«فورين أفيرز»: العلاقات التركية الروسية تتحسن.. لكن هل ستستمر؟

في الوقت الذي تعاني فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا من أسوأ حالاتها منذ عقود، طار الرئيس التركي الثلاثاء الماضي إلى سان بطرسبرغ ليقابل نظيره الروسي. كما أعلن الرجلان أن هذه المقابلة ستساعد بالتأكيد في مرحلة جديدة من التقارب الروسي التركي. لكن المراقبين لا يظنون أن هناك تغييرًا جذريًا سيحدث في السياسة الخارجية التركية.

وكان الإعلام التركي قد ركز الضوء على الدعم الروسي لحكومة تركيا المنتخبة بعد محاولة الانقلاب الفاشل في منتصف يوليو/ تموز الماضي، في الوقت الذي تقاعست فيه حكومات وإعلام الغرب عن المساندة. واتصل الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» بالرئيس التركي بعد ثاني أيام محاولة الانقلاب، بينما روجت الصحف الروسية خبرًا ملفقًا بأن المخابرات الروسية قد أنقذت «أردوغان» بتحذيره من محاولة الانقلاب. بينما لم يتصل الرئيس الأمريكي «أوباما» إلا في يوم 19 يوليو/تموز بعدما كانت الصحافة التركية قد روجت لأخبار تتهم تركيا بالوقوف خلف المؤامرة.

وبالطبع فإن روسيا هي أكبر الفائزين من محاولة الانقلاب الفاشلة، فـ«أردوغان» يسيطر على السلطة أكثر من أي وقت آخر، وهو حانق الآن على الولايات المتحدة والغرب.

ويرى الذين يعتقدون في ضلوع الولايات المتحدة في محاولة الإطاحة بـ«أردوغان»، في الدعم الروسي قيمة كبيرة من منظور البقاء السياسي. ويظل الجيش عاملًا معقدًا في الموقف الاستراتيجي لتركيا في الوقت الذي تم فيه القبض على عدد كبير من جنرالاته وضباطه وأفراده على خلفية المحاولة الانقلابية. وخلال أكثر من عام، كان الجيش التركي يواجه جبهات مختلفة، فبينما كان يقاتل المتمردين الأكراد، واجه الثوار الذين تدعمهم تركيا انتكاسات متلاحقة على أيدي «الدولة الإسلامية» والقوات الكردية السورية وقوات «الأسد».

كانت أنقرة بالفعل قد بدأت إصلاح علاقاتها الإقليمية قبل محاولة الانقلاب. فقد سعت الحكومة التركية لكسر عزلتها السياسية المتزايدة بالتواصل مع روسيا و(إسرائيل) في الأشهر الأخيرة، حتى أنها قد أرسلت إشارات تصالحية لنظام «الأسد». ففي تصريح لمسؤول بارز بحزب العدالة والتنمية قال: «الأسد في النهاية قاتل، لكنه لا يدعم الحكم الذاتي الكردي».

لكن على الرغم من هذه الدوافع الاستراتيجية، فإنّ صراع المصالح يضع حدًا لاحتمالات التقارب التركي الروسي.

عندما اهتزت العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة في أكثر من مناسبة أثناء الحرب الباردة، سعى قادة تركيا لتحسين العلاقات مع روسيا. في أواخر الخمسينات، أظهر «عدنان مندريس»، الرجل الذي جلب تركيا إلى حلف الناتو، ورقة روسيا بوضوح، حين ظهر صراع المساعدات الاقتصادية الأمريكية. وفي السبعينيات، سعى رئيس وزراء تركيا «بولنت أجاويد» إلى تقارب محدود مع الاتحاد السوفييتي بعد الصدام مع الولايات المتحدة بسبب قبرص وإنتاج الأفيون التركي، إلا أن الإتحاد السوفييتي ظل يمثل تهديدًا لأمن تركيا، ما جعل التقارب مع الروس مهددًا.

وحقيقةً، لم تستفد أنقرة من علاقتها المقربة بموسكو إلا في وقت أن كانت روسيا في أضعف حالاتها بعد الحرب العالمية الأولى حين استخدم أتاتورك سلاح البلاشفة في هزيمة القوى الاستعمارية الأوروبية وتحرير الأناضول. ووجد «مصطفى أتاتورك» في الاتحاد السوفييتي حليفًا استراتيجيًا ضد قوى الاستعمار الغربي، واتخذ أفكاره منهجا في النظام الاقتصادي الذي تقوده الدولة.

لذا فإن ما يريح واشنطن والغرب، أنه كلما كانت روسيا أقوى وأكثر عدوانية، كلما قلت فرص الشراكة الحقيقية بينها وبين تركيا.

