لماذا صافح «جمال عبد الناصر» «هاشم الرفاعي» ثم أمر بذبحه؟

«سيد جامع هاشم مصطفى الرفاعي»، المعروف باسم «هاشم الرفاعي»؛ شاب شاعر؛ لم يُعمر ولم يعش سوى قرابة 24 عامًا فحسب؛ وترك إبداع «شاعر مفوّه فحل».

مصري لون وجهه أقرب إلى طمي تربة الكنانة وقسوة المُلابسات التي تعاملت معه البلاد بها، بناءً عليها، في حياته؛ وُلِدَ لأسرة بسيطة الشرفاء في أنشاص الرمل في الشرقية في عام 1935م؛ وكان أبوه مُتصوفًا وقيل كان إنه كان شيخ عمود في الأزهر.

صافح الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر» الشاعر «هاشم الرفاعي» في عام 1958م، على الأغلب، ولم يكن الأخير سعيدًا بالمصافحة رغم بهجة كل الذين حضروها مثلما يبدو فيها، كما لم ينتهز المُصافحة لبدء صفحة جديدة يُهادن فيها

«الحاكم القرصان»، في رأيه، ومن هنا تورط نظام «عبد الناصر» في ذبح «الرفاعي» في العام التالي للقاء..لملابسات يكشفها التقرير التالي:

تفتح وعي وأسئلة

لمّا تفتح وعي «الرفاعي» على الحياة أدرك ببنيانه الجسدي الأقرب إلى النحافة، والرَّبعة (التوسط بين الطول والقصر)، أدرك أن أهله ليس لهم نصيب من الحياة التي حلم بها لهم؛ أو حتى كما ينبغي أن تكون..ومن هنا انفجرت موهبته الشعرية؛ توافرت بفعل الحرمان؛ وتعمقت بفضل رغبته القوية في إحداث تغيير في الحياة على أرض بلاده التي تغلغلت محبتها في تكوينه وحناياه.

لكن محاربو الإبداع في كل عصر ومكان وأوان كانوا له بالمرصاد، في أول حياته ولديه اثنتا عشرة سنة فحسب؛ مثلما في آخر أنفاسه.

ولكن هل شارك «الرفاعي» بالفعل في مظاهرات الطلبة على كوبري عباس؟ وأصيب بطلق ناري فيها، وقد كان يدرس وقتها في الأزهر (عام 1946م)، وبسبب الحادثة هاجم الملك «فاروق»، قالت المصادر (يُروى) .. وكم يُزج على أمثال «الرفاعي» لتمجيدهم مع عدم حاجتهم إلى ذلك أصلًا؟

الثورة فرحة ومذبحة

آفة المُبدعين في وطننا العربي الفرحة الشديدة الغامرة بما عاشوا يطلبونه ويحاولون الوصول إليه من تغييرات تهب بلادهم الفرحة؛ ثم انكسارهم الشديد عقب اكتشافهم أن ما تأملوا منه وفيه الخير لم يكن إلا مجرد «وميض برق وهم لاح ثم اختفى»!

كذلك كان حال «هاشم الرفاعي» مع يوليو/تموز 1952م إذ استبشر بشدة بحركة «الضباط الأحرار» الذي كان الراحل «طه حسين» أول الذين أطلقوا عليها لقب (ثورة).

ثم راع وشغل وآلم «الرفاعي» الصراع بين «عبد الناصر» و«محمد نجيب» الذي استطاع الأول القضاء فيه على «نجيب» رمز يوليو/تموز وعلى حلم الديمقراطية في البلاد، فانطلق صوت «الرفاعي الشعري مؤرقًا منام «عبد الناصر» ونظامه؛ وذلك بعد قيادته مظاهرة ضده في عام 1954م فُصلَ على إثرها من «معهد الزقازيق الثانوي الديني» ليبدع في شعره بعدها:

أهــــوى الحياة كريمة لا قيد لا … إرهاب لا استخفاف بالإنــسان

فإذا سقطتُ سقطتُ أحمل عزتي.. يغلى دم الأحرار في شرياني!

ولم يكن نظام «جمال عبد الناصر» يهوى الحياة لشعبه لا حرة ولا كريمة وبلا قيود أو استخفاف بالإنسان؛ وكان الشاب المبدع الطموح إلى ازدهار عالمه وأهله وأوطانه بعيد النظر يعرف أن مصيره إلى الهلاك؛ ولكن الموهبة الآسرة؛

والرغبة الشديدة في تقديم شىء على طريق الحرية كان قد تملكه..مع حرصه على نقل أدق التفاصيل الحياتية في بلدته ..فأي إبداع الذي لا يجعله ينسى حتى «بائع الألبان».. وهل يعرف الطغاة باعة الأوطان باعة الألبان؟!

