عبد الله علي العليان يكتب: الفكرة عندما تهاجر وتنصهر

يرى البعض أن مقولة ابن خلدون أن (المغلوب مولع باقتداء الغالب)، فيها الكثير من الصحة، لكنها لا تخلو من تعثرات فكرية في الواقع، لكن ظهر شيء نادر الوقوع في التاريخ الإنساني، وهو أن الغالب يسلّم بفكر المغلوب، وينصهر فيه، فعندما هجم التتار على البلاد الإسلامية، واحتلوا بغداد ومصر والشام وجزءا من العالم الإسلامي آنذاك، فإنهم أسلموا، وذابوا في المحيط الإسلامي، وهذا يعتبر هجرة لأفكار جاذبة للآخر الغالب، وانتصارا لفكر المغلوب، وهذا من الحالات النادرة في التاريخ.

ففي كتابه (أفكار مهاجرة)، للدكتور علي أومليل، يقول المؤلف: إن البشر يهاجرون أيضا، لكنها هجرة معاكسة لهجرة الأفكار. تهاجر الأفكار لأنها مطلوبة، ويهاجر البشر لأنهم طالبو هجرة لضرورات العيش، وأيضا لأن بريق أحلام يجذبهم. ملوا العطالة والأيام المتشابهة والجولان في الطرقات من دون هدف أو الاستناد إلى الحيطان. حياة بلا جدوى كمن يطحن الماء.

ويرى أن حضارة الغرب صارت حضارة عالمية، بنظمها وتنظيماتها وقيمها، لذلك ينسخ الخاص بالإنساني العام، والمعايير أصبحت إنسانية واحدة، العقل والعلم والحرية والكرامة، هذا الاتجاه كان أصحابه أقلية عندنا وعندهم، ولذلك سببان:

الأول، لأن الذين قالوا بعالمية الحضارة الغربية سرعان ما يرد عليهم بأنهم يطابقون بين التحديث والتغريب، وأن الغرب هو الذي رفع خصوصيته التاريخية ليجعلها عالمية.

السبب الثاني أن الغرب غربان: غرب دولة القانون والحريات، والغرب الاستعماري، إذ إن الاستعمار هو نفي كلي للحريات وحقوق الإنسان في البلدات المستعمرة، ولعل ما يفسر أن “الليبراليين” عندنا كانوا تصالحيين في موقفهم من الاستعمار، أنهم كانوا يأملون في تفاهم وتعاون معه، ويعولون على الإصلاح التدريجي، ويدعون إلى استقلال في ترابط مع الغرب، وبخاصة مع الدولة التي استعمرتهم.

لكن الفطرة الإسلامية ليست هي الطبيعة عند المفكرين الغربيين، فنحن بعيدون من هذا الإنسان الطبيعي المفترض عند أصحاب العقد الاجتماعي، الذين افترضوا أنه بعد التجرد من كل المضاف الاجتماعي الذي رسخ بالعادة والتربية المجتمعية والسلطة، فإن أفراد المجتمع يبنون هم مجتمعهم المدني السياسي انطلاقًا من حريتهم كأفراد وبتعاقدهم الإرادي العام.

لذلك لا يمكن الحديث لدى الإصلاحيين المسلمين عن إنسان الطبيعة، بل عن إنسان الفطرة المتقبل تلقائيًا للدين، أي للإسلام. فالإنسان إذا ترك لفطرته لا يمكن إلا أن يكون مسلمًا. لكن الإشكالية في مسألة مركزية الغرب تجاه الآخر الشرق، ناقدا النظرة الاستعلائية عند عالم الاجتماع المعروف، ماكس فيبر ويقول:

“حين كان فيبر يصوغ نظريته عن الغرب المتفوق المتفرّد كان الغرب مستعمرًا معظم بلدان العالم، مهيمنًا على التجارة العالمية، محتكرًا شبكة الاتصالات والمواصلات الحديثة التي اخترعها وربط بها أقطار المعمورة إليه، ومالكًا السلاح المتطور والتقانة المتقدمة. لذلك كانت صورة الغرب عند فيبر تعكس واقع حال الغرب وعلاقته ببقية العالم آنذاك”.

إن الاهتمام بالشرق أيضًا وسيلة غير مباشرة كما يقول أومليل لنقد النظم الاستبدادية في أوروبا. فمنذ القرن الثامن عشر صاغ مفكرون أوروبيون — اعتمادًا على وصف الرحالة لبلدان الشرق التي جابوها — نظرية “الاستبداد الشرقي” والتي كان منظّرها الأكبر مونتيسكيو، وذلك لنقد الملَكيات المطلقة في أوروبا. ومع ذلك يظل عندهم الشرقُ شرقًا والغربُ غربًا حتى في درجة الاستبداد.

لكن هذا الاطمئنان الغربي على مكانة الغرب، ونموذجيته قد أخذ يتغير الآن، فإذا كان هناك كتاب غربيون ما زالوا على اعتقاد راسخ في عالمية قيم الحضارة الغربية فقد صاروا نافضين أيديهم من اقتداء بقية العالم بها. صاروا قلقين من صعود أمم قوية حريصة على خصوصياتها. لذلك فهم ينادون بضرورة أن يحصن الغرب ذاته ضدا على ما أصبح يهدده من الداخل ومن الخارج، على الغرب إذًا أن يدافع عن قيمه ولو بالقوة كما يوصي بذلك بعض مفكريهم!

الملاحظ، كما يقول المؤلف، هو أن الذين يتشددون في الدفاع عن هوية الغرب يلتقون مع غلاة الإسلاميين. فالهوية التي يدافع عمها أولئك وهؤلاء هوية مغلقة، متوحشة، وهو ما يدفع إلى العدوانية كما تفعل الدول الغربية التي تشن الحرب على بلدان أخرى بدعوى مكافحة الإرهاب، وهو ما يفعله الإسلاميون المتشددون بإعلان الجهاد على العالم وعلى مجتمعاتهم.

من هذا القبيل ـ كما يرى أومليل ـ جرى فرض خيار واحد على المواطنين في البلدان الغربية ذوي الأصول الإثنية والثقافية غير الأوروبية. إن عليهم محو خصوصياتهم والانصهار في بلد الاستقبال، فلا يبقى أمامهم سوى الانكفاء على خصوصياتهم في مجتمع الأغلبية ليعيشوها على هامشه مع طوائفهم. هم يكتسبون الجنسية، ولكنها لا تعني المواطنة الفعلية، ما داموا يعاملون كالغرباء داخل مجتمع الأغلبية.

يرى الغربيون أن مفهوم الفردانية من حيث وجود الشخصية الاعتبارية للفرد وحقوق الإنسان والعقلانية ومبدأ الحرية إلخ: لكن هذه المقولات، فيها نوع من الزهو والشعور بالمكانة لما حققه الغرب في ميادين كثيرة، وهذا صحيح.

لكن المجتمعات دخلت فعليا في صيرورة الديمقراطية تواجه الكثير من التحديات، لكن الرهان الأهم في حقبة ما بعد الثورات العربية ليس ديمقراطية الانتخابات، وإنما حرية التعبير، وشرعية المعارضة المساواة والحريات الشخصية والمواطنة، وسيكون ذلك تعميقا للديمقراطية الحقيقية.

* عبد الله بن علي العليان كاتب عماني.

المصدر | الشرق القطرية