في مصر السلع الرمضانية لـ«الأغنياء فقط».. و«الياميش» لمن استطاع إليه سبيلا

كحال باقي المنتجات في مصر، ارتفعت أسعار ياميش رمضان بدرجة جنونية، وصلت إلى 136% عن سعرها العام الماضي، في الوقت الذي دعت الحكومة المصريين بالتخلي عنها باعتبارها «غير ضرورية».

ويُعد الياميش (الفواكة الجافة) في مصر، سلعة موسمية يزدهر بيعها وشراؤها قبيل شهر رمضان، فيتخذها المصريون عادة، وتكون مظهرا من مظاهر فرحتهم بقدوم الشهر.

ودفع الارتفاع المُضاعف في الأسعار، الكثيرين للتراجع عن شراء الياميش، أو الاكتفاء بالأنواع البسيطة، والابتعاد عن السلع الأكثر رفاهية كالتسالي والمكسرات، لتنخفض نسبة الإقبال عليها 60%، للدرجة التي وصفها أحد التجار بأنها أصبحت «كالحج لمن استطاع إليه سبيلا».

يأتي ذلك، كنتيجة عن تحرير سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية، أواخر العام الماضي، والتي رفعت أسعار الطعام والشراب بنسب متفاوتة، وصلت إلى 125%. (طالع المزيد)

استبدال

«الأناضول»، روت قصة «رحارب مرسي» سيدة منزل، خلال تجولها في منطقة الغورية (وسط القاهرة)، والتي كانت تُخطط لشراء «الياميش»، قبل أن تتراجع بعد علمها بالأسعار التي تضاعفت عن العام الماضي، فقررت الاكتفاء ببعض السلع البسيطة.

ولأن الحلوى الشرقية هي إحدى مميزات طعام لشهر الكريم، لن تتخلى «رحاب» عن إسعاد أسرتها التي تتكون من خمسة أفراد ببعض منها، ولكنها لن تكون بالتأكيد مثل السنوات السابقة إذ «قررت الاستغناء عن المكسرات واستبدالها بالفول السوداني لصنع الكُنافة والحلويات الأخرى».

وقالت «رحاب» إن «ارتفاع الأسعار لم يطل الياميش والسلع الموسمية الرمضانية فحسب، بل كل السلع الأخرى الضرورية منها قبل الترفيهية، منذ تحرير سعر الصرف».

ارتفاع جنوني

وبحسب رصد لمتوسط أسعار معظم السلع الرمضانية للكيلوغرام الواحد، فبلغ سعر «الفستق» 500 جنيه (27.8 دولار)، و«البندق» و«اللوز» و«عين الجمل» 250 جنيهاً (13.92 دولار) لكل منها، و«جوز الهند» 70 جنيهاً (3.89 دولار).

وبلغ سعر كيلو «الفول السوادني» 40 جنيهاً (2.22 دولار)، و«البلح» 25 جنيهاً (1.39 دولار)، و«الزبيب» 60 جنيهاً (3.34 دولار)، و«التين المجفف» 80 جنيهاً (4.45 دولار)، أما سعر عبوة «المشمش المجفف» المعد لعمل العصائر المسمى محليا بـ«قمر الدين» فبلغ 50 جنيهًا (2.78 دولار).

وحول هذه الأسعار، قال رئيس شعبة العطارة في الغرفة التجارية بالقاهرة «رجب العطار»، إن هذا الارتفاع سوف يؤدي إلى حجب الياميش عن موائد المواطنين.

وأضاف: «الأسعار ارتفعت بنسبة 136%، وهناك توقعات بمزيد من الارتفاعات في أسعارها»، وتابع: «الياميش أصبح مثله مثل الحج لمن استطاع إليه سبيلا».

ميزانية لا تسمح

أما «نجوى عبد المنعم»، وهي ربة بيت في العقد السادس من عمرها، فقالت إنها لم تتخذ قرارها بشراء الأصناف مرتفعة الأسعار، وتركت الأمر لما يتوافر من ميزانية المنزل حتى نهاية الشهر.

وأضافت أنها «خلال السنوات السابقة اعتادت شراء 500 غرام، من كل صنف لسد حاجة المنزل من هذه السلع، لكن هذا العام تغير الوضع بارتفاع الأسعار»، وتابعت: «إذا قررت شراء هذه السلع فستكون بكميات أقل كثيرًا ربما 250 غراما وستقتصر على صنف أو اثنين على الأكثر».

إقبال ضعيف

«محمود خضر»، أحد تجار العطارة والياميش المشاهير بالقاهرة، قال إن مصطلح «موسم الياميش» الذي كان يُطلق على الأيام ما قبل شهر رمضان، لم يعد موجودا بسبب ارتفاع الأسعار.

وأضاف: «قررت خفض الكمية التي كنت استوردها من 5 أطنان إلى طن واحد لبعض السلع ونصف طن لسلع أخرى».

وتابع: «المنتجات المصرية من الياميش منخفضة الجودة/ وبالتالي فالإقبال دائماً يكون على الأنواع المستوردة، ولكن هذا العام لارتفاع الأسعار استغنى الزبائن عن النوعين، وانخفضت نسبة الإقبال على الشراء 60% عن العام الماضي».

واستعان «خضر» بالكميات المتبقية لديه من العام الماضي، لتجاور الكميات القليلة المستوردة هذا العام، وقال: «ارتفاع الأسعار عاد بالسلب أيضًا على التجار وليس المستهلك فقط، وارتفاع الدولار أثنى تجارا كُثر عن الاستيراد».

واتفق معه «محمد أبو راضي»، أحد التجار بالمنطقة، حين قال إن «الإقبال على الشراء ضعيف جًدا، إذا ما قورن بالعام الماضي، بسبب ارتفاع الأسعار».

وأضاف أنه «يستجيب لطلب الزبون في الحصول على أي وزن من الياميش تقديراً منه للظروف الاقتصادية»، وتابع: «لو لم أفعل ذلك لتراكمت البضائع لدي وفقدتها بانتهاء صلاحيتها».

التعويم السبب

وأرجع «محمد الشيخ» سكرتير شعبة العطارة بالغرفة التجارية المصرية (مستقلة وتشرف عليها وزارة التجارة والصناعة)، السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار الياميش المُضاعف هذا العام إلى تحرير سعر الصرف، وارتفاع قيمة الدولار في مقابل الجنيه، جراء ارتفاع أسعار الاستيراد ما دفع التجار لزيادة الأسعار على المستهلك.

وأضاف أن «تفسير البعض لارتفاع الأسعار على أنه جشع من التجار، هو أمر غير صحيح، لأن الغلاء طالهم أيضاً، وتسبب في خفضهم للكميات التي اعتادوا استيرادها من الخارج».

ونفى «الشيخ» أن يكون هناك احتكار من التجار لأنه أمر في غاية الصعوبة، بحسب وصفه، وقال: «التاجر إذا رفع السعر عن المستوى المناسب لن يبع بضائعه وخاصة أن هذه بضائع موسمية مرتبطة بأيام محددة ومدة صلاحية».

وتابع أنه «إذا كانت هناك سلع خرجت من استهلاك 20% من الزبائن العام الماضي فالأمر يصل لخروج عدة سلع من استهلاك 50% منهم هذا العام، وبارتفاع الأسعار هذا اليوم نستطيع القول إن رمضان للأغنياء فقط».

غير ضرورية

في المقابل، اعترف الدكتور «علي مصيلحي» وزير التموين، بارتفاع أسعار السلع خلال الفترة الماضية، وقال: «اللي ما يقولش إن الأسعار زادت يبقى غير موجود في مصر».

وأرجع السبب إلى قرارات الإصلاح الاقتصادي وتحرير سعر الصرف، التي وصفها بأنها «كانت مهمة وضرورية وتأخرت عن موعدها».

وأضاف «مصيلحي»، مساء الاثنين، أنه في حال عدم اتخاذ قرارات الإصلاح الاقتصادي كان الحديث سيكون عن عدم وجود السلع الغذائية من الأساس، وليس حديثًا عن ارتفاع أسعار الياميش.

وتساءل «مصيلحي»: «هل الياميش هو اللي ناقصنا؟.. إحنا عشنا الستينات وبداية السبعينات ماشوفناش الياميش».

وتشهد البلاد موجة غلاء طالت مختلف السلع والمنتجات والمواد الغذائية، بعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري في نوفمبر/تشرين ثان الماضي، محققا قفزة غير مسبوقة من 8.8 جنيهات إلى أكثر من 18 جنيها للدولار.

واتخذت الحكومة عدة قرارات اقتصادية أسهمت في زيادة الأسعار خلال العام الماضي، أهمها زيادة تعريفة الكهرباء في أغسطس/آب الماضي، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة التي تصاحبها عادة زيادة في الأسعار، خلال الأسبوع الثاني من سبتمبر/أيلول الماضي.

وشكل الفقراء، الذين لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من الغذاء وغير الغذاء خلال 2015 بمصر، 27.8% من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 93 مليون شخص.

وقال الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر (حكومي) إن متوسط الدخل السنوي للأسرة المصرية بلغ 44.2 ألف جنيه في 2015، وارتفع متوسط الإنفاق الكلي للأسرة بنحو 40% ليصل إلى 36.7 ألف جنيه في 2015، مقابل نحو 26.2 ألف جنيه في البحث السابق 2012/2013.

في المقابل، صعدت معدلات التضخم في مصر بنسبة 32.9% في أبريل/ نيسان 2017، على أساس سنوي، مقابل 32.5% في الشهر السابق عليه، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي).

وليس من المتوقع أن يتوقف ارتفاع الأسعار في الفترة المقبلة، فوفقًا لوثيقة قرض صندوق النقد لمصر، الصادرة في يناير/ كانون الثاني الماضي، يتوقع صندوق النقد الدولي والحكومة المصرية استمرار ارتفاع الأسعار في السنوات المقبلة، ولكن بوتيرة أقل، خصوصًا أن الحكومة مُقبلة على رفع أسعار الوقود والكهرباء مرة أخرى خلال الأشهر المقبلة.

ووافق صندوق النقد الدولي في نوفمبر/ تشرين ثان الماضي/ على تقديم قرض لمصر بقيمة 12 مليار دولار على مدى 3 سنوات، ولكن وثيقة القرض لم تنشر إلا في يناير/ كانون الثاني الماضي.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات