سوريا والعراق وإيران وتركيا: كيف يتراجع النفوذ الأمريكي لصالح التمدد الروسي؟

تحدث الأشياء بسرعة كبيرة في مربع سوريا والعراق وتركيا وإيران. الأحداث المتسارعة في هذا المستطيل الجغرافي تكشف عن تعقيدات الوضع هناك. الولايات المتحدة وروسيا واللاعبين الإقليميين، الأيديولوجيات والمصالح المتضاربة، والعنف الذي يخيم شبحه، كلها فقط مظاهر سطحية لمواجهات متعددة الأطراف أكثر دموية وعمقا.

فيما يلي مجرد جولة سريعة على الأحداث الأخيرة في هذه الأزمة الرباعية، وتأثيراتها فيما يتعلق بالمراكز الإقليمية لكل من الولايات المتحدة وروسيا:

سوريا

حققت المعارضة المسلحة داخل وحول حلب ما اعتقد الجميع أنه غير ممكن: ليس فقط لأنها كسرت الحصار عن الجزء الشرقي من المدينة، الذي كان في الأصل تحت سيطرتهم، لكنها طوقت الجزء الغربي، وصدت الهجمات الروسية الإيرانية وهجوم حزب الله و«الأسد»، و استعادت المراكز التي فقدتها سابقا وأخذت مراكز إضافية كانت تحت سيطرة «الأسد» وحلفائه.

نجحت المعارضة في التواصل مع مقاتليها في شرق حلب. وستقوم بتأمين طريق الإمدادات اللازمة لهم.

إن آثار معركة حلب ستكون بعيدة المدى. يمكن أن يصاغ السؤال الرئيسي الذي طرحته التطورات الأخيرة في جميع أنحاء المدينة القديمة على النحو التالي: إذا كانت جبهة فتح الشام، المعروفة سابقا باسم جبهة النصرة، تقاتل في حلب الآن باعتبارها جزءا لا يمكن تمييزه من قوة متعددة، وإذا كانت أسباب صفقة «كيري — لافروف» تهدف إلى محاربة النصرة، فكيف لا يكون قصف الجبهة خدمة تقدمها الولايات المتحدة لقوات «الأسد» بالتعاون مع «بوتين».

عندما يتم رفع قضية التنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا، فإن السؤال المباشر الذي يتبادر هو: التعاون على أي أساس؟ لتحقيق ماذا؟ جعلت حلب من الواضح مرة أخرى أن الحل العسكري ليس حلا. وينبغي أن يقتصر هذا التعاون على الضغط لإيجاد حل سياسي، كل على جانبه.

لدى الولايات المتحدة وروسيا خطة ب، والتي هي مشروع تقسيم سوريا، ومن المرجح ألا تنجح خطة كتلك. رأينا للتو أن «الأسد» لم يكن لديه ما يكفي من العضلات في حلب. ولهذا: كيف يمكن لأي شخص أن يفترض أن يكون لديه القوة للحفاظ على الجزء الغربي بأكمله من سوريا مستقرة؟

أيضا في سوريا، فإن التحالف المدعوم من الولايات المتحدة من المقاتلين الأكراد والعرب ضد تنظيم الدولة قد استولى على منبج، والمحطة التالية ستكون هي الرقة «العاصمة». وتنتشر تكهنات قوية أن معركة الرقة ستبدأ قبل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.

العراق

وصل قائد قوة القدس الإيراني «قاسم سليماني»، إلى العراق في 1 أغسطس/آب من خلال معبر حدودي في محافظة ديالى، وتوجه إلى محافظة نينوى لتفقد التضاريس حول الموصل. وقال المتحدث باسم ميليشيات الحشد الشعبي، «أحمد السعدي» أن وجود «سليماني» في العراق جاء بهدف «قيادة القوات التي ستحرر الموصل».

ويجب أن تكون السيرة الذاتية لـ«سليماني» مثيرة للإعجاب حقا، حيث كان هذا الرجل القوى يقود عمليات قتل الجنوج الأمريكيين منذ عشر سنوات فقط، والآن يرى أعداء الأمس يمهدون الطريق له للتغلب على الموصل بعد سقوطها في يد مجموعة من القتلة.

لكن السيرة الذاتية لـ«سليماني» تروي أيضا قصة أكثر سخرية. يبدو أن الولايات المتحدة قد استقرت في كردستان مع السماح للإيرانيين أن يفعلوا ما يرون في بقية العراق.

