«فورين أفيرز»: أفغانستان.. ساحة الحرب الجديدة بين السعودية وإيران

لم تغب الحرب بالوكالة الدائرة بين السعودية وإيران في الشرق الأوسط عن عناوين الأخبار. أشعل البلدان أو فاقما صراعات عديدة عبر المنطقة، بما في ذلك سوريا واليمن، المنطقتين اللتين تشهدان اثنتين من الحروب الأشد تعقيدًا وتدميرًا في التاريخ الحديث. ولكن هناك معركة بين القوتين الإقليميتين الأكبر لم تلاحظ، على الرغم من أنها يمكن أن تزيد من زعزعة استقرار مسرح استراتيجي رئيسي للغرب، وهو أفغانستان.

ومنذ دخول أفغانستان منذ ما يقرب من 15 عامًا، التزم حلف الناتو بآلاف الجنود ومليارات الدولارات إلى البلاد. اليوم، يتبقى 13 ألفًا من الجنود هناك، وأعلن الناتو، هذا الصيف، التزامه باستمرار تمويل القوات الأفغانية حتى عام 2020.

ورغم كل هذه الجهود، تظل أفغانستان متقلبة بشدة، مع حكومة مركزية ضعيفة، والعديد من الجماعات المتمردة التي لازالت تحافظ على تأثير معتبر في البلاد. الكثير من هذه الجماعات لديها تاريخ من العمل مع طهران أو الرياض وفي بعض الأحيان مع الطرفين. وعلى الرغم من أنّ العاصمتين تمولان المراكز الإسلامية والجماعات المتنوعة في أفغانستان، فإن استراتيجية كل منهما في المنطقة تختلف كليًا.

ترى إيران أفغانستان منطقةً رئيسية للنفوذ والتأثير، أكثر حتى من العراق. ويشترك البلدان في حدود يسهل اختراقها، كما يرتبطان بروابط ثقافية ولغوية وعرقية واقتصادية. كما تعدّ إيران موطنًا لعدد كبير من اللاجئين الأفغان. علاوة على ذلك، يتسبب تهريب المخدرات من أفغانستان في نمو معدلات إدمان المخدرات في إيران. لهذه الأسباب، كانت إيران حاضرة بالفعل وقت دخول الولايات المتحدة وحلفائها في حزب الناتو عام 2001. ووجدت إيران في ذلك فرصة، وشاركت مع واشنطن وحلفائها في دحر طالبان لإعادة الاستقرار إلى البلاد. واستغلت إيران تأثيرها من أجل المساعدة في بناء حكومة قومية جديدة في كابول وتبرعت بمئات الملايين كمساعدات. وساعدت إيران كثيرًا في أفغانستان، على عكس أدوارها في صراعات مشابهة، مثل سوريا.

تملك السعودية تاريخًا طويلًا في أفغانستان كذلك. وشاركت السعودية ومواطنوها وجمعياتها الخيرية في إنفاق مستدام للأموال في أفغانستان منذ حربها مع السوفييت. وعلى سبيل المثال، فقد روجت السعودية للجهاد في أفغانستان أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات. واليوم، تمتلك السعودية مصالح في أفغانستان أيضًا، لكنها لا ترى البلاد كمسرح رئيسي للتأثير والنفوذ. في الحقيقة، أفغانستان للسعودية كاليمن لإيران، منطقة نفوذ رئيسي للعدو، حيث يمكن وضع خنجر في خصره دون مجهود كبير. ونتيجة لذلك، من الممكن أن تستخدم المملكة أفغانستان لفقأ عين إيران، كما تفعل إيران ذلك في اليمن.

وترى السعودية ميزة رئيسية أخرى في أفغانستان، وهي أهميتها للولايات المتحدة. وترى السعودية بشكل متزايد أنّ الولايات المتحدة مستمرة في التخلي عنها، لذا تسعى الرياض عن طرق لتأكيد الاعتماد على نفسها. وتسبب قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (جاستا) الذي يعطي الحق لأسر ضحايا 11 سبتمبر/أيلول بمقاضاة السعودية عن تورطها في الهجمات، في مزيد من الإحباط للحكومة السعودية، وهو ما يعطيها سببًا إضافيًا للاعتماد على ذاتها. وأفغانستان هي المكان المثالي لفعل ذلك. ويمكن للسعودية استغلال الجماعات التي كانت تمولها وتدعمها لزعزعة استقرار البلاد وتحدي السلطة المركزية، لعرقلة جهود الولايات المتحدة والناتو في تحقيق استقرار البلاد وتنميتها.

