للجميع، ومن كل الأطراف كما يبدو، أنه مسلم، وهذه صفةٌ تكفي لنتلقى بيان تنظيم داعش المعتاد؛ القاتل ينتمي إلينا والعملية عمليتنا، ونحن ماضون في طريق قتل البشر، وتشويه الدين الإسلامي قدر استطاعتنا. ولتظل الاتهامات مستمرةً، ولو دافع المدافعون بالدفاعات المكرّرة نفسها، والتي يبدو أن العالم نفسه سئم من سماعها تماما، كما سئم المسلمون من ترديدها بعد كل عدوان من هذا النوع لدينا، أو لدى الآخرين.

هدف “داعش” المعلن الذي لم يحد عنه منذ ظهوره هو القتل باسم الدين الإسلامي. وعلى الرغم من أن جميع المسلمين في كل بلاد الدنيا تقريبا يدينون عمليات “داعش”، إلا أن التهمة ضدهم باقية، وتتعزز يوما بعد آخر، وجريمة بعد جريمة، على الرغم من كل القمم والمؤتمرات والملتقيات والندوات والمقالات واللقاءات التي أخذت على عاتقها نفي التهمة.

من الواضح أن التهمة ستستمر، والإسلام، ديناً وعقيدة وحضارة وثقافة وشعوباً، سيبقى المتهم رقم واحد في كل جريمة من هذا النوع، وأننا سنبقى، نحن المسلمين، نسأل عن دين المجرم، قبل أن نعرف عدد الضحايا وحجم الجريمة للأسف، لنطمئن أو لنتحفز لردودنا المكرّرة للأسف.. ويعود هذا كله لسبب بسيط، لكنه جوهري جدا؛ وهو الشعور المسيطر على مسلمين كثيرين بالهزيمة الداخلية، لا تجاه أنفسهم، ولا تجاه القاتل بصفته تنظيماً عدوانياً إجرامياً، مثل داعش، وحسب. ولكن أيضاً تجاه الضحية ومن حولها، وخصوصا إن كانت تنتمي للعالم الآخر.. المقابل لنا حضاريا وجغرافيا وحتى دينيا.

تعبنا ومللنا، ونحن نكرّر أن الدين الإسلامي بريء من هؤلاء الذين يعلنون أنهم يرتكبون جرائمهم باسمه، ومن أجله، وتنفيذا لتعاليم شريعته. ومع هذا، يصدّق معظم العالم المقابل الفئة القليلة التي تمثل القتلة، ويؤمن ببيانات تنظيم داعش أكثر مما يصدّقنا، ويؤمن بأدلتنا على براءة الإسلام، فقط لأننا، أو على الأقل أغلبيتنا، منهزمون ذاتيا، منسحقون تحت وطأة تلك الهزيمة، حيث استمرأوا جلد الذات، فلا يكادون يصدّقون حتى ما يرددونه أمام الآخرين.

ولا حل لهذه المشكلة سوى أن نثق بأنفسنا وبديننا بشكل حقيقي واع، وأن ننفتح على هذا الدين، بكل حرية ووعي، لنناقش كل أفكارنا تحت مظلته وخارجها أيضا بلا خوفٍ ولا تشويش. أن نعيد قراءته وقراءة كل ما يمسّه، وينطلق من خلاله، ويتوازى معه بالحق والباطل، بصوتٍ عال جدا. أن ننسى الآخرين واتهاماتهم لنا، وألا نفكر في ديننا تحت وطأة تلك الاتهامات.

أن نفكّر في الإسلام بحرية كاملة.. وإلا سيبقى الحال على ما هو عليه، فهل نفعل؟

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية.

المصدر | العربي الجديد