الآن، تبدو العلاقات بين واشنطن وأنقرة متوترة، لذا فإن واشنطن تفكر في تحريك قواتها من قاعدة أنجرليك وبناء قاعدة على مقربة من أربيل.

بالطبع، فإن «سليماني» لن يذهب إلى كردستان. أعطت «الدولة الإسلامية» له الفرصة للضغط على العالم لمساعدته في السيطرة على وسط العراق. أما بالنسبة للجنوب، فهو واقع بالفعل تحت السيطرة.

روسيا ليس لديها مسارات في العراق. وهي ليس في حاجة إليها. طالما أن الإيرانيين يقومون بتطهير وسط العراق من الإسلاميين العراقيين ومن الأميركيين في الجنوب، فإن كل ما على روسيا هو أن تنتظر.

في حين يبدو أن الولايات المتحدة تقاتل من أجل السيطرة على المكان الذي ستتخلى عنه بعد فترة وجيزة، وتواجه الآن قوة رفض في كل العراق باستثناء كردستان، وفي كل سوريا باستثناء جيوب هنا وهناك، وفي إيران وتركيا ، فإن علاقاتها مع دول الخليج العربي تبدو إشكالية أيضا. كل ما فعلته واشنطن هو أنها تطرق باب موسكو كما رأينا في الأشهر القليلة الماضية.

ليس هناك شك في أن تنظيم «داعش»، كدولة، سوف يهزم. والسؤال هو: لمن سوف تقدم الولايات المتحدة النصر. الجواب الواضح هو: الأكراد. ولكن هذا لن يعني أن الولايات المتحدة سوف تكتفي برقعة صغيرة من الأرض بعد أن كانت القوة الكبرى في المنطقة بأسرها. كما أنها لم تقم بإهدار الكثير من رؤوس الأموال من أجل نقاهة لفترة قصيرة من الزمن.

تركيا

برز الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» بشكل أقوى بعد محاولة انقلاب فاشلة في 15 يوليو(تموز) حيث كانت العلاقات التركية مع الغرب أحد خسائر محاولة الانقلاب. ولقد شهدنا بالفعل رقص «أردوغان» و«بوتين» معا في موسكو. حيث يوفر كل منهما للآخر بعض المساحة للتنفس بعيدا عن الضغوط الغربية.

ومن الممكن أن تكون العلاقات التركية الأمريكية الآن على خط اللاعودة. الأضرار التي لحقت بها كبيرة، بدءا من الفشل الذريع للتنسيق في سوريا، إلى تناقض السياسات في العراق، إلى الشكوك التركية أن الولايات المتحدة تقف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة.

قد يكون واحدا من عواقب الانقلاب الفاشل هو التقارب بين أنقرة وطهران. سنتعامل مع هذا التطور المحتمل في واحدة من مقالاتنا مستقبلا. ولكن في الوقت الحالي، يكفي أن نقول أن وجود صلة قوية بين إيران وتركيا من شأنه أن يؤدي إلى تغييرات بعيدة المدى على الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط. هذا المعسكر يتشكل بسرعة في المنطقة وربما تتعزز الرعاية الروسية له. وسيكون لذلك تأثير على خريطة الطاقة ما قد يضع روسيا في موقف متميز في هذا الجزء من العالم.

إيران

بينما تعتقد الولايات المتحدة أنها حققت نجاحا كبيرا في الاتفاق النووي مع طهران، من الصعب أن نرى كيف أن هذا الاتفاق يمثل نجاحا استراتيجيا. إنهاء عداء عمره 35 سنة مع إيران لم يسفر عن اكتساب أصدقاء هناك. وبدلا من ذلك، فإنه كان سببا لفقدان العديد من الأصدقاء في المنطقة.

إيران تقترب من موسكو أكثر من واشنطن. وباعتراف الجميع، فإن الإيرانيين والروس يرون الأشياء بشكل مختلف ولكن إذا وضعت واشنطن ضغوطا على طهران لأي سبب من الأسباب، فإن الإيرانيين يعرفون أن لديهم صديقا في موسكو. إنهم لن يهزوا الجسور مع الرئيس «بوتين».

تصبح الصورة أكثر وضوحا، ونحن نرى كيف أن الولايات المتحدة تفقد منطقة الشرق الأوسط وكيف تتمدد روسيا وتصعد كقوة مهيمنة هناك.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز — ميدل إيست بريفينج