«فورين أفيرز»: مصر عالقة مع «السيسي».. سياسة ممنهجة لتغييب البدائل السياسية

قبل 6 سنوات من الآن، نزل عشرات الآلاف من المصريين إلى ميدان التحرير وسط القاهرة مطالبين «عيش، حرية، عدالة اجتماعية». وبعد 18 يومًا فقط، أنهى المتظاهرون حكم الرئيس «محمد حسني مبارك»، الذي استمرّ لثلاثين عامًا. لكن لم يدم التفاؤل بالربيع العربي طويلًا مع ذلك، وبكل المقاييس فإنّ المشاكل الموجودة اليوم أكبر بكثير من تلك التي قامت ضدّها الثورة. فالقمع الذي تمارسه الحكومة المصرية اليوم ضد معارضيها أوسع نطاقًا وأكثر وحشية، والبطالة أكبر بين الشباب، والاقتصاد يعاني بشدّة، وهناك شعور متنامي أنّ البلاد على حافة الانهيار. لكن على الرغم من هذا الإحباط المتزايد، فإنّ الرئيس «عبد الفتاح السيسي» يبدو واثقا جدًا، بحسب ما أخبرني به أحد المسؤولين. حيث قال لي: «لديه علاقة جيّدة بالشعب ويعلم أنّ الشعب يثق به».

ويتمتّع «السيسي» بهذه الثقة نتيجةً للهدوء النسبي الذي تبع قرار البنك المركزي أوائل نوفمبر/تشرين الثاني بتعويم العملة المصرية، وهو القرار الذي أدّى لخسارة الجنيه المصري لنصف قيمته، وتبعه زيادات كبيرة في الأسعار. وقد حذّر بعض المسؤولين المصريين من هذه الخطوة، محذّرين من إمكانية تسبّبها في اندلاع تظاهرات واسعة مثلما حدث في يناير/كانون الثاني عام 1977، بعد أن خفّض الرئيس «أنور السادات» الدعم على المواد الغذائية. لكنّ «السيسي» لا يملك الكثير من الخيارات. فبحلول خريف عام 2016، تسبّب الانخفاض الحاد لاحتياطيات النقد الأجنبي في نقص في معظم السلع الأساسية، ولم تجد الحكومة بدًا من التصرّف.

الكثير من الألم

ومن المؤكّد أنّ انخفاض قيمة العملة، والذي تبعته جولة أخرى من تخفيض الدعم على الطاقة وتوقيع اتفاق قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي (استلمت مصر منهم 2.75 مليار دولار مباشرةً)، قد حسّنت من التوقّعات الكلية للاقتصاد المصري. وتمّ تجفيف السوق السوداء سريعًا وتدفّقت العملة الأجنبية على البنك المركزي. وارتفعت احتياطيات النقد الأجنبي من 19 مليار دولار في نهاية أكتوبر/تشرين الأول إلى 24 مليار دولار بعد شهرين، وارتفع مؤشّر أسعار البورصة المصرية بما يقارب 50 بالمائة. ونتيجةً لذلك، فالبعض في مجتمع الأعمال المصري يتفاءل بحذر بتدفّق الاستثمار الأجنبي. لكن لا تزال توجد العديد من العقبات أمام النمو المستدام، بما في ذلك الأجواء التي تخيف المستثمرين من الاستثمار في البلاد، مثل المخاوف الأمنية والسياحة المتراجعة. وقال لي مسؤول بارز: «سيكون من الصعب للغاية توقّع انفتاح على الاستثمار المباشر والسياحة على المدى القصير. لكن سننتظر لـ 6 أشهر لنرى كيف ستسير الأمور». وعلى الرغم من أنّ «الهوس بالسيسي» الذي تبع الإطاحة بـ«مرسي» أصبح ذكرى بعيدة، إلّا أنّ «السيسي» لا يزال الشخصية السياسية الأكثر شعبية في البلاد.

