لا أحد يعلم من سيخلف «قابوس»: مصير مضطرب ينتظر عمان بعد رحيل السلطان

في ستينات القرن التاسع عشر، وفي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تخوض فيه حربا أهلية وحشية، كانت الإمبراطورية العمانية قد بلغت ذروتها. في مرحلة ما، كانت سلطة عمان تمتد من جنوب بلاد فارس، مرورا بالخليج العربي والقرن الإفريقي وصولا إلى الصومال والساحل الكيني وجنوبا إلى زنجبار. مسقط، التي كانت خاضعة لسيطرة البرتغاليين في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت في ذلك التوقيت هي العاصمة المحورية للمحيط الهندي.

تم تحجيم سلطة مسقط بشكل كبير اليوم إلى دولة صغيرة. ولكن البلاد ذات الكثافة السكانية المنخفضة لا تزال تلعب دورا يفوق وزنها في الشؤون الدولية. خلال 36 عاما من حكم السلطان «قابوس بن سعيد»، أصبحت عمان قوة دبلوماسية هادئة في المنطقة، كما لعبت دورا في خفض التوترات الطائفية وتوسطت في اتصالات سرية بين الولايات المتحدة والجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى. ولعب الدبلوماسيون العمانيون دورا حاسما في المفاوضات بين واشنطن وطهران منذ عام 2009، ما مهد الطريق للاتفاق التاريخي الذي تم التوصل إليه العام الماضي. كما استضافت عمان العام الماضي محادثات السلام بين السعودية والمتمردين الحوثيين الذين يسيطرون الآن على أجزاء كبيرة من اليمن.

مركز القوة الناعمة على حافة الجزيرة

يتبع العمانيون المذهب الإباضي المميز لعمان وزنجبار وشرق أفريقيا، وهو نهج مختلف عن كل من السنة والشيعة. على مستوى الممارسة العملية، فإن الإباضيين من المسلمين المعتدلين. كما أن موقعهم بين السنة والشيعة ساعد عمان في لعب دورها كصانع للسلام في العالم الإسلامي. عمان حليف مقرب من إيران، وهي في نفس الوقت عضو مؤسس في مجلس التعاون الخليجي منذ تشكيله عام 1981، كما أنها ساعدت جهود مكافحة الإرهاب الأمريكية في المنطقة. في يناير/كانون الثاني الماضي على سبيل المثال، نقلت الولايات المتحدة عشرة من معتقلي جوانتنامو إلى عمان. لا تمتلك عمان قوة عسكرية حقيقية أو حتى قوة اقتصادية (اقتصادها الذي يبلغ حجمه 58.8 مليار دولار يواصل الانكماش)، ولكن قدرتها على ممارسة القوة الناعمة في المنطقة تبدو خارجة عن المألوف. وعلاوة على ذلك، جنبا إلى جنب مع إيران، تتحكم عمان في المرور الآمن للنفط في الشرق الأوسط من خلال مضيق هرمز، الممر الضيق الذي يربط الخليج مع بحر العرب.

على نحو متزايد، تخضع الحدود والمؤسسات في منطقة الشرق الأوسط لعملية إعادة تنظيم فوضوية ويستفالية في مداها، وهوبزية (نسبة إلى توماس هوبز) في وحشيتها. من السهل أن نغفل عن عمان التي يبلغ تعداد سكانها 4.4 مليون نسمة (بما في ذلك أكثر من مليون من العمال الوافدين) والتي تقع على الزاوية الجنوبية الشرقية من شبه الجزيرة العربية، كما أنه من السهل أن ننظر إلى استقرارها على أساس كونه أمرا مفروغا منه. لا يبدو هذا البلد على رأس جدول أعمال أحد في ظل محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا والحرب الدائرة في سوريا والانقسام في العراق والجهود الدولية للحرب ضد الدولة الإسلامية، واليمن الذي يغرق في مستنقع الفوضى بعد أن أصبح بيدقا في حرب باردة إقليمية بين المملكة العربية السعودية السنية، وجمهورية إيران الشيعية.

