سينما أكتوبر .. مشاهد عاطفية مكررة بتوقيع حربي سياسي باهت

بقي من حرب أكتوبر هذا العام على مستوى الأعمال الدرامية بخاصة السينمائية فيلم واحد لم يكن قد عرض من قبل؛ حيث وافقت القيادة السياسية المصرية للمرة الأولى منذ إنتاج فيلم «حائط البطولات» عام 1997م على عرضه، ورغم أن الفيلم كان من إنتاج قطاع التلفزيون التابع لوزارة الإعلام المصرية إلا أن الرئيس المخلوع «محمد حسني مبارك» منع عرضه بقرار سيادي.

على أن الجيل الذي شهد نصر أكتوبر 1973، أو حتى تفتح وعيه عليه لا ينسى، بحال من الأحوال نوعين من الأفلام: أما النوع الأول فما اصطلح على تسميته بـ«أفلام النكسة»؛ بعض هذه الأفلام لها جانبها المضىء مثل «ميرمار»؛ «شىء من الخوف»، «يوميات نائب في الأرياف»، «البوسطجي»، «الرجل الذي فقد ظله»، بالإضافة إلى رائعة والد الروائيين المصريين المحدثين «يحيي حقي»، رحمه الله، «قنديل أم هاشم».

لكن، برغم كل تلك الأفلام إلا أن نوعية أخرى من الأعمال الدرامية السينمائية تلت هزيمة 1967؛ وارتبطت في أذهان الملايين من الشباب في مختلف أرجاء الوطن العربي حينها، وهي نوعية من الأفلام رخيصة، اشتهرت بالتركيز على السقوط البشري في بئر الملذات من مثل فيلم: «روعة الحب» 1968؛ إخراج «محمود ذو الفقار». وبطولة «رشدي أباظة» و«نجلاء فتحي» و«محمود المليجي»؛ وإن كان الفيلم تم إنتاجه في مصر ، إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد.

ولكن المفاجأة المؤلمة إثر الهزيمة المريرة التي مُني الجيش المصري بها، وجعلت دماء عشرات الآلاف من الجنود المصريين تهدر على أرض سيناء؛ ازدات بما تردد من أن القيادة السياسية للدولة المهزومة نفسها أمرت بمحاولة إلهاء الشباب الذي كان يغلي من جراء الهزيمة في الجامعات والمصانع بزيادة جرعة الشهوات والإسفاف في الأفلام، وعلى نطاق واسع.

وهكذا فُتحتْ استديوهات الكويت ولبنان على مصرعيّها لطائفة من الفنانين المصريين اجتذبتهم الأموال التي أرادت الاستجابة لرغبة القيادة المصرية؛ وكانت لها سطوتها على الوطن العربي آنذاك، والإثراء المالي من جانب آخر، فكان فيلم «سيدة الأقمار السوداء» سُبّة لبنانية/مصرية في جبين السينما، الفيلم أنتجته شركة أفلام الأرز العالمية اللبنانية في العام 1971.

كما جاء فيلم «ذئاب لا تأكل اللحم» سُبّة أخرى في جبين السينما المصرية/الكويتية وهو من إنتاج عام 1973 ومن إخراج سمير خوري أيضاً.

وكان من هذه الأفلام أيضاً «زوجتي والكلب» الذي استلهم المخرج الراحل «يوسف مرزوق» قصته عن مسرحية لـ«شكسبير»، ولكن العمل تنكر في النهاية لجميع القيم والآداب.

القاسم المشترك في جميع هذه الأفلام هو المضمون الذي يحتوي على التشكيك في قيم المجتمعات العربية على الإطلاق، وانتهاز أمر هزيمة 67 للتشكيك في جدوى الحياة من الأساس في البلدان العربية؛ فـ«ذئاب لا تأكل اللحم» يقول بأن الأوساط السياسية لا تعيش إلا في أوساط من السُّكر والعربدة؛ ؛ فيما «زوجتي والكلب» يقول بأن البيئة التي على النقيض (البالغة الفقر) المتمثلة في عامل الفنار البعيد عن العمران وزوجته البعيدة عنه المنغمسة في المدينة .. هما الآخران لا يعرفان من الحياة سوى الخيانة والشكوك والسقوط.

الترميز والتوازن

على أن الأمر لا يمنع من وجود أفلام حاولت انقاذ السينما المصرية. مثل «ميرمار»، الذي وافقت الرقابة على عرضه عام 1969؛ ليصور المجتمع المصري بعد ثورة يوليو 52 مهلهلاً لا يعرف وجهته أهي إلى الاشتراكية أم متمسك بالدين؟ الفيلم قصة «نجيب محفوظ» وبطولة «شادية»، و«عماد حمدي»، وقد أشار بعض النقاد باصابع الترميز الواضحة إلى «شادية» على أنها مصر التي تخدم في بنسيون، فندق متواضع ليخدعها الجميع فيه، بحسب موقع «التقرير».

على أن لعام 1969 ذكرى لا تنسى، مع فيلم من أروع أفلام «شادية» وأبدع ما كتب الراحل الأديب «ثروت أباظة» وأخرج «حسين كمال»؛ وهو فيلم «شىء من الخوف» الذي منعت الرقابة عرضه؛ ولم توافق عليه إلا بعد أن شاهده الرئيسان الراحلان: «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات»؛ ولم يكن الأخير تولى الرئاسة بعد آنذاك.

وكانت قراءة جميع النقاد للفيلم على أن «شادية» «فؤاده» ترمز إلى مصر، فيما ترمز العصابة بقيادة «عتريس»/الفنان الراحل «محمود مرسي» إلى الضباط الأحرار، وهو ما أقسم «ثروت أباظة» آنذاك أنه لم يقصده، فيما أكتفى عبد الناصر بالقول بعد مشاهدة الفيلم:

ـ إحنا لو كنا كده نبقى نستحق الحرق فعلاً (بحسب مجلة المصور المصرية).

أفلام أكتوبر

من الافكار الخاطئة عن أفلام أكتوبر أنه تم تصوير المشاهد الحربية فيها خلال الحرب بالفعل أو حتى في نفس عامها. أما الحقيقة التي تبوح بها وكالة الأنباء الألمانية فهي أن مشاهد العبور إنما تمت بعد قرابة عام من الحرب، أي في عام 1974 وباتفاق مسبق بين القوات المسلحة؛ ومن قبل القيادة المصرية على أعلى مستوى، وبين المؤسسة العامة للسينما آنذاك على إعادة تجسيد بعض مشاهد الحرب، بما فيها العبور وبسط معداته من جسور ونشر للأسلحة وما شابه، وتولى بعض المخرجين الزج بلقطات للأبطال خلال المعارك.

74 بداية العرض

ولكن إشكالية جديدة طرأت على أفلام ما بعد نصر أكتوبر؛ إذ أنها تخلصت من أسر السقوط في مستنقع الجسد والمشاهد الخليعة على الشاشة لتُبقي على قصص الحب الملتهبة في نطاق تصوير درامي غالباً يدور حول فتى وفتاة لا يستطيع الوطن احتمال قصة حبهما حتى يجىء نصر أكتوبر ليحقق لهما حلم الزواج والارتباط، وهكذا تم اختزال الحرب من جديد في قصة حب، ولو كانت أقل في تصوير القرب الجسدي.

بدأ عرض أفلام أكتوبر بفيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» عن قصة لـ«إحسان عبد القدوس» وحوار وسيناريو «رأفت الميهي»، وبطولة «محمود ياسين»، الذي سيكون له حظ وافر من افلام أكتوبر، ولكن فيلم «الرصاصة» اشتهر حتى عده البعض ممن شاهدوه على التلفزيونات فيلم أكتوبر الرئيسي لاختصاره، غالباً، بقية الأفلام؛ ولتمثيل «نجوى إبراهيم» فيه «مصر» في إطار رمزي مكشوف بعد المُستتر الذي قدمته «شادية» من قبل.

وفي نفس توقيت عرض الفيلم الأخير تم عرض فيلم «الوفاء العظيم» من إخراج «حلمي رفلة»، وتأليف «فيصل ندا» وبطولة «عمر خورشيد» و«حسين فهمي»؛ وبعد أسبوع واحد من عرض الفيلمين تم عرض فيلم «بدور» في دور العرض السينمائية المصرية من تأليف وإخراج «نادر جلال» وبطولة «نجلاء فتحي»، والأخيرة عائدة من أفلام النكسة غير الجيدة لتشارك في أفلام أكتوبر، وشاركها في بطولة الفيلم الجديد آنذاك«محمود ياسين»، أيضاً، ثم أضيف إليهم لاحقاً فيلم «حتى آخر العمر» عام 1975 من إخراج «أشرف فهمي»، والعمر لحظة من إخراج «محمد راضي» عام 1978.

العرض التلفزيوني والتشابه

أما ما حدث بعد هذا فهو أن الأفلام صارت تعرض تلفزيونياً في وقت واحد كلما جاءت ذكرى أكتوبر ليرى المشاهد «محمود ياسين» في «الرصاصة لا زالت في جيبي» و«بدور» وفيلم ثالث؛ وفي أغلب الافلام لا علاقة للأمر بحرب أكتوبر سوى في لقطات لأبطاله في الحرب في نهاية الفيلم؛ وبقية الفيلم قصص تصوير معاناة مصرية صرفة بلغة تلك الفترة.

شذت عن الامر أفلام من مثل «العمر لحظة»، لكن بدرجة لا تنتصر لحرب أكتوبر.

لاحقاً حاول بعض صناع السينما المصريين عرض أفلام أكثر احتماء بنصر أكتوبر من مثل «كتيبة الإعدام» في الثمانينيات، الفيلم الوحيد لكاتب السيناريو التلفزيوني «أسامة أنور عكاشة»، ورغم مشاركة «معالي زايد» و«ممدوح عبد العليم»، وهما من نجوم شباك ذلك الزمان إلا أن الفيلم سقط بجدارة، ولم يهتم احد برسائل محاولة كشفه للفساد الذي استوطن البلاد بعد الحرب.

وكذلك سار آخرون على النهج فكانت حكايات الغريب لـ«محمد منير» و«محمود الجندي» الذي أنتجه التلفزيون لمحاولة جذب الانتباه إلى دور الحرب في حياة المصريين أيام المخلوع «حسني مبارك».

وبقيت من حرب أكتوبر هذا العام عرض لفيلم تم منعه منذ 20 عاماً لأنه كان يناقش بطولة سلاح «الدفاع الجوي» فيما كان الرئيس المخلوع «مبارك» لا يطيق سوى التمجيد في سلاح «الطيران» الذي قاده، ولكن المفاجأة هي أن بطل الفيلم كان هو «محمود ياسين» نفسه بطل فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» عام 1974 و«بدور» في إشارة إلى أن التاريخ يعيد نفسه سينمائياً في مصر من جديد فيما يخص حرب أكتوبر وجودة الأفلام المرتبطة بها.

المصدر | الخليج الجديد