الخلاف حول سوريا

وما يجعل التقارب بينهما بعيدًا أيضًا، هو الصراع في سوريا، حيث يبدو أن روسيا ستشترط من أجل هذا التقارب أن تتخلى تركيا عن البلاد وأن تعترف بانتصار «الأسد». وفي تصريح منفرد لـ«بوتين» في المؤتمر الصحفي بعد لقائه بأردوغان في سؤال له عن سوريا قال: «لا يمكن جلب الديمقراطية إلى سوريا إلا بالوسائل الديمقراطية»، وهو انتقاد صريح لاستراتيجية تركيا في دعم المعارضة المسلحة تحت اسم الديمقراطية السورية. ويبدو أن الجميع ينتظر ما يحدث من تقدم للمعارضة السورية في حلب، وينتظر الكرملين ما سيحدث، فربما تكون هناك مقايضة بشأن حلب والأكراد السوريين.

وحتى الآن لا يبدو أن أيًا منهما سيتخلى عن جانبه، فموسكو لديها علاقات بالجماعات الكردية تعود لعقود، ولا يبدو أنها ستتخلى عنهم. ولم يتغير تعامل روسيا مع دعم الولايات المتحدة للمليشيات الكردية ضد «تنظيم الدولة». وفي نفس الوقت فإن قوات المعارضة حول حلب والتي تدعمها تركيا تمثل التهديد الأكبر للنظام السوري المدعوم من روسيا، ومن المحتمل أن تخرج محادثات جنيف باتفاق ما بين المعارضة و«الأسد»، إلا أن لقاء سان بطرسبرغ يومئ لذلك بشكل مباشر.

المزيد من القضايا العالقة

ولكن حتى لو افترضنا توصل تركيا وروسيا إلى اتفاق بشأن سوريا، فإن هناك العديد من القضايا العالقة التي تفرق بينهما. وثلاثة من تلك القضايا، قبرص والقوقاز وشبه جزيرة القرم. تواجه تركيا ضغوطات داخلية لدعم أذربيجان والعمل على عدم احتكار روسيا لأنابيب النفط والغاز والتي تمر من أذربيجان عبر جوجيا وتنتهي في تركيا، وتواجه أيضًا ضغوطات محلية لدعم تتار القرم.

وفي هذه الصراعات الإقليمية الثلاثة، ازدادت سيطرة الجيش الروسي في السنوات الأخيرة. فروسيا تنشر حاليًا أنظمة دفاع جوي متقدمة في القرم وأرمينيا وفي قواعدها في سوريا شرق البحر المتوسط. روسيا في الحقيقة قد طوقت تركيا، من الشمال في القرم، والشرق في أرمينيا، والجنوب الغربي في سوريا. وتعد القدرات العسكرية الجديدة لروسيا مصدر قلق في تركيا، والتي لا ترحب بأي زيادة جديدة في القوة العسكرية لروسيا.

رغم ذلك، فقد وعد مسؤولون بوزارة الخارجية الروسية بتحسين العلاقات في التجارة والطاقة والزراعة والنقل. ولكن روسيا كانت بالفعل قد رفعت العقوبات على السياحة والزراعة والتي كانت قد وقعتها على تركيا في أواخر عام 2015، كما أن الكريملين ليس في وضع يسمح له بتمويل تركيا. وكان هناك وعد أيضًا بمد خطوط أنابيب الغاز الروسي عبر تركيا إلى أوروبا، لكن «أوميت يارديم»، السفير التركي في روسيا، صرح للإعلام مؤخرًا أن اتفاقًا بهذا الشأن لن يوقع قريبًا. ويتحدث الكريملين عن إشراك تركيا في مشروعه للتكامل الأوروآسيوي، لكن أوروبا تظل شريكًا تجاريًا أهم بكثير لتركيا من روسيا.

لكل أسبابه

الأكثر أهمية بالنسبة لكلا الزعيمين من أي تنازلات محددة، هو أن مجرد المساومة تعطي انطباعًا بتحسن العلاقات بين البلدين. فالحكومة التركية والعديد من الأتراك يشعرون بالغضب بشأن التعامل الغربي مع الانقلاب الأخير، بينما يقدرون رد الفعل السريع لروسيا في هذا الأمر برفضها للانقلاب. بينما لم توجه روسيا لأردوغان أية انتقادات بشأن عملية التطهير التي تحدث في البلاد بخلاف أوروبا والولايات المتحدة. لذا فإن قيادة تركيا تعلم أنه كلما نجحت في إيصال رسالة بتقارب أكبر مع روسيا، كلما قلت انتقادات الغرب لـ«أردوغان»، وعادت حكومات أوروبا عن نغمة الانتقادات إلى الحد الذي يكون مقبولًا في تركيا. فتركيا تعني الكثير لأوروبا والولايات المتحدة وخصوصًا في سوريا والناتو واتفاقية اللاجئين.

ولدى «بوتين» أيضًا أسبابه لتحسين العلاقات مع تركيا. فالكرملين غير سعيد بنوايا حلف شمال الأطلسي، الناتو، ببناء قوة في البحر الأسود، وهو سعيد لرؤية توتر داخل الناتو. كأداة سياسية وكورقة ضغط على القوى الغربية، يظل التقارب نافعًا لكلا الزعيمين، لكن إيجاد مصالح مشتركة شيء ضروري لديمومة العلاقات، وليس مجرد صداقة زائفة قائمة على هدف انتزاع تنازلات من الغرب.

المصدر | فورين أفيرز