ضحى عبد الجواد تكتب: تحولات في دراسة الإسلام السياسي

مثل الربيع العربي نقطة انطلاق لمراجعات ومناقشات عديدة، داخل حقل الإسلام السياسي. ويعزى ذلك إلى تصاعد دور الحركات الإسلامية وتحقيقها مكاسب سياسية سريعة عديدة. كان وقع تلك الانتصارات وما صاحبها لاحقا من هزائم سياسية وأيديولوجية متلاحقة، خصوصا في مصر، مشابها لوضع أحداث “11 سبتمبر” على كتابات عديدة في هذا الحقل. حيث دفع الباحثون إلى إعادة استخدام منهجيات هيمنت على الحقل منذ التسعينات، متأثرة بحقل الأنثروبولوجيا، لمراجعة المقولات المركزية حول علاقة الإسلاميين بقضايا الثورة، والديمقراطية، والعلمانية والعدالة الاجتماعية، وغيرها.

وفي إطار دراسة هذه القضايا، شهد حقل الإسلام السياسي تنازعا بين تيارين أساسيين، هما:

التيار الاستشراقي الحداثي الذي ظل مهيمنا على الحقل حتى نهاية السبعينات؛ وتمثلت توجهاته في إسقاط التصورات والمفاهيم الغربية عن دور الدين وعلاقته بالسياسي والفعل الثوري في المجتمعات الإسلامية، حيث نظر إلى الدين باعتباره عاملا سلبيا، ستتم تنحيته تلقائيا في مسيرة الحداثة الخطية. وانعكست أفكار هذا التيار في الدراسات التي قدمت تحليلا ثقافيا لأسباب غياب الديمقراطية في العالم العربي، حيث نظر إلى الثقافة العربية والدين الإسلامي كأحد الأسباب الرئيسية لاستمرار النظم الاستبدادية في المنطقة.

ويلاحظ على هذه الدراسات غياب الدور الذي لعبه الاستعمار في تشوه البنية المؤسسية والثقافية في الدول العربية، أو إهمال هذا الدور، بالإضافة إلى غياب التحليل الإثنوغرافي وقراءة التحركات والخطابات الإسلامية من منظور ذرائعي براغماتي، يسعى إلى التعبئة والحشد، من دون فهم أسس ذلك الخطاب ومنطلقاته.

التيار الثاني هو النقدي، وتمثل في دراسات عديدة اهتمت بتقديم رؤية نقدية للحداثة الغربية، والطريقة التي درست بها المجتمعات الشرقية أو غير الغربية عموما. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى إسهامات روكسان إبيان وشاميل إيزنشتاد وإرماندوا سلفادوري في مراجعة مرتكزات الفلسفة الغربية وإعادة قراءة عدد من المفاهيم السياسية، بصورة مقارنة من المنظورين الإسلامي والغربي معا.

فإبيان، على سبيل المثال، تعيد في كتابها “العدو في المرآة” قراءة مفهوم العقلانية من خلال كتابات سيد قطب. ويولي إيزنشتاد اهتماما خاصا بالدور الذي يلعبه الدين في المجمتع المدني بالمجتمعات الإسلامية على نقيض التجربة الغربية الإقصائية للدين، فيما يخص نشأة المجتمع المدني وتطوره. ويعيد إرماندوا سلفادوري، في جهد مشترك مع مارك ليفين، فهم الجدالات في المجال العام بالعالم الإسلامي، وارتباطها بمفهوم جديد، هو مفهوم المصلحة العامة في المخيلة الإسلامية، والذي يربط بين الأبعاد المادية والأخلاقية للفعل والحركة..

كتابات ودراسات

بالتوازي مع تلك الدراسات النظرية النقدية، شهد علم الاجتماع والأنثروبولوجيا دراسات عديدة قدمت تحليلا للتحولات التي شهدتها الحركة الإسلامية وخطابها في العالم العربي منذ مطلع التسعينات؛ فمن ضمن هذه الإسهامات كتابات أوليفير روي عن مستقبل الإسلام السياسي، وتحليلات آصف بيات لمفهوم ما بعد الإسلاموية، والذي طرحه روي نفسه في عام 1994، في دراسته حول نهاية الإسلام السياسي أو فشله، بالإضافة الي كتابات سلوى إسماعيل عن الحركة الإسلامية في مصر.

