كي ينجـح التـنـويـع الاقـتـصادي خـليجـيا

مشكلة التنويع الاقتصادي ليست متشابهة بين دول التعاون فالإمارات ثم البحرين نجحتا أكثر من الدول الأخرى وطورتا بشكل أفضل القطاع الخدماتي والمالي تحديداً اما في باقي دول الخليج هنالك خطط قديمة للتنويع الاقتصادي لم تنجح حتى اليوم .

هنالك قناعة عامة داخلية ودولية بأن دول مجلس التعاون الخليجي تحتاج إلى تنويع اقتصاداتها بأسرع وقت ممكن. الأفكار موجودة كما الرغبة والإمكانات، فلماذا لا يكون التنفيذ بنفس الدرجة والعمق؟ هنالك مصلحة في التنويع كي تبقى الاقتصادات مزدهرة. تعتمد الدول العربية بشكل أو آخر على النجاح الخليجي في النمو والإيرادات، وبالتالي هنالك مصلحة إقليمية في التنويع الطويل الأمد.

ماذا يعني التنويع؟ يعني وجود قطاعات اقتصادية متعددة منتجة وغير مرتبطة بعضها ببعض من ناحية الإيرادات خصوصاً.

هنالك فرصة اليوم أي دافع حقيقي للتنويع يرتكز على انخفاض أسعار النفط وبالتالي الإيرادات الضرورية لتمويل الإنفاق العام. لو بقي النفط على أهميته سعراً وسلعة وإيرادات، ربما لما كانت هنالك حاجة للتنويع. إلا أن السعر منخفض وبدائل الطاقة تزدهر، وبالتالي لا يمكن الاتكال على النفط لتمويل حاجات المستقبل والسكان على المدى البعيد خاصة.

لو بقي النفط على أهميته، لكان الهمّ الوحيد أو الأساسي لحكومات الدول الست هو توزيع إيرادات الثروة على الشعب حتى يبقى المواطن مرتاحاً أو حاصلاً على أهم الخدمات مجاناً أو بأدنى الأسعار المدعومة الممكنة. لكن ترشيد الإنفاق العام أصبح ضرورياً وينفذ، أهم بنوده تخفيف الدعم عن السلع والتنبه إلى الهدر الكبير المعروف ضمن كل الإنفاق الكبير منه خاصة.

سعر النفط المرتفع كان يحول عملياً دون ازدهار قطاعات أخرى، وبالتالي أساء إلى إنتاجية الاقتصاد وتنافسية القطاعات المختلفة. تبقى السياسات الاقتصادية مبنية أيضا على الدور الكبير للقطاع النفطي.

السياسة النقدية مرتكزة على تثبيت سعر صرف النقد والسياسة المالية هي المحركة للاقتصاد في النمو والعمالة والعدالة الاجتماعية. هنالك تحديات جديدة تفرض التفكير بسياسات اجتماعية واقتصادية مختلفة، منها تحديات الزيادة السكانية وخاصة ارتفاع حصة الشباب والشابات في القوة العاملة ، وبالتالي معالجة موضوعي البطالة والإنتاجية التي تبقى مصدر التحسن المعيشي المطلوب.

مشكلة التنويع ليست متشابهة بين الدول. بعض الدول نجحت أكثر من الدول الأخرى وطورتا بشكل أفضل القطاع الخدماتي والمالي تحديداً.

في كل الدول الست هنالك خطط قديمة للتنويع الاقتصادي لم تنجح حتى اليوم، ربما لأن أسعار النفط كانت مرتفعة وربما لأن التنفيذ لم يكن بالمستوى والسرعة والنوعية المطلوبة. من المشاريع التي نفذت هي شركات الألمنيوم في بعض الدول كالبحرين (ألبا) والمدن الصناعية والمرافئ والمطارات والبنية التحتية المهمة. لا أحد ينكر الجهد الذي بذل والمبذول اليوم، إلا أننا نعلم جميعاً أن ما حصل غير كاف. هنا تكمن أهمية رؤية 2030 السعودية وما يشبهها في الدول الأخرى.

في كل الدول هنالك قوى مستفيدة من الواقع وتقاوم التغيير بقوة. هذه القوى موجودة في القطاعين العام والخاص وفي كافة المؤسسات. لذا أي تغيير جدي يبقى صعباً وسيتطلب الكثير من الجهد والقناعة والاقتناع والدفع.

لن تنجح سياسات التنويع إلا إذا عالجت الحكومات الراغبة به الأمور أو الحواجز الآتية:

أولاً: تحديد العوائق التي تمنع عملياً تنفيذ التنويع وبالتالي كيفية إزالتها. هنالك عوائق قانونية وإدارية ومؤسساتية يمكن معالجتها لتسهيل الاستثمارات. للبنك الدولي دراسات قيمة تذكر تحديداً العوائق في كل دولة. هنالك أحياناً نقص في المعلومات والأفكار، وبالتالي لا بد من توجيه المستثمرين نحو قطاعات أو مشاريع معينة.

ثانياً : ما القطاعات التي ترغب الدول في تنشيطها؟ ربما ما يصلح في السعودية لا يصلح لعمان أو غيرها. ما القطاعات أو المشاريع المحددة التي للدولة فيها أفضليات مقارنة وتريد توجيه الاستثمارات نحوها؟ هنالك في رأينا فرص كبيرة في الزراعة في عمان وفي الصناعة في السعودية وفي الخدمات وخاصة السياحة والتجارة والمال في كل الدول الست. هنالك إمكانية لتطوير قطاعات صناعية معدنية ترتكز على الثروة النفطية كالفولاذ والألمنيوم والترابة. من الممكن تطوير قطاعات أخرى كالنسيج والألبسة والمفروشات وغيرها. أخذ بعض التجارب الآسيوية السهلة مفيد ويمكن أن يطبق بسرعة.

ثالثاً : من سيقود الاقتصاد اليوم وغدا؟ أي هل يبقى القطاع العام كبيراً ودوره مسيطراً على الاقتصاد ومتدخلاً فيه أم هنالك رغبة رسمية في تكبير حجم القطاع الخاص ليس فقط اسمياً وإنما أيضاً مقارنة بالعام. يجب إعطاء فرص أكبر للقطاع الخاص التنافسي كي يقود الاقتصاد وتبقى الحكومات مراقبة عبر التشريع والمؤسسات والإجراءات وغيرها.

رابعاً : من الضروري أن تنتقل الفكرة الموجهة للدولة من التوزيع إلى الإنتاج. من الضروري نقل الدولة والاقتصاد من الاقتصاد الريعي التوزيعي إلى الإنتاجي، وهذا ليس سهلاً إذ يتطلب تغييراً في العقلية والسياسات والممارسات . في رأينا، انخفاض سعر النفط هو فرصة، إذ يشجع اليوم على تحقيق هذا التحوّل الضروري الكبير بسرعة أكبر. «الحاجة أم الاختراع» هو من أفضل الشعارات التي لها معنى كبير وحقيقي.

أخيراً إن معالجة الحواجز ضرورية لكنها غير كافية لنجاح سياسات التنويع التي تتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية ، كما في القطاعات الاجتماعية من تعليم وتربية وتدريب وصحة وغذاء وغيرها. تتطلب مراجعة فعالية القطاع العام وتخفيف حجم الفساد الموجود في كافة الأجهزة ، كما تشير إليه التقارير الدولية والمحلية المعروفة.

هنالك موازنات كبيرة تنفق على هذه الأمور، لكن يجب دراسة جدواها ونوعيتها ومحتواها.

هل نقدم أفضل الخدمات الحديثة، هل يشارك القطاع الخاص بها؟ هل تتم مراجعة المحتوى دورياً ومن يقوم بها؟

هنالك فرصة تكمن في تطوير الخدمات المالية الإسلامية. قال «ديفيد كاميرون» في سنة 2013 إنه يطمح إلى أن تكون لندن عاصمة الاقتصاد المالي الإسلامي في العالم.

فلمَ لا تلعب بيروت أو جدة أو المنامة أو دبي هذا الدور؟

لندن بعد «البركسيت» تطمح إلى تعويض ما ستخسره من الطلاق الأوروبي، وبالتالي ستسعى إلى تطوير الخدمات الإسلامية في وقت لا نرى خلاله أي جهد عربي للقيام بهذا الدور ضمن دول المنطقة.

تغيرت الظروف ويجب أن نتغير معها. فهل ننجح؟

* د. لويس حبيقة كاتب وخبير اقتصادي لبناني

المصدر | د. لويس حبيقة | الخليج — الشارقة