ولكن يمكن أيضًا أن تصبح أفغانستان ورقة مساومة للرياض، حيث يمكنها استخدامها في تفاوضات مستقبلية ممكنة مع واشنطن حول التعاون العسكري، أو مع طهران حول الأمن الإقليمي. ويمكن للمملكة استخدام أفغانستان للحصول على مزيد من الدعم العسكري والمعدات والأسلحة من الولايات المتحدة وتحقيق تواجد أقل لإيران في اليمن.

ويمكن أن تترجم المنافسة بين الرياض وطهران إلى تمويل ودعم متزايدين للمراكز الإسلامية المتعددة والجماعات المتمردة. وتتعامل السعودية بشكل أساسي مع الجماعات السنية، لكن إيران تتعامل مع عدد من الجماعات الشيعية والسنية أيضًا (حتى الجماعات السنية الإرهابية التي لديها أجندات ضد الشيعة). ومن الممكن أن تتشجع إيران بسبب النمو المتزايد لتنظيم الدولة الإسلامية على زيادة تواجدها هناك. ولا ترغب إيران في أن تكون بين المطرقة والسندان بين منطقتين يؤثر فيهما تنظيم الدولة أو يتحكم فيهما. ومع سيطرة التنظيم على مناطق ومساحات غرب العراق، لا تريد إيران أن يتمكن التنظيم في أفغانستان أيضًا. علاوة على ذلك، ترغب إيران في منع تراجع تقدمها الذي حققته في أفغانستان، وتجنب المزيد من زعزعة الاستقرار. ولكي تحقق هذه الأهداف، من المحتمل أن تبدأ إيران بالعمل مع جماعات لا تراها وجهًا لوجه (مثل الحزب الإسلامي الذي يعمل ضد الشيعة) ومن الممكن أن تبدأ السماح للحرس الثوري الإيراني أن يكون نشطًا أكثر هناك، كما هو الحال في العراق وسوريا.

في الوقت نفسه، ترى السعودية في إيران التهديد الأمني الأول لها. وتعززت هذه الرؤية بفقدان السعودية لظهيرها الأهم، واشنطن، والذي تعتقد الرياض أنها لم تعد تهتم بأمر الشرق الأوسط. نتيجة لذلك، حري بالرياض أن تعمل على تعزيز قوتها والاعتماد على ذاتها بينما تعمل على إحباط إيران. أما عن إيران، فيستند القلق الرئيسي حول أمنها إلى ضعف وانهيار السلطات المركزية لجيرانها، وهو ما يترك فراغًا من الممكن أن يملأه الجماعات الإرهابية وتعمل من خلاله وتتوسع بحرية. وبالتالي، ترى طهران في أفغانستان أولوية قصوى وترغب في ضمان أنّ تنظيم الدولة لا يكسب موطئ قدمٍ هناك.

ليس سرًا أنّ واشنطن لم تعد تعوّل كثيرًا على المؤسسة السعودية. ومن جانبها، فإنّ الحسابات الأمنية للرياض تأتي مدفوعة بالرغبة في تعزيز اعتمادها على ذاتها كقوة لا يستهان بها. واليوم، فإنّ آمال السعودية في نصر حاسم في اليمن يصبح بشكل متزايدٍ أمرًا غير واقعي. وبهذا من الممكن أن تصبح أفغانستان أرضًا للمعركة الجديدة، حيث تعتقد الرياض أنّ بإمكانها توجيه الضربات لأهداف متعددة وفق أجندتها بتكلفة منخفضة. وتستمر الرياض في تمويلها ودعمها لجماعات متنوعة في أفغانستان وتتوقع أن ترى نتائج. من الممكن أن تطالب تلك الجماعات بتقويض جهود الناتو الراغب في تقوية السلطة المركزية وإيقاف الميليشيات عن كسب مزيد من الأراضي. وبعيدًا عن الميدان، بدأت الرياض أيضًا بالحضور في جلسات دبلوماسية متعددة الأطراف حول مستقبل أفغانستان.

وبعد عقد ونصف منذ تدخل الناتو في أفغانستان، فإنّ احتمالية نشوب حرب بالوكالة بين السعودية وإيران، يضيف طبقة جديدة من التقلب والتعقيد في الموقف. وعلى الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو البدء في تحديد المناطق التي يمكن أن تتسبب فيها المنافسة بين طهران والرياض في زعزعة استقرار البلاد. ويجب عليهم أيضًا أن يدركوا أن نافذة إمكانية النقاش بين البلدين تنغلق سريعًا. والانتخابات الرئاسية الإيرانية على الأبواب، ويتعرض المعتدلون في البلاد والذين لا يزالون يرغبون في الحديث مع الرياض، لضغط شديد من الفصائل المحلية. وبينما تجلس الرياض على الطاولة وإيران لازالت تفكر، على الولايات المتحدة وشركائها في الناتو دفع الطرفين لبدء الحديث قبل أن يصبح ذلك متأخرًا للغاية.

المصدر | فورين أفيرز