تقدم كتابات روي (روا) تحليلا لواقع الحركة الإسلامية المعاصرة؛ حيث يقر روي بأن الإسلام السياسي فشل، ودخل في مرحلة ما بعد الإسلاموية. ويقصد بذلك فشل المشروع القيمي والأخلاقي لحركات الإسلام السياسي، وتحولها إلى أحزاب وحركات سياسية، لا تختلف، في طبيعة خطابها وممارستها، عن الحركات والأحزاب العلمانية. ويرجع روي ذلك إلى عملية تسييس الدين والانغماس الشديد في العمل السياسي.

وفي كتابه الحديث “الإسلام المعولم.. البحث عن الأمة الجديدة”، يوضح روي أن هناك اتجاهان للحركة الإسلامية في صورتها الحالية: يتمثل الأول في التحول إلى حركات سياسية علمانية. والثاني يمكن تسميته الأصولية الجديدة، والتي تركز علي قضايا التدين وتسقط الدولة من حساباتها، إما بحكم أن هؤلاء المسلمين أقلية داخل المجتمعات الأوروبية، ومن ثم ليس لديهم تطلعات لمشروع سياسي يسعى إلى إقامة دولة إسلامية، وهو المشروع التقليدي الذي استندت إليه حركات الإسلام السياسي عند نشأتها، أو من خلال انتمائهم لحركات الجهاد المسلح العالمية، مثل تنظيم القاعدة، لا تعترف بالحدود الجغرافية والدولة القومية.

وفي ضوء النتيجة التي وصل إليها روي، حول فشل (ونهاية) خطاب الإسلام السياسي التقليدي الذي يسعى إلى تحقيق حلم الخلافة، وبناء مجتمع إسلامي عادل، يطرح روي أهم التحولات التي شهدتها الحركات الإسلامية في العالم العربي، والتي تتمثل في تراجع خطاب الخلافة لصالح مشروعات قومية ضيقة، تراجع خطاب تطبيق الشريعة لصالح إقامة مجتمع مدني قوي، بالإضافة إلى التعامل مع الدين، باعتباره شأنا داخليا وفرديا، أوما يمكن أن تطلق عليه خصخصة التدين. ويرى روي أن تلك التحولات تعني بوضوح علمنة الخطاب الإسلامي وغياب مساحات الأصالة والتفرد، مقارنة بغيره من الحركات الليبرالية والعلمانية..

في ضوء ما قدمه روي، يطرح آصف بيات قراءة معاكسة، استنادا إلى مفهوم ما بعد الإسلاموية نفسه، حيث يرى بيات أن الإسلام السياسي لم يمت، أو ينته على حد تعبير روي، وإنما يشهد تحولا جديدا يقدم قراءة مختلفة لخطاب حركات الإسلام السياسي التقليدية، يتمثل في السعي إلى إقامة مجتمع إسلامي، في ظل دولة ديمقراطية محايدة، تحترم حقوق الإنسان. وتقف على الحياد من الجماعات المختلفة، ومن مظاهر وتجليات التدين في المجال العام.

ومن ثم يرى بيات أن الدولة مازالت حاضرة في تصورات ذلك التيار من الإسلاميين، وكذلك الدين. وبالتالي، يجب الحذر من وصف ذلك التحول، باعتباره علمنة للخطاب الإسلامي. وإنما يجب التعامل معه باعتباره تحولا أو مشروعا نقديا للخطاب السياسي الإسلامي التقليدي، الذي يؤكد على الواجبات أكثر من حقوق الأفراد، ويتعامل باستعلائية مع التصورات الأخرى غير الإسلامية. ويشير بيات إلى تجليات ذلك التيار في الحركة الإصلاحية التي قادها الرئيس محمد خاتمي في إيران في التسعينات، بالإضافة إلى جيل الشباب من الإسلاميين في مصر، وحزب العدالة و التنمية في تركيا.

ويرى بيتر ماندفيل أن مفهوم ما بعد الإسلاموية، بالشكل الذي يطرحه آصف بيات يتضمن قدرة تحليلية واسعة، تمكن الباحثين من فهم بعض التجليات والتيارات الوليدة داخل الحركة الإسلامية، والتي تتمثل في ظهور في مجموعات حرة تأخذ أشكالا تنظيمية سائلة ومرنة، لديها قدرة على الحركة والعمل في المجال العام، بصورة إبداعية جديدة، لا تتوقف عند حد المنافسة الحزبية، والسعي إلى السيطرة علي الحكومات، كذلك لديها قدرة على التكيف مع آليات العولمة، وتشكيل شبكات اجتماعية واسعة قادرة على الحشد والتعبئة، تتخطى حدود الدولة القومية.

