شهادات في ذكري مجزرة «رابعة»

تتجاوز مجزرة ميدان رابعة العدوية، في أغسطس/ آب 2013، في القاهرة بكثير روايات ضحاياها، لرمزيتها الفائقة الأهمية في السياق المتعثر لثورات الربيع العربي. شهدت ذكرى المجزرة، قبل أيام، اعترافا أوسع بها، باعتبارها المحطة الأكثر دمويةَ في مسار الثورة المصرية، وسقوط الثورة المدوي في أبشع أشكال العنف على يد الدولة وأجهزتها.

أهمية الاعتراف أنه جاء من شرائح أكثر اتّساعا في المجتمع والإعلام المصريين، ومن داخل كتلة الأصوات الصامتة، أو التي تعتبر أن العنف التاريخي لقوى الأمن المصرية، والذي تجلى في أبشع أشكاله دمويةً في مجزرة رابعة لا يمكن أن يمتد إليها، باعتباره محصوراً بـ “أعداء الداخل”، أو أولئك الذين لا يملكون سبيلاً إلى حظوة السلطة والمحسوبيات.

أعاد الفيلم الوثائقي لقناة الجزيرة (كانوا جرحى) عن الهجوم على المستشفى الميداني في ميدان رابعة العدوية، إبّان عملية الفض الدموية، بعضاً من إنسانية الضحايا الذين حولتهم الرواية الرسمية إلى مجرد أرقام أو جثث متفحّمة. شهادات الأطباء والمسعفين المتطوعين المرعبة عن عمليات القتل المجاني، وبالجملة، والتي لم تستثن حتى طاقم المسعفين، قدّمت صورة جديدة للمجزرة، حتى بدا هؤلاء المسعفون وكأنهم جزء من الضحايا، يتحدثون عن معاناةٍ تجاوز ما شهدوا عليه، وشعورهم بالقصور والعجز عن إنقاذ أعداد كبيرة من المصابين، قتل بعضهم ببرودة برصاص رجال الأمن، وهم يحاولون إنقاذهم.

سبق “الوثائقي” تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش الحقوقية، العام الماضي، عن عملية الفض المنظمة، والمخطط لها، والذي كان أول وأهم وثيقة أعادت الوجه الإنساني لضحايا القمع الفائق في ساديته. نقل التقرير رواياتٍ مرعبة لقتل مجاني سادي، مثل إعدام جرحى في المشفى، أو قتل مسعفين، وقصص تشفٍّ بالقتلى، تكاد لا تصدّق، منها طلب أحد عناصر الأمن من والد أحد الضحايا أن يجلب له حلوى لقاء الحصول على جثة ولده.

في وثائقي “الجزيرة”، يقدّم المسعفون شهاداتٍ مرعبة عن قتل بارد للجرحى داخل المشفى، أو تهديد الأطباء بالسلاح، لمنعهم من إنقاذ الجرحى، أو اضطراراهم للاختيار بين من ينقذ ومن يترك ليموت، لكثرة أعداد الجرحى وفداحة إصاباتهم.

لم تنفذ عمليات القتل الجماعية في العتمة، أو بعيداً عن أضواء الإعلام. المرعب في المجزرة أنها نفذت في حين كان الإعلام التقليدي المحلي يبث موادّ عن “عنف” الضحايا، وتعرّضهم لمؤسسات الدولة ودور العبادة المسيحية. على وسائط الإعلام الحديث، ترافقت المجزرة مع احتفالات تشفٍّ، وطلب المزيد من القتل والتنكيل.

رافق تشفي القتلة وعمليات القتل الباردة لمتظاهرين سلميين احتفالات شعبية بـ”فرم” من قدّموا على أنهم الأعداء الخطرون الواجب التخلص منهم. رداً على سؤالي بشأن كيفية التعاطي مع مجزرة “رابعة” في التغطية الإعلامية، أجابني أحد نجوم “التوك شو” المصري ممن يعتبرون الأكثر مهنيةً أنه كان يتوقع أن تكون أرقام القتلى أكبر بكثير. القتل البارد إذن طبيعي وعادي ومتوقع. إنه أيضاً معلوم ومقبول، ولا حاجة لكثير من التقصّي عن وقوعه أم لا. لا فرق.

قدّمت ثورات الربيع العربي التنوع قيمة أساسية في التركيبة السياسية الجديدة. شكّل هذا التنوع الذي وجد منصةً رحبة له في الإعلام التقليدي المحلي، في شكل غير مسبوق في المراحل الأولى لما بعد التغيير، اكتشافاً مثيراً للاهتمام، ومثيرا أيضاً للفخر، لاعتباره تجسيداً لانتقال فعلي نحو تركيبةٍ أكثر ديمقراطية، أو أقل إقصاءً للآخر.

شهد العام الوحيد لحكم الرئيس المنتخب من جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، اختبارا لهذا التنوع، في أوسع أشكاله، إذ بلغت الديناميكية السياسية والإعلامية أعلى مستوياتها. وشكلت مجزرة “رابعة” سقوطاً أخلاقياً مروعاً للعملية الانتقالية إلى الديمقراطية، ليس فقط بفعل العنف المريع الذي مارسته أجهزة الدولة على الخصوم السياسيين، وإنما والأهم الاحتفاء الشعبي الذي رافق القمع الرسمي، ولم يختلف معه سوى الشهود الصامتين على هذا السقوط، وهم بذلك مشاركون، ولو سلبا في وقوعه.

سقط التنوع مع “شعبية” مجزرة رابعة، ومعها طويت صفحةٌ في مسار الثورات العربية، المتعثر أساساً بفعل ميراث الماضي وعجز الحاضر. امتدت “شعبية” مجزرة رابعة إلى خارج مصر، بما في ذلك في أوساط شريحة واسعة من الرأي العام التونسي الذي وجد في شخص الجنرال عبد الفتاح السيسي، مهندس السقوط الكبير، هالة “المنقذ” من تنامي سطوة الإسلاميين. من هؤلاء أيضاً من كان قد احتفى بثورة الياسمين وسقوط ديكتاتورية نظام بن علي. الحنين إلى حكم الرجل القوي كان أكثر فاعلية.

كشفت مجزرة رابعة خواء شعارات التنوع وحكم القانون التي اعتبرنا، بسذاجة، أنها باتت جزءاً من ميراث ما بعد الثورات.

تقول إحدى المسعفات في وثائقي “الجزيرة” عن المشفى الميداني لميدان رابعة العدوية، في معرض حديثها عن صعوبة تجاوز ما شهدت عليه يوم الفض “لما نقابل ربنا، سنقول له نحنا ما قصرنا مع حد” من الضحايا في يوم القتل المريع. كان واجباً أن نسمع صوتها وشهادات زملائها حتى يعود للضحايا بعض من الكرامة الإنسانية.

* د. فاطمة العيساوي باحثة لبنانية بمركز الشرق الاوسط في كلية لندن للاقتصاد والسياسة.