طلال سلمان يكتب: الوطن العربي تحت الوصاية الدولية!

يخضع «الوطن العربي الكبير» بمختلف أقطاره، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، لوصاية دولية متعددة الهوية تشمل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الروسي وإسرائيل، مع حصص محددة ومحدودة لكل من ألمانيا الاتحادية وبريطانيا وفرنسا الخ..
ليست القواعد العسكرية هي الشكل الوحيد للسيطرة الأجنبية على هذا البلد العربي أو ذاك، علما بأن هذه القواعد موجودة بشكل أو بآخر وهي تمثل نوعا من الوصاية، بل هناك، أولا وأساسا، الاقتصاد الذي يتقدم على العسكر في هذا المجال. أوليس الدولار هو «السيد» في أربع رياح الأرض العربية؟

يمكن أن نجد أسبابا تخفيفية كمثل القول إن الدولار يسيطر على اقتصاديات الكون، ومن الطبيعي أن تكون له السيطرة على بلاد محدودة الدخل (أو مضيعة الدخل) مثل البلاد العربية، لا فرق هنا بين الدول الغنية بمواردها التي جاءتها كهبة قدرية (النفط والغاز) والدول الفقيرة التي ضنت عليها الطبيعة بمثل هذه الموارد.

لكن هذا الواقع لا يمكن أن يخفي حقيقة أن البلاد العربية الغنية بمواردها الطبيعية، كمثل السعودية، ليست بأفضل حال من الدول الفقيرة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مستوى حياة «الشعب»، أي الناس جميعا فيها، وليس فقط الأسرة الحاكمة وملحقاتها من المنتفعين من «الشرهات» و «العطايا»، وهي نوع من الرشوة توزع على النافذين من شيوخ القبائل والوجاهات المحلية و «عيون الدولة» في مختلف أرجائها.

وها هي الكويت التي أثبتت أسرتها الحاكمة أنها الأبعد نظرا من مثيلاتها في أقطار الخليج، تمد يدها إلى «صندوق الأجيال» الذي أنشأته قبل نحو نصف قرن، تحوطا واستعدادا لظروف طارئة قد تتسبب في وقف تدفق النفط أو قد تتسبب في خفض مفاجئ لأسعاره، كالذي حدث قبل فترة وجيزة، مع احتمال أن تتدهور قيمة «الذهب الأسود» أكثر فأكثر.

بل إن «الثورة الإصلاحية» التي بشر بها ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، قد تضمنت في ما تضمنته، جباية الضرائب، وربط الأجر بالإنتاج، وإعادة سعودة الشركات السعودية الكبرى، لا سيما تلك العاملة في مجال الخدمات، وهي سعودية أصلا، ولكن القرار الجديد يخضعها لسيطرة «مشروع الملك الجديد» (مؤسسات بن لادن، على سبيل المثال).

هذا يعني أن «الثورة الإصلاحية» ستبدل جذريا في العلاقات بين «الدولة»، وهي هي الأسرة الحاكمة، وبين الرعايا الذين ينقسمون، في عين «النظام»، إلى «موالين مخلصين» كانوا ينالون مكافآت على ولائهم وليس على دورهم في الإنتاج، وإلى «معارضين» و «مشاغبين» حتى لو كانوا «صامتين» يسعون إلى رزقهم في العمل الحر، غالبا، ولا ينتظرون رعاية أو دعما من السلطة، ولا يطلبون إلا الأمان..

حتى في دولة الإمارات يتحدثون عن ضيق وعن أزمة اقتصادية طارئة سببها المباشر التورط في الحرب السعودية على اليمن، بكلفتها التي فاقت التوقعات، والتي يفاقم منها أنها بلا أفق، إذ لا أحد يمكنه التكهن بالمدى الزمني الذي قد تستغرقه هذه الحرب العبثية وبالتالي بكلفتها المفتوحة.

فأما العراق فأوضاعه الاقتصادية فضائحية: ذلك أن الخزينة العامة منهوبة، والعجز يتفاقم مهددا بنتائج كارثية. في الوقت ذاته، فإن الحرب المفتوحة على «داعش» تكبد الدولة خسائر هائلة، كما تمكن لعودة الهيمنة الأجنبية من باب الاقتصاد فضلا عن الأكلاف العسكرية. وكل ذلك تسبب في انهيار ذريع للعملة الوطنية في أرض السواد التي كانت موازنتها تقارب موازنات دول متقدمة.

ثم إن المسألة الكردية تفاقم مخاطر الأزمة المالية. فالإقليم الكردي ينال موازنته من الحكومة المركزية، لكنه يبيع النفط المستخرج من أرض الإقليم، وكذلك من خارج هذه الأرض، ثم يحتفظ بالناتج بذريعة أن ثمة إشكالات سياسية وأمنية مع الحكم في بغداد لا بد أن تحل أولا، ثم يمكن إجراء المقاصة بين «الدولتين»!
فإذا ما وصلنا إلى سوريا تبدت الكارثة الاقتصادية، كوجه آخر للحرب في سوريا وعليها، في حجمها الطبيعي: نصف البلاد، بل أكثر، خارج سيطرة النظام، وقوى المعارضة المسلحة، وبالذات «داعش» و «النصرة» تسيطر على مناطق عدة من بينها مواقع استخراج النفط والغاز. ومعروف أن تركيا كانت تشتري من «داعش» ما تستولي عليه من النفط السوري بأبخس الأسعار. وصحيح أن سوريا كانت دولة فقيرة، قياسا إلى جوارها الغني بالذهب الأسود (العراق وما بعده السعودية وأقطار الخليج)، لكن الشعب السوري كان يأكل ويسكن ويتعلم ويتطبب ويحصل على الدواء والعديد من الخدمات الاجتماعية مجانا أو بسعر رمزي.

