سعدية مفرح تكتب: العـوم مع التـيـار!

السمك الميت وحده يعوم مع التيار، أما الحي فهو الذي يقاوم التيار مهما كانت قوته، ليعوم في الاتجاه الذي يحدّده، مهما كانت النتائج في النهاية.

وما يحدث في عالم الأسماك يحدث في عالم البشر، مع فارق جوهري، وإن بدا صغيرا، ففي عالم البشر هناك من يختار أن يعوم مع التيار، على الرغم من أنه ما زال على قيد الحياة، لكنه اختار أن يكون كالسمك الميت. يطفو بتلك الطمأنينة البائسة، والتي يصفها تولستوي بأنها دناءة روحية.

يحدث هذا دائماً، وفي كل يومياتنا الصغيرة والكبيرة، نحن البشر، لكنه يظهر بعلانية ووضوح شديد عند مفترق الطرق التي تجري عليها أو على هامشها الأحداث والقضايا الكبرى.

في الأسبوع الماضي، عشنا في الوطن العربي حدثين كبيرين.

أولهما الضربة الصاروخية التي وجهها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للنظام السوري عقابا له، كما قيل، على مجزرة خان شيخون التي ارتكبها ضد أبناءٍ من شعبه، فقضوا اختناقا بغاز السارين الكيماوي السام الذي أطلقه عليهم! وسرعان ما تحوّلت الضربة، بتداعياتها ونتائجها والآثار التي ترتبت عليها، ليس على صعيد ما يحدث في سورية منذ سنوات وحسب، ولكن أيضا على صعيد المواقف المتبناة من كثيرين يتابعون ما يحدث، تحولت اختباراً لنوع السباحة؛ مع التيار أم ضده.

الحدث الثاني هو الجريمة البشعة التي تبناها تنظيم داعش بتفجير كنيستين في طنطا والإسكندرية في أثناء احتفال أقباط مصر بأحد أعيادهم الدينية هناك، ما ضخم من عدد الضحايا الأبرياء، وسرعان ما تحوّل الحدث، بكل ما أحاط به، إلى اختبار للمواقف التي عبر عنها أصحابها، وفقا لنظرية العوم مع التيار وضدّه.

وهكذا بدا متهما ومرهقا باختياره العوم الحر كلُّ من حاول أن يفكر، ليرفض هذه الضربة، من دون أن يكون مع النظام السوري المجرم، أو يشجب ويندد بجريمة تفجير الكنيستين، ويرفضها بشدة، من دون أن يلصق التهمة تلقائيا بدينٍ معين، أو ثقافة محدّدة أو منهج دراسي بعينه، أو حزب سياسي، مهما أحيطت به من شبهات.

توفر تقنية العوم مع التيار لأصحابها مميزاتٍ كثيرة، أولها راحة البال، فكل المواقف جاهزة، وكل التصريحات مصاغة، وليس على الذي يبدأ في العوم سوى ترك نفسه في خضم القطيع بعيون مغمضة غالبا، ليسهل عليه الاندماج الكامل مع ما (ومن) حوله، فلا يعرف العائم المطمئن كجثة طافية سوى اتجاهين وحسب، الأول مع التيار والآخر ضد التيار.

وهذا يعيدنا إلى نظرية سبق أن عبّر عنها خصمان سياسيان شهيران، أسامة بن لادن وجورج بوش، بعبارات أوضح، حيث سماها بن لادن فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان، وسماها جورج بوش الابن محور الشر ومحور الخير. لا خيارات أخرى ولا تعدّدية، بل أسود وأبيض، متناسين أن اللون الأبيض يتكون، وفقا لعلم الألوان، من اندماج ألوان قوس قزح واتحادها كلها بتناغم وسرعة معينتين.

وإذا كان بن لادن وبوش قد قسّما الوجود كله، من وجهتي نظريهما، إلى فسطاطين أو محورين أو اتجاهين، ليشجعا أن يتحول البشر كلهم إلى سمكٍ ميت، يطفو ليعوم مع تيار من التياريْن المتقابلين وحسب، فيبدو أنهما يعرفان أن كثيرين من البشر يحلو لهم أن يمارسوا دورهم في الحياة وتجاه كل القضايا الكبرى والصغرى، وفقا لهذا التقسيم.

صحيحٌ أنه تقسيم منظم ومرتب ومريح، ولكنه، في الوقت نفسه، رخيص وبائس وغبي، ولا يليق بسوى الجثث الطافية، كما تطفو الأسماء الميتة التي تصل إلى الشاطئ في النهاية فعلا… ولكنه الوصول الدنيء.

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة من الكويت.

المصدر | العربي الجديد