ومع ذلك، بالنسبة لغالبية المصريين، كان التأثير المباشر لانخفاض قيمة العملة مؤلمًا للغاية. ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكلٍ كبير ومستمر، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اعتماد مصر الشديد على الأطعمة المستوردة. ووفقًا لصحيفة المصري اليوم اليومية فقد ارتفعت أسعار الدواجن الحيّة والسكّر بمقدار النصف، وسعر زيت الزيتون قد تضاعف تقريبًا. وفي الإسكندرية والفيوم اللتين زرتهما في ديسمبر/كانون الأول، أشار أصحاب المحال إلى خسائر في المبيعات بأكثر من 40 بالمائة، وحتّى في المناطق التي تشهد الكثير من الحركة، لم يكن هناك سوى بضعة زبائن في المتاجر. وقال لي أحد النشطاء في الفيوم: «الناس يعانون أكثر ممّا يمكنهم تحمّله».

الجيش أو الإخوان

لكن للوقت الحالي، يتحمّل المصريون ذلك، ليس بسعادة أو بساطة، لكن بالطبع بصبر أكبر ممّا توقّعه الكثيرون في البلاد. وإلى حدٍّ ما، يعكس الهدوء النسبي (وربما المؤقت) أبرز سمتين للسياسة المصرية منذ 3 يوليو/تموز عام 2013، عندما استجاب «السيسي»، الذي كان وزيرًا للدفاع حينها، للاحتجاجات، وأطاح حينها بأول رئيس منتخب للبلاد، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، «محمد مرسي».

السمة الأولى هي أنه لا يزال هناك نفور قوي تجاه الإخوان، الذين يميلون لاستخدام التظاهرات لمصالحهم الضيّقة الخاصّة. وذكر الناشطون، على سبيل المثال، أنّ الدعوات لـ «ثورة الغلابة» في 11 نوفمبر/تشرين الثاني قد فشلت فور إعلان جماعة الإخوان المسلمين مشاركتها ودعمها. وعلى الرغم من حملة القمع الشديدة التي واجهتها جماعة الإخوان المسلمين، وأنهم أصبحوا يُرون بالكاد على الأرض الآن، فإنهم لا يزالون قوّة استقطاب كبيرة، حتّى بعد فشل رئاسة «مرسي» التي لم تستمر أكثر من عام، شهدت مصر انقسامًا مجتمعيًا خطيرًا. وأخبرني أحد النشطاء: «لا يزال للإخوان تأثيرهم السام. فعندما يبدو الناس على وشك الحشد والتعبئة، تقتل بيانات الإخوان ذلك».

والسمة الثانية هي أنه على الرغم من أنّ «الهوس بالسيسي» الذي تبع الإطاحة بـ«مرسي» قد أصحب ذكرى بعيدة، لا يزال «السيسي» أكثر الشخصيات السياسية شعبية في مصر. وأخبرني أحد المؤيدين البارزين السابقين: «انخفضت شعبية السيسي من 90 بالمائة إلى 60 بالمائة». ويعني هذا أنّ الأغلبية لازالت في ظهره. ولكن إن تغيّرت تلك الأرقام لن نعرف ذلك، لأنّ وسائل الإعلام تحّذر المواطنين من إجابة أية أسئلة من قبل جهات أجنبية. لكنّ الجيش الذي توحّش كمؤسّسة اقتصادية في كثير من المجالات، وآخرها إعلانه الحصول على ترخيص لإنشاء شركة أدوية، والذي توسّع نفوذه بشكلٍ طاغٍ منذ تولّي «السيسي»، يعتقد الكثيرون أنّه سيدعم «السيسي» بقوّة في أزمته. وقال لي أحد رجال الأعمال: «لا يزال الخيار إمّا الجيش أو الإخوان. لا يوجد خيار ثالث».

وبالطبع، فإنّ غياب الخيار الثالث هو أمر مخطّط له. فالحكومة قد عمدت إلى قمع أي حراك سياسي جديد، ويتمّ مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي بإحكام. كما يتم استجواب من ينشر انتقادًا للرئيس أو الحكومة، ويعتقد الكثيرون أنّ الحكومة تتنصت على الهواتف الشخصية. وفي المقابلات الخاصة يضع الموجودون هواتفهم في صناديق أو وعاء لمنع الميكروفون من تسجيل المحادثات. وتتعامل الحكومة بحزمٍ شديد مع أي محاولة للدعوة للاحتجاجات، ويتمّ القبض على أصحاب الدعوات. وقالت لي نائبة برلمانية سابقة: «يذكّرني القمع اليوم بعهد عبد الناصر. كنّا نخشى التضييق علينا أيّام الإخوان، لكنّنا كنّا نتمتّع بالكثير من الحرية عمّا نلمسه اليوم». ونتيجة لهذا الوضع السياسي، أصبحت الأحزاب الموجودة تسير كلها في خط واحد لدعم «السيسي»، الأمر الذي جعلها جميعًا متشابهة. بل وتعمل الأجهزة الأمنية على الحشد والتجهيز من أجل انتخاب «السيسي» عام 2018.

