«سوسن» .. صيادة مصرية تُعيل أسرتها وتساعد زوجها بشبكة وقارب خشبي

لم تدري السيدة «سوسن عبد الحميد عطيه» ،التي تبلغ من العُمر 49 عامًا، أنها حين وصلت سن العاشرة وهي تحمل بين أصابعها شباك صيد، وترميها في النيل فتسحبها مليئة بالأسماك، أن تلك اللحظات هي بداية مشوار طويل في الحياة على مركب خشبي.

ففي جنوبي مصر، وتحديداً بقرية طعمة، إحدى قرى مركز البداري في أسيوط، عاشت «سوسن»، بعد سجنه إثر خصومات أهلية يُعرف بها أهل الصعيد، حيث تحملت مسؤولية 6 شقيقات وشقيق طفل، بينما لم تكن هي أكبرهم سنًا٬ ،لكنها قبلت وتطوعت لأن تكون العائل الوحيد للأسرة.

ورغم الموروثات السائدة في تلك المناطق في مصر، والتي كانت تمنع الرجال من رؤية السيدات في الصعيد، خرجت «سوسن» للعمل ولم يكن لديها سبيل للرزق سوى باطن النيل.

وفي لقاء لها مع وكالة «الأناضول»٬ تقول: «أنا كالجبل لا أكل ولا أمل مهما تحاملت علي الصعاب، أظل صامدة، فلا يوجد من يقوى على الهم بعائلتي سواي». ليقول مراسل الوكالة أن: «ظروف الحياة الموحشة فرضت عليها حمل الشباك وركوب المياه وسط الرجال، فوجدت نفسها وسط نهر النيل الواسع». حيث جاءت هنا قبل ما يقرب من 37 عام بصحبة والدها.

وتقول إن البحر لم يعلمها البحر الصبر فقط، وإنما المواجهة كذلك، وتقول «في البداية اعترض أقاربي على امتهاني الصيد، لكن لم يكن هناك بديل للعيش والانفاق على الأسرة فاستسلموا لرغبتي، ووالدي شجعني أنا وشقيقتي». حيث كان مركبها الشراعي الصغير يشق مياه النيل كل صباح، يحملها وشقيقتها «سهام».

وتوضح «بسبب شدتي وحزمي في المعاملة٬ الناس تعاملت معي على أني رجل ولم يتفوهوا أبدا بكلمة سيئة في حقي. بل كانت حياتي قصة فخر في أحاديث القرى المجاورة». وتتابع: «منذ كنت طفلة تحملت مسؤولية أشقائي، ولما كبرت وتزوجت تحملت مسؤولية زوجي المريض حاليا وأولادي الـ 10».

لافتة إلى أن قصة زواجها كانت درامية أيضًا، حيث جاءت بعد إصرار على ارتباط بمن ترفضه الأسرة. مشيرةً إلى أنها بعد أسبوعين فقط من الزواج طلبت منه أن يشتري شباكا ويستأجر مركبا٬ مؤكدة أنها كانت تمد له يد العون وقتما يلقى الشباك أو يجمعها.

وتقول «سوسن»: «كنت أنا وزوجي نعمل يداً بيد من أجل تربية 6 أولاد و 4 بنات وهبهم الله لنا، لكن شاء القدر أن أكون العائل ثانية وأحمل الشباك بمفردي وأحل محل زوجي الذي يعاني من حصوات في الكلى منذ 11 عاما».

وحول تفاصيل رحلة الصيد اليومية، توضح «أستيقظ أثناء قرآن الفجر وأوقظ ابني مدحت التلميذ في الصف الخامس الابتدائي ونذهب لمركبنا المستأجر في النيل، أقف على حافتها أرمي الشباك ويجدف مدحت، نعود للمنزل ظهرا في موعد الغداء ونعيد الكَرَّة مرة تانية بعدها حتى مغيب الشمس».

وتستطرد «يمكن خلال اليوم أن نصطاد 3 أو 4 كيلوجرامات نبيعها، لننفق من ثمنها على متطلبات المنزل في اليوم التالي.. أحاول أن أوفر بعضا من هذا المال البسيط لعلاج زوجي المريض، وأحيانا أعمل ليلا وأبيت في النيل حتى الصباح».

وموضحة تكاليف عملها، تشير إلى أن «إيجار مركب الصيد يتراوح ما بين 10 و15 جنيها (أقل من دولار) في اليوم الواحد، وأحيانا يصل 30 جنيها (أقل من دولارين)، وقد يرفض صاحبها تأجيرنا إياها في موسم الصيد».

وبالتأكيد حينما يأتي الأمر للصيد٬ فإن هناك أيام فقيرة قد تمر على «سوسن» وأسرتها، وتوضح: «أعمل أياما طوال النهار دون أن نصطاد سمكة واحدة، والرزق حسب اليوم، في الصيف أحيانا كنت أرجع البيت دون صيد نهائيا، واُخرى كنت أبيع بـ 10 جنيهات أو 5 وأحيانا 20 واُخرى 100 جنيه حسب الرزق». ومع ذلك تؤكد الصيادة «سوسن»، أنها لن تترك الصيد حتى وإن بخل عليها النيل.

وتابعت الصيادة المصرية في حديثها مع الوكالة أنها حتى مع آلام حملها كانت تنزل بحثاً عن الرزق في النيل، وفي حالات ولادة 9 من أبنائها كانت تلد مباشرة بمجرد خروجها من المركب وبعد 3 أيام فقط من الولادة تعود للصيد مرة أخرى. مضيفةً: «أما ابني مدحت ولدته بينما كنت أصطاد، كانت معي ابنتي الكبرى صفاء وخلعت جلبابا أرتديه ولففت فيه وليدي ورجعت البيت، وبعد 3 أيام عاودت العمل».

وتلفت «سوسن» أنها واجهت مرارًا جشع تجار السمك، حينها كانت تبيع ما تصيد بنفسها في الأسواق، غير أن حالة الركود الاقتصادي الذي تشهده مصر حالياً أثرَّت أيضًا عليها، مما قلص ربحها الزهيد بالفعل. مطالبة المسؤولين في مصر، النظر إليها ومساعدتها في التغلب على متاعب الحياة، بعد مرض أغلب أبنائها وإصابة بعضهم في العمل، بجانب مرض زوجها المزمن.

تجدر الإشارة إلى أن مصر تواجه أزمة اقتصادية، دفعتها للجوء لسياسية الاقتراض، حيث تلقت ملياري دولار قيمة شريحتين من التمويل المخصص بقيمة 3 مليارات دولار من البنك الدولي لدعم برنامج الحكومة الاقتصادي والاجتماعي، كما تلقت 2.75 مليار دولار كشريحة أولى من قرض صندوق النقد الدولي المقدر بـ 12 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات.