فيلم «سيريانا»..الخليج وإيران والإرهاب كما تصورهم «هوليود»!

ليس أول ما يجذب الانتباه فور الصبر على مشاهدة هذا الفيلم كاملاً، كم سطحية به، بالإضافة إلى التناول الأقرب للسذاجة والهشاشة لواقع العلاقات المتداخلة والمتشابكة في الخليج العربي، أو (الفارسي) كما يردد أبطال الفيلم، ويكتب مخرجه ومؤلفه «ستيفن كاهان» على الشاشة أكثر، وإنما يرد على الذهن فور الانتهاء من الفيلم أن الواقع العبثي الذي يُصوره، الملىء بالفساد والنفط والدماء في آن واحد، هو بالفعل ما لا تراه «هوليود» في الشرق الأوسط فحسب، بل ما تكرمه أمريكا رسمياً، عبر جائزة «الأوسكار» 2006م لـ«جورج كلوني» أفضل ممثل مساعد، مع ترشيح النص الأصلي للجائزة.

لدينا في فيلم واحد الاسم «سيريانا» تعبيراً عن المملكة العربية السعودية، وهو ما لا يستنكف الممثلون عن البوح به، فهم يتحدثون خلاله عن مكة، علناً، وإسناد تكييفها إلى شركة «بن لادن»، في إشارة إلى «أسامة بن لادن»، قائد تنظيم «القاعدة» الراحل.

ولدينا اعتراف بأن الفيلم يخص الإمارات عبر تصوير جزء ليس بالقليل منه في دبي، ولدينا الكويت حاضرة بقسوة في اسم الأمير، ولي العهد، المُختلف عليه بين «ناصر» و«مشعل» (الصباح)، ولدينا الملك الراحل «فهد بن عبد العزيز» لا يكتفي صُناع الفيلم بشبيهه متحدثاً، بل يأتون بصورة فوتغرافية مركبة له مع أحد مسؤولي المخابرات الأعلى فساداً (في الدقيقة الـ 97 من الفيلم)، ولدينا «محمد خاتمي» مذكور بالاسم كمرشح بديل لأنظمة الخليج كلها ليعبر عن الديمقراطية المتوقعة، ولينا «حسن نصر الله في لبنان عبر عمامته وزيه، ولدينا الملك «فيصل» و«مصطفى كمال أتاتورك» كأصحاب رؤية، (وجهل صُنَّاع الفيلم بحياة وتوجه كلاهما جعلهم يروجون لهما على أنهم كانا أصحاب رؤية واحدة الهدف)، ولدينا مشهد وفاة على طريقة الراحل «رفيق الحريري» في نهاية الفيلم، وكل هذا العبث الدرامي تتم تسميته في النهاية «سيريانا ربما لقرب الاسم من «السوريالية والسعودية»!

واقع نقل الفساد

سبقت الفيلم محاولات أمريكية لتقديم واقع الحياة في المملكة العربية السعودية، من مثل فيلم «المملكة» عام 2007، لكن لم يكن أحدهم يحظى باعتراف أو جائزة أمريكية شهيرة مثل «الأوسكار»، بالإضافة إلى الترشيحات لها في فروع أخرى و«الغولدن غلوب» وهلم جراً.

تضافرت في الفيلم القدرة الاحترافية في التصوير والمونتاج على تجسيد أكبر قدر ممكن من الفساد، مع المباشرة في التناول الشديدة، على طريقة نقل الفساد بالفساد، أو استعمال القذارة في مواجهة القذارة، باعتبار أن الخلجيين ليسوا إلا أصحاب مال وسلطة لا أكثر، بحسب صُناع الفيلم.

الفيلم مستقى عن قصة لـ«روبرت باير»، وصدر في 128 دقيقة في 9 من ديسمبر/كانون الأول 2005م مستبقاً جوائز «الأوسكار»، وتكلف نحو 50 مليون دولار وجلب قرابة ضعف الرقم الأخير، بالإضافة إلى جائزة «كلوني»، كممثل المساعد به، والأخير هو أحد منتجيه، أيضاً.