إحكام السيطرة

وتحاول الأجهزة الأمنية أيضًا إسكات أي صوتٍ للمعارضة من خلال إحكام قبضتها على وسائل الإعلام، وذكرت أقوال حول تخصيص المخابرات المصرية لأموال من أجل شراء قنوات تلفزيونية. وكذلك تتحكّم الأجهزة الأمنية في أي القضايا يتم تغطيتها وأيّها لا، ومن يقوم بهذه التغطية. ولعلّ هذا يفسّر تعليق برنامج الصحفي المصري «إبراهيم عيسى» بعد توجيه انتقادات للرئيس، حيث قال أنّه يتعرّض لضغوط. ويوضّح هذا أيضًا سبب تخصيص «عمرو أديب» لأكثر من نصف برنامجه للترويج لثلاجة حلوان 360 التي أنتجتها شركة تابعة للجيش، وكأنّه مندوب مبيعات تجاري خاص بالشركة.

وبعيدًا عن طمأنة الجمهور، أثارت التقييدات الواقعة على تغطية الأخبار مخاوف أكبر، بما في ذلك بين هؤلاء الذين كانوا داعمين للسيسي سابقًا. وقال أحد رجال الأعمال: «أنت لا تعلم من يدير العرض»، مشيرًا إلى أنّ مشاريع قوانين تتعلّق بالاستثمار والمنظمات غير الحكومية اتضّح أنّ المخابرات هي من صاغتها بعيدًا عن النواب أو الوزراء. وأضاف: «يوجد انقطاع في التواصل بين السلطات». (الصورة: إبراهيم عيسى)

وفي بعض الأحيان، يظهر عدم التواصل هذا في العلن. وفي وقتٍ سابق من هذا الشهر، أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمًا ضد نقل «السيسي» لجزيرتي تيران وصنافير بالبحر الأحمر إلى السعودية، ورفضت المحكمة ادّعاء الحكومة بأنّ الحكومة المصرية كانت تدير الجزيرتين نيابةً عن السعودية. وكلّفت هذه القضية «السيسي» الكثير، فالكتب الدراسية في مصر دائمًا ما أشارت للجزيرتين بأنّهما مصريتين، الأمر الذي جعل الكثير من المصريين يصدّق أن «السيسي» كان يبيع الجزيرتين للسعودية مقابل المساعدات. وكلّفت القضية «السيسي» خارجيًا أيضًا، حيث أعلنت الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني إيقاف شحنات النفط التي كان قد وعد بها الملك «سلمان» خلال زيارته للقاهرة في أبريل/نيسان، وأخبرني مسؤولون مصريون أنّ تلك المساعدات من غير المرجّح أن تسري ثانيةً.

وفي الواقع، بعد 6 سنوات من انتفاضة ميدان التحرير، والأحلام التي ألهمها «الربيع العربي»، تبدو البلاد عالقة. ويظنّ القليلون أنّ الآلام الاقتصادية ستهدأ قريبًا، ولا يوجد بديل عن المضي قدمًا. وقال لي أحد الداعمين السابقين:«أحيانًا تسأل نفسك، ثمّ من؟ من البديل؟ لكن لا توجد إجابة. وكل السياسات التي تنفّذ تهدف إلى ضمان ألّا يوجد بديل. لذا فإمّا أن تتعايش مع ذلك أو تتركه». لذا فإن المصريين يتعايشون معه، كما اعتادوا في الغالب، لأنّ الأمر يبدو وكأنّه لا خيار آخر.

المصدر | إريك تراغر- فورين أفيرز