فهمي هويدي يكتب: من حلب إلى فلسطين

ما عاد مقنعا قول السيد حسن نصر الله أن حزب الله موجود فى سوريا من أجل فلسطين. فالصحيح أنه موجود هناك من أجل إيران. ثم إننا إذا دققنا فى المشهد جيدا فسنجد أن ثورة الشعب السورى على نظام الأسد هى التى يمكن أن تكون من أجل فلسطين.

أكرر أننى ضد شيطنة السيد ولا تسويد صفحة حزب الله. لكنى مع الحفاوة به وتشجيعه إذا أصاب ونقده وتصويبه إذا أخطأ. وما يقال عنه ينصرف بذات القدر على حزب الله، الذى يحفل سجله بالصفحات المشرقة المضيئة، خصوصا فى دفاعه عن استقلال لبنان وتحديه للصلف والعدوان الإسرائيلى.، إلا أن تدخله فى سورية لحساب نظام فاشى كذلك الذى يقوده الرئيس بشار الأسد وزمرته أضاف إلى السجل فصلا جديدا سحب الكثير من رصيد الاشراق وأساء كثيرا إلى السيد وحزبه، بقدر إسهامه فى قتل السوريين ونصرة الأسد.

قلت إن حزب الله موجود فى سوريا لأن إيران هناك أولا، وارتباط الحزب بالسياسة الإيرانية تؤيده شواهد عدة. وإلى جانب ذلك فالوجود الإيرانى فى سورية بمثابة الجسر أو القناة التى توفر لحزب الله ما يحتاجه من سلاح وذخيرة وتدريب وغير ذلك. إن شئت فقل أن استمرار نظام الأسد يوفر لحزب الله شريان الحياة الذى يقدم له السلاح والعتاد ومن ثم يسمح له بالوجود والتأثير فى لبنان.

أما حكاية فلسطين فقد أصبحت مجرد غطاء للوجود الإيرانى ولاستمرار حزب الله، تماما كما أن الأسد كان دائم التشدق بحكاية فلسطين ومعسكر الممانعة. وإذ يحمد لنظامه أنه آوى الفلسطينيين وأحسن وفادتهم ورعايتهم، إلا أن ذلك الموقف يفقد نزاهته وصدقيته إذا كان غطاء لقهر الشعب السورى وإذلاله، إذ لا يفهم ولا يقبل أن يمارس الدفاع عن فلسطين فوق جثث الشعب السورى. ولا تفسير لذلك إلا أن يكون الأول ذريعة وغطاء يسوغ استمرار الجريمة الثانية.

قلت أيضا إن ثورة الشعب السورى هى التى يمكن أن تحرر فلسطين. وأضيف إلى ذلك تعميما يزعم أن تحرير الشعوب العربية من الاستبداد وحده الذى يخدم القضية. بما يؤدى إلى تحرير فلسطين فى نهاية المطاف. حجتى فى ذلك أن الأنظمة العربية هى التى تسلمت الملف وتصدت للقضية من «النكبة» فى أربعينيات القرن الماضى، ومن حقنا أن نتساءل يعد أكثر من ستين عاما على الإنجازات والاخفاقات التى أسفر عنها احتكارها للقضية، منذ كانت قضية مركزية إلى أن صارت لعبة يعبث بها البعض ممن باتوا يطلقون الحديث من السلام الدافئء مع إسرائيل أو يتحدثون عن التطبيع معها واعتبارها طريقا مرشحا يخدم نهضة الأمة.

تاريخيا ظلت أغلب الأنظمة تساوم وتماطل، ثم بدأت تتلاعب بالقضية، لكن الشعوب هى التى دفعت الثمن وهى التى كانت تقتل فى ساحات المواجهة.. وبعد أن فاض بها الكيل، ونفد صبر الشعوب فإنها هبت فى انتفاضتها التى شاعت تسميتها بالربيع العربى استهدفت بها استعادة حقها فى الحرية والكرامة والعدل.

لن نبالغ إذا قلنا أن الشعوب هى التى لاتزال تقف صامدة فى ساحة المواجهة مع إسرائيل. فلا هى نسيت ولا هى ساومت. ونضالها داخل الأرض المحتلة وخارجها يشهد بأن حلم تحرير الأوطان من الاستبداد لم يجهض بعد. الأمر الذى يعنى أن جذوة الأمل فى تحرير فلسطين لم تنطفئ بعد.

لأن الأمر كذلك فقد كان مفهوما أن تقف إسرائىل إلى جانب الثورة المضادة فى العالم العربى فى سعيها لإفشال تجارب الربيع وإجهاض انتفاضات الشعوب. وكانت اسرائيل أكثر صراحة وجرأة حين اعتبرت نفسها جزءا مما سمى بدول الاعتدال فى المنطقة. وتنامت مشاعر المودة بين الطرفين بمضى الوقت حتى أصبحنا هذه الأيام بصدد لانتقال من الغزل إلى التطبيع، أو من الخطبة والتعارف إلى الزواج العلنى الذى يفترض أن يعقد فى العام القادم. على الأقل فذلك ما توحى به المقدمات التى نراها بأعيننا ونقرأ عناوينها هذه الأيام فى بعض الصحف العربية.

إذا صح ذلك التحليل فإنه الادعاء بدعم نظام الأسد من أجل فلسطين، أو التعويل على النظام العربى الراهن فى استعادة الأرض والحقوق السليبة يصبح نوعا من التدليس السياسى الذى يراد به تخدير الشعوب العربية وتسويق الوهم لها.

إذا أردنا أن نذهب فى الصراحة إلى منتهاها، فلا مفر من الاعتراف بحقيقتين هامتين أبرزهما التطورات الحاصلة فى العالم العربى الأولى أن قضية فلسطين لم تفقد أولويتها فى جدول أعمال النظام العربى فحسب، ولكنها لم تعد مدرجة على الجدول أصلا، حتى إشعار لاحق على الأقل.

الثانية مترتبة على الأولى وخلاصتها ان انفراط العقد العربى ولد حالة من الانكفاء على الذات فى المنطقة حولت شعار العمل العربى المشترك إلى نوع من الأساطير، أستثنى من ذلك المجال الأمنى الذى لم يعد وثيقا بين الأنظمة العربية فحسب. ولكنه بات يشمل «تعاونا» استراتيجيا مع إسرائيل أيضا.

ذلك استطراد من وحى الخطاب الأخير الذى ألقاه السيد حسن نصر الله بمناسبة المعركة الدائرة فى حلب الآن، إذ سوق فيه فكرة أن الحرب فى حلب ليست من أجل فلسطين فحسب وإنما أيضا من أجل المستقبل العربى كله. وتلك مبالغة حاول فيها إقناعنا بأن مستقبل الأمة بات مرهونا بمستقبل الأسد. وهو ادعاء أترك لك أن تعلق عليه بما يستحقه!