فيلم بلا بطولة

إن شئنا الدقة فنحن أمام فيلم بلا بطل، ولذلك وُفقتْ «أوسكار» في إعطاء جائزة أفضل مُمثل مساعد لـ«كلوني»، فنحن أمام عشرات الشخصيات الممتلىء الفيلم بهم حتى حافته، يُعبرون عن الواقع، بل يتحدون أشخاص

الواقع فيذكرونهم بأسمائهم أحياناً (محمد خاتمي، عائلة الصباح، آل أميري تعبيراً عن الخميني، والملك فيصل، وأتاتورك)، وأحياناً بالصور، وأخرى بالتواجد في البلد الذي يتعرض الفيلم له بالسلب أو السب إن شئنا الدقة، (تم تصوير أجزاء من الفيلم في الدار البيضاء، وتم ذم المغرب كأحد مناطق القلاقل بالنسبة لأمريكا، والأماكن الأخيرة ممتدة من باكستان حتى المغرب)، أما إيران وروسيا والصين والهند فحلفاء إما عسكريون أو ثقافيون على الأقل، كما يقول الفيلم!

من بين شخصيات الفيلم نميز بسهولة 9 شخصيات لها دور البطولة، وكلها شخصيات تتمحور خلفها أسر وأمهات وصغار، وإن توزعوا عبر دول العالم من إيران، ولبنان، وأمريكا، والخليج، ومصر، وأحياناً يذهبون إلى سويسرا وغيرها ، والجميع مدان بالفساد بلا استثناء سوى لشخصية «فاروق»، (مع التدقيق على الاسم)، وهي شخصية سطحية جاهلة تدان بالإرهاب في نهاية الفيلم، وهي أفضل شخصيات الفيلم عموماً!

أشخاص بلا نهاية

1ـ «بوب بارنيس» أو «جورج كلوني»: عميل للمخابرات الأمريكية يتم زرعه في إيران، وتزداد أهميته عقب أحداث 11 من سبتمبر/أيلول 2001م، ولكن رغم نجاحه في الإطاحة بعدد من المُشتبه فيهم، في إحدى العمليات الأمريكية غير النظيفة، يتم الشك فيه، ومن ثم يُرسل إلى لبنان ويُوهم بأنه يدس على حزب الله لي

تم تعذيبه هناك، ويجد نفسه في النهاية خارجاً على النظام المخابرتي، فيتم قتله مع أحد أهداف «السي آي إيه»، (الأمير ناصر الصباح) في نهاية الفيلم.

2ـ «وين وايتنغ» أو «كريستوفر بلامر» مسؤول أمريكي رفيع يتتبع استئجارات وأموال البترول الخليجي، وهو يرى أنه لابد من ضخ المشاكل في طريق الشرق الأوسط ليتم الاستفراد بأموالها، (ركب صناع الفيلم له صورة مع الملك الراحل فهد)، وهو ما يجعله في النهاية يطيح بـ«بوب بارنيس» ثم يندم في آخر مشاهد الفيلم.

3ـ «ناصر الصباح» أو «إلكساندر صديق» أمير يجمع بين التعبير عن السعودية والاسم الكويتي، ولقب الإمارة المشترك مع الإمارات، والقدرة على ملاعبة الغرب عبر إيران لمغازلة أوروبا مع أمريكا، وهو ما يُزعج الأمريكيين فيقررون قتله على طريقة «رفيق الحريري» لكن مع أسرته.

4ـ «بريان وودمان» أو «مات ديمون»،

مستشار اقتصادي أمريكي يقيم في جنيف يتم استدعاؤوه لحفل لابن أمير الدولة (الدول في الحقيقة بحسب الفيلم)، وهناك يطرده الابن

الصغير، فيغرق ابنه الصغير «ماكس في أجواء ضبابية له علاقة بالمخابرات، فتتم مكآفأته بالبقاء مع شقيق الأمير الأكبر «ناصر الصباح»، وقبل قتل الأخير ينجو «بريان» بركوب سيارة أخرى من الموكب، لتستمر حياته بلا خسارة، كتعبير عن رجل الاقتصاد الأمريكي القادر على مجاراة الفساد بسهولة.

5ـ «محمد شيخ عجيزة» أو المُمثل المصري «عمرو واكد»، إرهابي يتخفى تحت الجلباب القصير والصلاة والأذان لتجنيد بسطاء الباكستانيين لتفجير الجنود الأمريكيين، والباكستانيون تملك بلادهم النفط ومع ذلك يتسولون في الخليج، وينتهي الفيلم والإرهابي بخير، وهو دور في الحقيقة يُحسب على «واكد» الذي حاول أن يظهر كمناضل ثوري بعد ثورة يناير/كانون الثاني المصرية.

6ـ «فاروق»، (كما يُسمية صُنّاع الفيلم)، باكستاني عقلاني يتم الاستغناء عنه ويهدد بالترحيل مع أبيه، وكان منتهى أحلامه جلب أمه إلى الخليج، ليجنح إلى الإرهاب و(حب الآخرة)، كمثال صارخ للمسلم الذي تعشقه «هوليود»..البسيط القابل للانفجار.

7ـ «بينت هيوالدي» أو «جيفري رايت» مسؤول رقابي على النفط له صلاحيات مخابراتية يشتكي من أن اندماج شركتين كبيرتين للنفط أدى إلى تحويل الأرباح (7500 مليون دولار) لأمير عربي في جنيف، فيتم الضغط على «بينت» ليصمت..مسانداً الفساد بهدوء.

8ـ «داني دالتون» أو «كريس كوبر» الفاسد الذي يبتز ويسرق أموال النفط عبر الشركات العاملة في الخليج وهو يرى أنه لولا الفساد والخروج على القانون ما كانت أمريكا في الخليج من الأساس.. والجميع يحميه!

9ـ «مشعل الصباح» الأمير الذي اختاره أبوه خلفاً له رغم أنه الأصغر، وهو الذي لا يستطيع إدارة ماخور برأي أخيه «ناصر» لا إماراة، وهو يرعى الفساد رسمياً، ويساهم في قتل أخيه، وإضاعة ثروات بلاده.

بلا قصة ..ذلك أفضل

إننا إزاء مشاهد مركبة بالتوازي لأبطال في دول مختلفة عربية وغربية، وناطق متعددة من الولايات المتحدة بداية من وزارة العدل، لجامعات، لمبنى المخابرات المركزية، لمزارع، الجميع هنا يردد أن السلاح هو وجه النفط الآخر، وأن الفساد هو معناهم، وأن الإرهاب ما هو إلا بديل لقذارة الأنظمة والتحكم الأمريكي في الخونة، لا مجال للقلب أو الضمير أو الحضارة، فحتى صندوق الانتخابات الأمريكي هو عبارة عن مال خليجي يتحول إلى تصويت لمرشح ليفوز، والعرب الخليجيون ما هم إلا غطاء لكل هذا، وفي النهاية يبقى أن هذه الخلطة الغريبة أثمرت فيلماً مشوهاً، به موسيقى تصويرية بلا نكهة، فضلاً عن أن العمل بلا ملامح، لكن يقول للذين يرون أن أمريكا قد تعفو عنهم إن هم أدانوا أنفسهم بأنفسهم، وقالوا إن حراك الشعوب ما هو إلا إسلام رديكالي، من مثل صاحب كتاب «ضد الربيع العربي» الباحث السعودي الذي عرض لكتابه في معرض الرياض الخميس، والذي يقدم إدانة لقومه العرب، إن هم حاولوا طلب العدل والحياة، يقول الفيلم لمثله هيهات أن تتغير وجهة النظر الأمريكية..!

المصدر | الـخليــــج الجــديــد