عامر ذياب التميمي يكتب: تداعيات اقتصادية لصدمة ترامب

ربما مثّل انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة صدمة لكثر داخل الولايات المتحدة وخارجها، لكن كيف سيكون انعكاس تلك الصدمة على الحياة الاقتصادية في أكبر اقتصاد في العالم، وكيف ستكون العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وشركائها الرئيسين في الاتحاد الأوروبي وشرق آسيا؟ طرح ترامب في حملته الانتخابية العديد من الأفكار والمقترحات، وربما كان بعضها مثيراً للجدل ومستغرباً، لكن هل يمكن إدارته العتيدة أن تطبق تلك الأفكار والمنظومات، وما هي التشريعات اللازمة لتحقيق إنجازها؟

من أهم ما طرحه ترامب، وربما يشاركه في ذلك العديد من أقطاب الحزب الجمهوري، هو تعديل الأنظمة الضريبية، خصوصاً ضريبة الدخل، وذلك بخفضها على أصحاب الدخول بكل فئاتهم. وتقترح خطة ترامب خفض الضرائب على العاملين وأفراد الطبقة المتوسطة في شكل كبير. يضاف إلى ذلك، فرض ضرائب على الأغنياء بعدالة من دون التأثير في إمكاناتهم لتطوير أعمالهم أو تأسيس أعمال جديدة أو إضعاف قدراتهم التنافسية. وهناك مقترحات لخفض تكاليف رعاية الأطفال وحسم هذه التكاليف قبل احتساب الدخل الذي يمكن فرض ضريبة الدخل عليه. وتتراوح نسب خفض الضرائب على فئات الدخل بين ثلاثة و35 في المئة. ويقترح ترامب خفض الضريبة على أرباح الأعمال من 35 إلى 15 في المئة.

ربما وردت في الخطة آليات ملائمة لتفادي التعقيدات القائمة في نظام الضرائب الأميركي الراهن، لكن ماذا يعني خفض الضرائب للموازنة الفيديرالية؟ قد يؤدي مشروع ترامب لخفض الضرائب إلى رفع العجز خلال السنوات العشر المقبلة بمقدار 5.3 تريليون دولار. والعجز في الموازنة قفز 161 بليون دولار عام 2007 أي قبل الأزمة المالية العالمية، إلى 1.4 تريليون دولار في 2009 ثم تراجع منذ 2010 تحت إدارة الرئيس باراك أوباما، إلى 587 بليون دولار اليوم. ويمثل العجز 3.2 من الناتج المحلي الإجمالي عام 2016.

لكن الدين العام المتراكم نتيجة للاقتراض لتمويل عجز الموازنة بلغ هذا العام 19.8 تريليون دولار أو 104 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وسيظل هذا الدين العام مقلقاً للمشرعين وللحكومة الأميركية خلال السنوات المقبلة، وإذا لم تتخذ إجراءات لخفض الإنفاق سترفع خطة ترامب العجز وكذلك الدين العام. وإذا كانت ثمة نية لخفض الإنفاق، فما هي البنود المقترحة؟ هل سيخفض الإنفاق على الرعاية الصحية أو التعليم أو المساعدات المخصصة لأصحاب الدخول المهاودة والفقراء، أم ستوجه الخفوض إلى بنود مهمة مثل الإنفاق العسكري؟ وهناك استحقاقات مهمة تتطلب رفع الإنفاق الرأسمالي مثل البنية التحتية التي تتطلب تجديداً في مختلف الولايات الأميركية .

وستشكل العلاقات الاقتصادية الدولية ومعاهدات ومواثيق التعاون والمنظومات الاقتصادية التي تشارك في عضويتها الولايات المتحدة، مسألة مهمة في عهد ترامب الذي أراد خلال حملته الانتخابية إقناع الناخبين في الولايات ذات القاعدة الصناعية مثل أوهايو وميتشيغان وبنسلفانيا، بأنه سيعيد النظر في الفلسفة الاقتصادية للحكومة التي تؤكد أهمية التعاون الاقتصادي وحرية التجارة بموجب «الاتفاق العام للتعرفة الجمركية والتجارة» (غات) ومواثيق منظمة التجارة الدولية. وأكد أنه سيفرض ضرائب على الواردات من مختلف البلدان الصناعية الأخرى لتمكين المنتجات الأميركية من المنافسة ومن ثم الحفاظ على وظائف العاملين في الصناعات الأميركية.

ويحضر إلى الذهن فوراً «اتفاق التجارة الحرة لدول أميركا الشمالية» (نافتا)، الذي يشمل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، واتفاقات التجارة عبر المحيط الهادي، والتي تشمل الولايات المتحدة وبلدان مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا والعديد من البلدان في شرق آسيا. فهل بنيت مقترحات ترامب على دراسات اقتصادية مدققة أخذت في الاعتبار حجم التجارة بين الولايات المتحدة وهذه البلدان؟ وهل تتوافق المقترحات مع المتغيرات التي جرت في بنية الاقتصاد العالمي على غرار تراجع الميزات النسبية للعديد من الصناعات داخل الولايات المتحدة؟

غني عن البيان أن أنظمة التجارة الدولية أثرت في حياة الملايين من الأميركيين، لكن ذلك يعود إلى حقائق اقتصادية تتمثل بارتفاع أجور العمال في الولايات المتحدة وتطور الاقتصادات الصناعية الأخرى التي ارتفعت فيها الكفاءة الإنتاجية إلى درجة جذبت العديد من الشركات الأميركية الى الاستثمار والإنتاج والاستفادة من ميزاتها. ولن يكون يسيراً على الإدارة الأميركية الجديدة تغيير هذه الأوضاع الاقتصادية. وعليها النظر في ميزات نسبية في الاقتصاد الأميركي تتمثل بالتطور التكنولوجي وتوظيف التعليم والعلوم في البحث وتعزيز القدرات الاقتصادية للعديد من المؤسسات النشطة. وتتسم الخدمات في الولايات المتحدة بالحيوية، بما يمكن من البناء عليها وتعزيز دور الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي.

يظل هذا الدور مهماً وحيويا، فالولايات المتحدة أهم سوق استهلاكية في العالم، وهي بذلك تساهم في تحسين حيوية الاقتصادات الشريكة الأخرى. لذلك ستظل اتفاقات التجارة المعقودة مع مختلف الدول والتكتلات الاقتصادية مهمة وأساسية للاقتصاد العالمي وللاقتصاد الأميركي ذاته. أما اتخاذ تدابير الحمائية ووضع اللوم على الآخرين ومحاولة معالجة أوضاع الصناعات الأميركية غير القادرة على المنافسة، من خلال مراجعة الاتفاقات والمواثيق الاقتصادية، فلن تكون نافعة بعد كل هذه التطورات التي مر بها الاقتصاد العالمي على مدى العقود الماضية.

* عامر ذياب التميمي كاتب مختص بالشؤون الاقتصادية

المصدر | الحياة