عبد الوهاب بدرخان يكتب: انتخابات الرئاسة الإيرانية وأشباح 2009

لا تفتقد الانتخابات الرئاسية الإيرانية أهميتها، لكن الرئاسة نفسها فقدت معناها، فهذا التناوب بين «المعتدل» و«المتشدد» لم يعد يعني شيئاً للداخل أو للخارج ما دامت السياسات لا تتزحزح عن العُقَد التي ترسّبت فيها. في السابق كانت شخصية المرشّح الفائز وتياره يعتبران إشارة إلى ما ينتويه النظام، وإلّا لكان قطع الطريق مسبقاً على هذا أو ذاك من المرشّحين غير المرغوب في التغيير الذي يعتزمونه.

لا شك أن ثمة فارقاً بين الرئيس «الإصلاحي» والرئيس «المحافظ»، كما ظهر مجسَّداً في شخصيّتَي محمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد، غير أن كليهما خضع للقواعد التي تحدّد إطار تحركه، وأدّى عملياً المهمة المرسومة له، فلم يُسمح لمحاولات خاتمي تعزيز الحريات داخلياً والانفتاح على الخارج اقتصادياً أن تذهب بعيداً، بل لم يبقَ منها شيء، ولم يكن متوقّعاً من نجاد سوى الاجتهاد في الانغلاق وتمضية ولايتَيه في استهلاك الوقت في انتظار إنجازَين: إيصال البرنامج النووي إلى غايته، وبلوغ «تصدير الثورة» مرحلة مدّ النفوذ الإقليمي والتوسّع فيه.

انتشرت الميليشيات المذهبية كلّياً أو جزئياً في عدد من البلدان العربية، لكن السلاح النووي لم يُنجز رغم الكلفة الهائلة التي رتّبتها العقوبات على البلاد. ولذا كان لا بدّ من التراجع المنظّم لحماية ما تأمّن من نفوذ، فجيء بحسن روحاني لمهمة محدّدة: رفع العقوبات، ولعله فهم أيضاً أن ذلك يعني انفتاحاً وإنهاضاً للاقتصاد، اللذين يجب أن يعنيا منطقياً تغييراً في السياسات.

هذا ما اعتقدته القوى الدولية التي فاوضت على تجميد البرنامج النووي، بل توقّعت استجابة جيدة وسريعة من طهران التي سارعت على العكس إلى إحباط كل المراهنات عليها. لم تُرفع العقوبات بالمقدار الذي كان متصوَّراً، وما بقي منها أميركياً لا يزال يكبّل إيران، ما أبقى الانفتاح حذراً ومحدوداً.

وبالتالي فإن الاقتصاد لم يشهد القفزة الموعودة، والأهم أن مليارات الدولارات التي استعيدت ما لبث «اقتصاد الحرس الثوري» أن استوعبها في برامجه وحروبه ولم تنعكس على أداء الاقتصاد الوطني، وهكذا يتعرّض روحاني في الحملة الانتخابية لأشدّ الانتقادات وأعنفها على فشله في ما يعتبره هو نجاحه الوحيد، أي تحسين الاقتصاد.

في المقابل تختلف نظرة المرشد علي خامنئي إلى ما تحقق من نجاحات، وأهمها أن إيران استطاعت أن تحافظ على تشدّدها السياسي وخيّبت آمال القوى الدولية بعدم «تغيير سلوكها»، إذ توقّف عند هذه العبارة أخيراً ليقول إن «العدو» يعني بها «تغيير النظام الإسلامي»، شارحاً أن «هدف الأعداء على المدى المتوسط هو القضية الاقتصادية والوضع المعيشي للشعب، وأن يبقى الاقتصاد متوقفاً وأعرج، ويكون العمل والإنتاج ضعيفَين، وتكون البطالة عنواناً أساسياً يطاول الشعب حتى يفقد أمله بالجمهورية الإسلامية بسبب الوضع المعيشي».

لكن ما أراد المرشد تسفيهه هو ما يحصل فعلياً، فالنقاشات والشعارات التي حفلت بها الحملة تركّزت على الاقتصاد، فهل يعني ذلك أن «الأعداء» حققوا هدفهم، وفي هذه الحال كان المرشد نصح بمواصلة التقشّف واتّباع «اقتصاد العقوبات»، هذا بالضبط ما يتطلّع الشعب إلى نهاية له، والأرجح أنه لا يحمّل المسؤولية كلّها للقوى الخارجية، فالشباب خرجوا قبل عامين محتفلين بالاتفاق النووي لأنهم أملوا بتحسّنٍ في معيشتهم وشعروا بأن هناك فرصة للخلاص من العقوبات.

فمَن فوّتها ولماذا، للاستمرار في ضخ الأموال للميليشيات وللحروب في سوريا والعراق واليمن؟

تفاقمت معاناة الشعب ولا ضوء في آخر النفق، ومضت ولاية روحاني بسرعة من دون أن يلمس أي تغيير. انتخابات 19 مايو لا تشكّل محطة محفّزة، بل بالأحرى محبطة، لأن المؤشرات الخارجية بالغة السلبية تستدعي خيارات داخلية متشدّدة. ومع أن روحاني خرج من الحملة مثخناً بالجراح تبقى حظوظه جيدة، ولكن الأرجح أن الحاكم الفعلي، أي المرشد، سيحتاج في المرحلة المقبلة إلى شخصية تمثّل «الممانعة» لا إلى شخصية إصلاحية.

عدا ذلك، إذا صحّ أن المرشح إبراهيم رئيسي يُعَدّ ليكون خلفاً للمرشد فهذا يفترض أن يكون فوزه بالرئاسة مضموناً، لأن فشله يكسر مصداقيته، ولذلك يرى كثيرون تشابهاً للأوضاع الراهنة مع أجواء انتخابات 2009 حين أحرز نجاد فوزاً مستهجناً.

قد لا يعني ذلك بالضرورة حصول اضطرابات ومواجهات، ولكنه قد يعني شيئاً قريباً مما حذّر منه المرشد: فقد الأمل في نظام لا يريد تغيير سلوكه.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | الاتحاد الظبيانية