أبتاه إن طلع الصباح على الدنى … وأضاء نور الشمس كل مكان
واســـــتقبل العصفور بين غصونه….. يوما جديدا مشرق الألوان
وسمــــــــــــعتَ أنغام التفاؤل ثرة ….. تجري على فم بائع الألبان
وأتــــــــــــــى يدق- كما تعود- بابنا …. سيدق باب السجن جلادان
وأكــــــــون بعد هنيهة متأرجحا …. في الحبل مشدودا إلى العيدان
لِيَــــكُنْ عزاؤك أن هذا الحبل ما …. صنعته في هذي الربوع يدان
نســــــجوه في بلد يشع حضارة …. و تضاء منه مشاعل العرفان
أو هــــكذا زعموا وجيء به إلى …. بلدي الجريح على يد الأعوان

كان الراحل يعرف ألّا مكان لأمثاله في مثل وطن يحكمه جلاد مثل «جمال عبد الناصر»، برأيه؛ وكم راح العقلاء من زملائه.. ومن أهل بلدته يحذرونه من المُضي في انتقاد الحاكم الجامح الذي لا يعرف العقل إلى رغبته الشديدة في سفك الدماء سبيلًا..ولكن هل للفارس الأسمر الأميل اللون إلى طمي النيل إن ركب جواده أن يترجل؟

أنا لست أدرى هل ستُذْكَر قصتي ..أم سوف يعروها دجـى النسيان؟
أو أنــــــــــــــــــني ســـأكون في تاريخنا .. متآمرا أم هـادم الأوثان؟
كــــــــل الـــــذي أدريه أن تجرعي … كـأس المذلة ليس في إمكاني
لو لم أكــــن في ثورتي متطلـــــبا .. غير الضـــياء لأمتي لكفــــاني

قصيدة دمشق الباكية

على مدار عشرات السنوات أبكت القصيدة التي ألقاها «الرفاعي» في «مهرجان الشعر الأول» في دمشق في عام 1959م مئات الآلاف من أبناء الوطن العربي في مختلف أنحاء العالم، بخاصة وصية «هاشم» الشعرية إلى أبيه:

أنـــــا لا أريدك أن تعيش محطما .. في زحمة الآلام والأشجان
إن ابنك المصفود في أغلاله.. قد سيق نحو الموت غير مدان!

كانت قصيدة «رسالة في ليل التنفيذ»..القصيدة الثائرة التي تريد من الجموع التحرك نحو الحرية والأمل والثورة على الأنظمة الفاشية؛ إثر حكم القراصنة:

فاذكر حكايات بأيام الصبا ….. قد قلتها لي عن هوى الأوطان!

وأضاعت القصيدة ما كان من صبر؛ وهو قليل، فيما تجمع المصادر على روايته؛ لدى الحاكم في مصر بخاصة أنها قيلت وانفجرت بها شرايين الشاعر المُبدعة في دمشق إبان الجمهورية العربية المتحدة (22 من فبراير/شباط 1958 ـ 28 من سبتمبر/أيلول) التي جمعت بين مصر وسوريا، أي أن الشاعر يؤولب الشعب السوري أيضًا على الثورة؛ ولطالما كان نظام «عبد الناصر» الضعيف الهش يخشى من هذه الأمور!

واستحضر الطغاة تاريخ «الرفاعي» وقوله في أكتوبر/تشرين الأول 1954م عن حلم الجلاء كما سمّاه:

قالوا الجلاءَ فقلتُ حُلْمُ خيالِ ..لا تطمـــعوا في نيلِ الاستقلالِ

ليس الجلاءُ رحيلَ جيشٍ غاصبٍ ..إنَّ الـــجلاءَ تحطمُّ الأغلالِ

وكانت قصيدة مصر بين احتلالين التي صور فيها مساوىء رجال الثورة وانكسار الحلم فيهم:

إنْ يتركِ الوادي الدخــيلُ فـإنَّنَا .. نحيا بــمصر فريسةَ الإذلالِ

يا نيلُ إنَّ السَّيْلَ قد بلغ الزُّبى .. وغـــدتْ بلادُكَ دمية الأطفال

الشعبُ مشدودُ الإسارِ مُـكَمَّمٌ .. يشكو القيودَ، وما لهُ من والِ

ولقد ظننَّا أننا في عـهدهم ..سنـــــــــــزيحُ عنَّا مرهِقَ الأثقال

حتى تكشَّـــــــفَ للبلاد خداعُهم .. هيهات للظمآن ريُّ الآلِ

أما موقفه من إبعاد «محمد نجيب» وإلحاقه بالإقامة الجبرية في قصر «زينب الوكيل في المرج فكان واضحًا، مثل وضوح موقفه من قتل واعتقال وظلم الإخوان المتناهي في عهده؛ وكان يرد في الأبيات القادمة على الطالبين منه الصمت على تسلط «الضباط الأحرار:

هبني خدعت بكل ما زيفته عن ســــادة الأحزاب و الإخوان

هل خان قائدنا نجيب عهدنا أم راح نهب الحقد و الأضغان؟

لم يرض بالحكم انفرادا غادرا بعد العهود و بيعة الرضوان

أو كل شهم لا يطيق خداعكم أضحى لديكم خائن الأوطان ؟

وكانت النتيجة أن لقي «عبد الناصر» «الرفاعي» في حفل وصافحه، ويبدو أن «الرفاعي ذهب خائفًا ..فمن كان يستطيع رفض دعوة يحضر فيها «عبد الناصر»؟ ثم بنفس اليد، يد «عبد الناصر»، دس سكينًا عند أحد المُوالين له من المجرمين؛ ليتم استدراج «الرفاعي» إلى شجار مصطنع في بلدته أنشاص ليتم ذبحه في ملابسات ماتزال غامضة إلى اليوم، لكن الأصابع الأمنية وراءها متواترة.

ولإبعاد التهمة عنه أقام النظام تأبينًا لـ«الرفاعي» في جامعة القاهرة بحضور الأديب الراحل «يوسف السباعي، أقطاب السلطة آنذاك، ووزير التعليم «كمال الدين حسين» عضو مجلس قيادة الثورة.

وفي الحفل حضرت خطيبة «الرفاعي» مع أهله؛ وأُلقيت قصيدة «رسالة في ليلة التنفيذ»؛ حتى إذا جاءت كلمات الشاعر التي خاطب أباه فيها:

وإذا سمعت نشيج أمي في الدجى… تبكى شبابا ضاع في الريعان
وتُــــــــــــكَتِّم الحسرات في أعماقها …..ألما تواريه عن الجيران
فاطـــــلب إليها الصفح عني إنني … لا أبتغي منها سوى الغفران
مــــــــــازال في سمعي رنين حديثها…. ومقالها في رحمة وحنان
أَبُنَـــــــيَّ : إني قد غدوت عليلة ….. لم يبق لي جَلَد على الأحزان
فأذق فؤادي فرحة بالبحث عن .. بنت الحلال ودعك من عصياني
كانــــــــــــــــــــــت لها أمنية ريانة …… يا حسن أمال لها وأمان
غزلت خيوط السعد مخضلا ولم ..يكن انتقاض الغزل في الحسبان
والآن لا أدرى بأي جــــــــــوانح ….. ستبيت بعدى أم بأي جنان!

انفجرتْ الفتاة باكية لتبكي أغلب الحضور.

طبعت الدولة في عهد «عبد الناصر» ديوان «الرفاعي» مُصدرًا بصورة الرئيس في أول صفحاته؛ وهو الذي قال عنه «الرفاعي في قصيدة «جلاد مصر» في ديوان «جراح مصر» الذي عُدّ من أهم شعره:

أنزل بهذا الشــــــــــعب كل هوان.. وأعـــد عهود الرق للأذهان

واقتل به ما استطعت كل كرامة..وافرض عليه شريعة القرصان

أطلق زبــــــانية الجحيم عليه.. من بوليسك الحربي والأعوان!

ولم يتسن نشر ديوان «جراح مصر» لا في عهد «عبد الناصر» ولا «السادات» وإنما نُشِرَ في عام 1985 في عهد الرئيس المخلوع «حسني مبارك».

مواقف الرفاعي السياسية

تحسب جماعة الإخوان الرفاعي على أنه أحد شعرائها؛ ولم يقم دليل على ذلك رغم دفاعه الشديد عنها وعن حركتها الإصلاحية وما لقته من تعذيب وظلم سياسي اجتماعي؛ ويقول آخرون أن ميوله كانت وفدية؛ ويبدو أنه في أحد مراحل حياته دُعيَ لإلقاء قصيدة في حضور «عبد الناصر» بعد الوحدة السورية (ربما في وقت لاحق من فبراير/شباط 1958 عقب قيام الوحدة؛ وقبل مؤتمر الشعر الأول في دمشق في 1959م الذي قتل الشاعر على إثره في 23 من شوال 1378هـ المُوافق 1 من يوليو/تموز 1959م.

المصدر | الـخليــــج الجــديــد