آخر ما يمكن أن يريده أي شخص هو أن نشهد أزمة خلافة في عمان، أو أن ترتد البلاد إلى تلك الحالة من الفوضى التي كانت عليها عندما تولى السلطان «قابوس» الحكم في عام 1970. وعلى الرغم من ذلك فإن بقاء عمان مستقرة وموحدة في محيط من الاضطرابات يمكن أن يكون أكثر صعوبة مما يبدو عليه. تخيل، على سبيل المثال، إمكانية أن يمتد جزء من الفوضى التي تسيطر على الدول الفاشلة في خليج عدن سواء أريتريا أو الصومال أو اليمن نحو عمان.

قابوس، سلطان عمان البالغ من العمر 75 عاما، لا يوجد لديه أشقاء، ولا زوجة، ولا أولاد، ولم يقم بإعداد شخص بعينه لخلافته. في أعقاب مخاوف خطيرة تتعلق بصحته على مدار العامين الماضيين، فإنه ليس من الواضح بعد أن عمان قد صارت مستعدة لمرحلة ما بعد «قابوس». على الرغم من أن السلطان عاد إلى بلاده في مارس/أذار الماضي، بعد أن قضى 8 أشهر في رحلة علاج في ألمانيا حيث يعتقد أنه مصاب بالسرطان على الرغم من تكتم مستشاريه حول طبيعة مرضه. إلى الآن، لا يوجد أحد يمكنه الوقوف بشكل دقيق على طبيعة حالته الصحية.

ظلال «قابوس» الطويلة

تكثر التهكنات أيضا حول مستقبل العاهل السعودي المريض الملك «سلمان بن عبدالعزيز» البالغ من العمر 79 عاما. يعتقد الأمريكيون أنهم كانوا على دراية بالرجل الذي سوف يخلف «سلمان»، وزير الداخلية البالغ من العمر ستة وخمسين عاما، «محمد بن نايف»، الذي يحظى بتقدير كبير في الولايات المتحدة وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب. لكن هناك تقارير تفيد بأن الأمير «محمد» يعاني من مشاكل صحية في ظل حضوره الضعيف تحت حكم الملك «سلمان». وزير البالغ الثلاثيني الأمير «محمد بن سلمان»، نجل الملك، يحتل الآن الموقع الثاني في ترتيب ولاية العرش. ومع صعود نجمه بشكل كبير، فإن المسؤولين الأمريكيين يواصلون السعي إلى كسب وده.

سوف يكون مجلس الخبراء الذي تم انتخابه مؤخرا في إيران، ويحوي مجموعة كبيرة من الإصلاحيين، مسؤولا عن تحديد من سيخلف «علي خامنئي»، البالغ من العمر سبعة وسبعين عاما والذي يحتل موقع المرشد الأعلى. في البحرين ذات الأغلبية الشيعية، تحدد «البكورة» خط الخلافة (يخلف الملك ابنه الأكبر)، في حين يبلغ الملك السني «حمد بن عيسى» الآن 66 عاما. أمير الكويت، الشيخ «صباح الأحمد الجابر الصباح»، يبلغ من العمر 87 عاما، في حين تتنازل أجنحة العائلة المالكة منذ سنوات علنا حول الخلافة. «خليفة بن زايد بن سلطان آل نهيان»، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، يبلغ من العمر 67 عاما وهو الحاكم الثاني للبلاد منذ تأسيسها. لن تكون أي من تلك التحولات سهلة بالضرورة.

ولكن في عمان، من المنتظر أن يكون الانتقال أكثر صعوبة بسبب طبيعة حكم السلطان «قابوس». من أجل نفهم نجاح عمان الحديثة، علينا أن ندرك بالأساس أنها كانت قائمة على رؤية رجل واحد: «قابوس» نفسه. على الرغم من أن حكم سلالة آل سعيد يعود إلى عام 1744، وأنها اكتسبت نفوذا كبيرا من تعاونها مع البريطانيين، فإن والد «قابوس»، «سعيد بن تيمور» جاء إلى السلطة عام 1932 بينما كانت عمان أشبه ببركة راكدة. على الرغم من عمان حصلت على استقلالها الكامل عن بريطانيا في عام 1951، كان والد «قابوس» يبدو ملتزما بإبقاء بلاده بلدا من الدرجة الثالثة. كان لدى العمانيون فيما يبدو طموحات مختلفة. أطلق البدو الجنوبيون والعشائر في محافظة ظفار تمردا ماركسيا في عام 1965. وفي ظل دولة كان توشك على السقوط، قام «قابوس» بالانقلاب على والده عام 1970 ونفيه إلى بريطانيا، حيث توفى في المنفى في وقت لاحق.