لا ضرورة للحديث عن ليبيا بشعبها الممزق ودولتها التي «ذهبت ولم تعد»، لكن تبقى الإشارة ضرورية إلى أن نفطها الغزير يخضع لعملية نهب منظم، تشارك فيه مجموعات مسلحة متعددة الولاء والتبعية. وبالتأكيد فإن تنظيم «داعش» يحصل على حصته من الإيرادات المنهوبة في هذه البلاد البلا دولة، في حين تحصل عصابات مسلحة أخرى من «رسوم المغادرة» التي تفرض على الهاربين من جحيم الحرب (الليبيين)، ومن جحيم الفقر (العديد من رعايا بعض الدول الإفريقية المنسية والتي ابتدعت من دون أن تكون لها موارد توفر لها شروط البقاء..).

أما الجزائر التي كان يفترض ان تكون في نادي الدول الغنية نتيجة لدخلها الممتاز من النفط والغاز، فإنها تعاني أزمة اقتصادية يختلط بين أسبابها «السياسي» بـ «الإداري»، فإذا بشعبها في ضيق شديد يدفعه إلى الهجرة إلى بلاد مستعمره السابق الذي أباد منه أكثر من مليون شهيد خلال حقبة استعماره التي امتدت مئة وخمسين سنة، أي فرنسا، حيث يعيش المهاجرون في ظروف بائسة، مكدسين في الأحياء العشوائية وسط الفقر والإهمال.

فإذا ما وصلنا إلى مصر فيمكن الاكتفاء بما تنشره الصحف من تصريحات للمسؤولين، وما يصدر من تعاميم عن البنك المركزي، للتدليل على عمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها والتي لم تنفع «الهبات» والقروض ومشاريع الاستثمار التي تعهدت بتنفيذها بعض أقطار الجزيرة والخليج، في مساعدة الحكومة على تخطيها، وإن ظل رهان الحكومة قائما على مجموعة من القروض التي قد تقدمها المؤسسات الدولية، أمريكية وأوروبية، وبشروط قاسية، سبق أن عانت منها دول كثيرة أجبرتها حاجتها إلى طلبها وتحمل كلفتها العالية والتي اثبتت في حالات عديدة أنها قد تسكن الوجع، ولكنها لا تشفي العليل.

باختصار، ومن دون خوف من الخطل، يمكن القول إن الوطن العربي، بمختلف أقطاره، يعيش سلسلة من الأزمات الاقتصادية ولادة الأزمات السياسية التي لا تنتهي… تستوي في ذلك الدول ذات الأنظمة الملكية والإماراتية ذات المداخيل الأسطورية التي تأتيها من دون تعب في الجزيرة والخليج وبعض المغرب العربي، أو الدول ذات الأنظمة الجمهورية كالعراق ومصر وسوريا، وان اختلفت الأسباب فيها عن دول النفط.

يبقى لبنان الذي يمكن الحديث معه وفيه عن أعجوبة اقتصادية ـ اجتماعية لا مثيل لها ولا سابقة: فهذا البلد الجميل يكاد يكون بلا دولة، وتفوح روائح الفضائح فيه من مختلف مواقع الإنتاج، ويبيع النفط قبل اكتشافه، والغاز بعدما سيطر العدو الإسرائيلي على الحقل المؤكد اختزانه كميات محترمة منه والذي يمتد بين الساحل الفلسطيني مقابل حيفا في اتجاه الحدود اللبنانية، ثم أخذ يساوم الدولة اللبنانية على شروط الاستثمار مستعينا ببعض السماسرة أصحاب الخبرة وبعض المسؤولين الشرهين إلى المال العام.

هذا البلد الجميل ينسى أهله أو يتناسون واقع دولتهم المتهالكة، وينصرفون ليلا إلى التوزع بين مختلف المصايف والقرى الجميلة، حيث يقام أكثر من ثلاثين مهرجانا فنيا، تشارك فيها فرق راقصة دولية السمعة، فضلا عن الفرق اللبنانية، إضافة إلى أكثر من مئة مطرب ومطربة يطرزون الليل بأصواتهم الجميلة.

يعيش اللبنانيون على طريقة: اليوم خمر وغدا أمر… وهذا يريحهم، بل ويجلب لهم حسد الأشقاء الغارقين في بؤس أيامهم الدموية.

أما الوصاية على لبنان فدائمة وثابتة وإن تعددت جنسية الأوصياء.

المصدر | السفير