علي محمد فخرو يكتب: دروس للقوى السياسية العربية

ها أن المغرب العربي ينضم إلى تونس كساحة لدرس بليغ في كيفية مواجهة تعقيدات ومحن السياسة بالحكمة وأساليب الأخذ والعطاء العصرية وتغليب مصالح الوطن على أي مصالح آنية أو فئوية ضيقة.

ففي تونس، أول ساحات تفجر الربيع العربي، عرفت مؤسسات المجتمع المدني السياسية والنقابية، بوعي وهدوء وبالأخذ بسياسة الأولويات والنفس الطويل، عرفت كيف تدير بنجاح فترة ما بعد سقوط نظام الحكم السابق. لقد تجنبت ممارسات إقصاء الآخر والانفراد بالسلطة وعدم المشاركة في توزيع الغنائم، وحاولت بقدر المستطاع الأخذ بمتطلبات الفترة الانتقالية من نظام قديم إلى نظام جديد، من خلال الاحتكام إلى المواطنين بشأن توزيع السلطات التشريعية وسلطات الحكم.

بهذا قللت من مدى الصراعات فيما بينها وجعلت المنافسات تجري في أجواء غير عاصفة وغير انتحارية. ولأنها فعلت ذلك تجنبت إلى حد معقول الدخول في دوامة الانتكاسات والثورات المضادة، ومن ثم إدخال المواطنين في حالات اليأس والقنوط.

والنتيجة أن انتفاضة ربيع تونس نجحت في وضع قدمها في طريق الانتقال إلى النظام الديمقراطي المعقول. وهي بالطبع في أول الطريق، ترتكب الأخطاء بين الحين والآخر، ولازال أمامها الكثير من التحديات الأمنية والاقتصادية، وما برحت هشة قابلة للانكسار ولسرقة منجزاتها من قبل هذه الجهة أو تلك، غير أن ما يهمنا هو أن تستخلص الكثير من قوى المجتمعات المدنية السياسية الدروس والعبر من هذه التجربة السياسية العربية لتتبنى إيجابياتها وترفض الأخذ بسلبياتها. لقد كتب الكثير عن الظاهرة التونسية، ولا حاجة إلى إعادة ما كتب.

تقابل التجربة التونسية الديمقراطية تلك، بخصوصيات ظروفها وأساليب عملها ونتائجها الإيجابية والسلبية، تجربة ديمقراطية أخرى قامت في المغرب العربي بفعل أجواء الربيع العربي الذي عمق جذورها وأعطاها خصوصيتها هي الأخرى.

لقد كانت هناك ملامح حياة ديمقراطية في المملكة المغربية قبل هبوب عواصف ونسائم الربيع العربي التي اجتاحت بصور شتى كل أرض وطن العرب. لكنها كانت مليئة بالعلل والتشوهات وقلة الحيلة.

اليوم، وعلى ضوء سيرورة ونتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، نحن أمام تجربة هي الأخرى تحث السير في الطريق الديمقراطي، وبالطبع في أوله. ما يهمنا بالنسبة لها، الإشارة إلى بعض الدروس والعبر التي نرجو مخلصين وبتواضع تام أن تلتفت إليها قوى المجتمعات العربية المدنية السياسية في جميع أرجاء الوطن العربي.

أولا — في حين احتاجت التجربة الديمقراطية التونسية لوقوفها على قدميها إسقاط نظام حكم، فان التجربة الديمقراطية المغربية الجديدة لم تحتج إلى إسقاط نظام، وقامت كحصيلة لتفاهم متوازن طويل النفس مبني على تنازلات متبادلة فيما بين نظام حكم الدولة وقوى المجتمع المدني السياسية وغير السياسية في المملكة المغربية. هذا درس يحتاج أن يعيه الكثير من أنظمة الحكم العربية والكثير من قوى المجتمعات العربية السياسية.

ثانيا — في كلا البلدين، تونس والمغرب، لعب الوجود التاريخي القوي الفاعل لقوى مثل النقابات والاتحادات والجمعيات بأشكالها وتعدديتها الكثيرة، والذي ساند المطالب الديمقراطية والمطالبين بها، دورا مهما ومؤثرا في الخطوات الأولى المتزنة في الطريق الديمقراطي الطويل المعقد. تحالف القوى السياسية مع قوى المجتمع المدني الأخرى أصبح موضوعا مفصليا في الحياة السياسية العربية.

ثالثا — أثبتت التجربتان أن أحد وسائل بناء قاعدة انتخابية وفية لولائها الحزبي تمر عبر الاشتراك المستمر في كل الانتخابات البرلمانية، لأن ذلك يبني شيئا فشيئا إمكانيات تراكمية للنجاح في الانتخابات. كمثل على ذلك نجاح حزب العدالة والتنمية المغربي في الانتقال التدريجي التراكمي عبر عشرين سنة من امتلاك مقاعد برلمانية لا تزيد عن عدد أصابع اليد في الدورات الانتخابية الأولى إلى حصوله على 125 مقعد في الانتخابات الأخيرة، أي أكثر من عدد مقاعد أي حزب آخر، ما يؤهله للمرة الثانية لتأليف الحكومة المغربية المقبلة. وكمثل أيضاَ، وبصورة معاكسة، لم تحصل بعض أحزاب اليسار إلا على العدد القليل من المقاعد بسبب مقاطعتها للعديد من الدورات الانتخابية السابقة، ما أفقدها القدرة على بناء تدريجي تراكمي لكتلة انتخابية كبيرة وموالية.

إنه درس بليغ بشأن مخاطر مقاطعة الانتخابات والاعتقاد العبثي بأن المقاطعة هي عقاب يوجه إلى سلطة الحكم، بينما الحقيقة هي أن المقاطعة إضاعة للتواجد في ساحة برلمانية ونضالية، التي ينسى المقاطعون أنها ساحة يجب أن تعود ملكيتها لمؤسسات المجتمع وللمواطنين، وبالتالي يجب ألا تترك قط لتصبح ملكا لسلطة الحكم التنفيذية.

فالناس لا يتحمسون للشعارات الإيديولوجية البالغة الأهمية إلا إذا اقترنت مع نضالات يومية من أجل مطالب معيشية محددة وعاجلة في حياتهم.

رابعا — هناك دروس تفصيلية كثيرة للأنظمة السياسية العربية بشأن شفافية الانتخابات ونزاهتها واستنادها إلى قوانين عادلة. والواقع أن المجال لا يسمح بذكر الدروس الكثيرة الأخرى التي سيدركها من كان جادا في دراسة التجربتين.

ليس صحيحا أن التربة العربية ليست صالحة لزرع شجرة الديمقراطية. فالتجربتان السابقتان تؤكدان العكس بشرط توفر الزارع المجد النشيط والعناصر الأخرى التي تحتاجها نبتة الديمقراطية السليمة المثمرة.

* د. علي محمد فخرو كاتب وأكاديمي بحريني

المصدر | القدس العربي