ومن ثم نجد أن المضامين التي يحملها مفهوم ما بعد الإسلاموية تجسد حالة السيولة والتنوع الحالي للظاهرة الإسلامية، بشكل يتجاوز حدود التنظيمات الهرمية، ولديه قدرة على الانخراط، والتجاوب مع خطاب حقوق الإنسان والتيارات النقدية للدولة القومية.

في سياق تحولات الحركة الإسلامية، ورفض مقولة نهاية الإسلام السياسي التي يطرحها روي، تقدم سلوى إسماعيل، في أحد مقالاتها، رصدا للعلاقة بين الرأسمالية وصعود البرجوازية الإسلامية وثقافة الاستهلاك منذ مطلع التسعينات، الأمر الذي يشير إلى حدوث تحولات على صعيد ثقافة الأفراد وتكوينهم داخل الحركات الإسلامية، بالإضافة إلى القبول بالنظام الراسمالي، بل وتبريره داخل أطر أخلاقية.

وترصد سلوى إسماعيل، أيضا، تحول استراتيجية حركات السلام السياسي في مصر من الاهتمام بأسلمة الدولة إلى أسلمة المجال العام، وهو ما يظهر في ارتفاع معدلات التدين ومظاهره، بصورها المختلفة، الأمر الذي يعني تداعي (وفشل) مقولات العلمنة التي تستند إلى تنحية الدين تدريجيا من المجال العام.

مناهج وموضوعات

إجمالا، يمكن القول إن حقل الإسلام السياسي شهد، منذ مطلع التسعينات، تحولات على صعيد المناهج وموضوعات الدراسة. حيث تم التحول من الدراسة النصية الساكنة لكتب المفكرين الإسلاميين وكتاباتهم إلى دراسة الواقع المعيش، وكيفية تشكل الخطاب الإسلامي المعاصر والتجليات الثقافية والسياسية المختلفة للحركة الإسلامية، سواء في العالم الإسلامي أو الغربي.

وقد كان لفلسفة ما بعد الحداثة دور كبير في إحداث هذا التحول الملحوظ، بالإضافة إلى أحداث عديدة، دفعت نحو ذلك، مثل الثورة الإيرانية وحرب الخليج الثانية، ثم لاحقا أحداث الانتفاضة الثانية، وصولا إلى أحداث الربيع العربي.

وقد سمحت الأحداث، أخيرا، خصوصا ما أعقبها من سقوط سياسي سريع لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، بإعادة النظر فيما يخص بمقولات الإسلام والديمقراطية وموقف الحركات الإسلامية منها؛ فموقف الجماعة وأدائها، وكذلك موقف السلفيين في مصر، أو حركة النهضة في تونس، أعاد كله إلى الأذهان مقولات روي بشأن التشابه أو التماهي بين سياسات (وبرامج) الحركات الإسلامية وغيرها من الأحزاب غير المحسوبة على التيار الإسلامي.

فالتطورات الحالية للصراع بين الإسلاميين والسلطة في مصر أوضحت أن مشكلة الحركات الإسلامية ليست في أنها قادرة على قبول قواعد اللعبة الديمقراطية الرسمية أم لا، وإنما في قدرتها على تحقيق الاتساق الداخلي بين شعاراتها والممارسة السياسية الفعلية.

ومن ثم لم يعد النقاش الدائر حول التوافق بين الإسلام والديمقراطية التمثيلية محل جدال كبير داخل الحقل كما كان في السابق، وإنما التساؤلات الحقيقية الحالية المطروحة هي بشأن مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة العربية، خصوصا بعد فشل تجربة “الإخوان”، والتراجع النسبي لشعبية حركة النهضة، فبأي شكل، وتحت أي مظلة، يمكن لحركات الإسلامي السياسي غير العنيفة الاستمرار.

هل تتجه نحو العمل الدعوي وتخرج العمل السياسي من دائرة اهتمامها، أم تشتبك سياسيا كأي حزب سياسي علماني، وتترك المجالين، الدعوي والديني، لأطراف غير مسيسة؟

وما هي احتمالية انغماس تلك الحركات في العمل المسلح رد فعل على العنف الممارس ضدهم؟

الحقيقة أن الأجابة على مثل هذه التساؤلات تعيد بوصلة الكتابة، مرة أخرى، إلى العلاقة بين السياسي والديني في تصورات الحركات الإسلامية، وهو ما يظل مرهونا بتطورات الواقع، وتعامل الحركة الإسلامية في عمومها معه على الصعيد النظري والفلسفي.

* ضحى عبدالجواد — مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية — جامعة القاهرة

المصدر | العربي الجديد