في غضون خمس سنوات، نجح «قابوس» بمشاركة عمه القوي «سيد طارق بن تيمور آل سعيد»، وبدعم من القوات البريطانية، الإيرانية والأردنية، في إخماد تمرد ظفار. ولم يضع الوقت بعد ذلك قبل أن يبدأ حملة لتحديث عمان بمساعدة صناعة النفط الوليدة، حيث بدأت عمان ضح النفط في عام 1967. سلطنة عمان ليست عضوا في منظمة أوبك وهي تضخ اليوم قرابة 951 ألف برميل من النفط يوميا. هذا بعيد كل البعد عن المملكة العربية السعودية (أكثر من 11.6 مليون برميل)، والإمارات العربية المتحدة (أكثر من 3.4 مليون)، والعراق (أكثر من 3.3 مليون)، أو حتى الكويت (أكثر من 2.7 مليون) أو قطر (أكثر من مليوني برميل)، ولكنه كاف لجعلها واحدة من بين أكبر 20 منتجا في العالم.

ذهب «قابوس» في جهوده إلى ما هو أعمق من ذلك، حيث كان راغبا في إعادة صياغة عمان كمجتمع حداثي. شرع «قابوس» في تأسيس بنية تحتية مذهلة في جميع أنحاء البلاد جنبا إلى جنب مع إصلاح نظام التعليم، كما عمل على توفير مستوى لائق من المعيشة لجميع العمانيين، حيث كان الكثير منهم يعيشون تحت خط الفقر في السبعينيات. في بداية حكم السلطان «قابوس»، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لا يتعدى 354 دولارا قبل أن يبلغ ذروته في عام 2008 ليصبح 23 ألف دولار متساويا مع السعودية أو البحرين. في تصنيف الشفافية الدولية لعام 2015، كانت معدلات الفساد في سلطنة عمان شبيهة لمعظم مناطق جنوب أو شرق أوروبا، وأفضل من معظم دول الشرق الأوسط. على وجه الخصوص، أولى «قابوس» اهتماما خاصا بحقوق المرأة التي تم تشجعيها على الانضمام إلى القوى العاملة في السبعينيات وحصلت على حق المشاركة في الانتخابات في البلاد في عام 1997 وحق تملك الأراضي في عام 2008. (أولى قابوس اهتماما خاصة بالمرأة العمانية).

لا تزال السلطة في البلاد مركزة بشكل كبير في أيدي «قابوس». يشغل السلطان أيضا منصب رئيس الوزراء ويتحكم في معظم السلطات بكل كبير. وعلى الرغم من انتخاب مجلس الشورى العماني (تم عقد الانتخابات الأخيرة عام 2015) لا يزال البرلمان العماني مجرد مجلس استشاري يقدم المشورة للسلطان. وعلى الرغم من أن «قابوس» يصنف في معظم الأحيان على أنه حاكم جيد (صفه روبرت كابلان في مقال شهير له بمجلة فورين بوليسي في عام 2011 أنه رجل النهضة العماني الذي حول بلاده إلى دولة حقيقية)، إلا أن هناك القليل من الانتقاد العلني للسلطان «قابوس»، كما يتعرض الصحفيون للحبس أحيانا بتهم ملفقة. هناك 1.8 مليون عامل وافد في السلطنة غالبا ما يتعرضون إلى انتهاكات حقوقية، في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى خفض أعدادهم من أجل توفير فرص عمل للعمانيين.

باختصار، بالنسبة لبلد يبلغ متوسط الأعمار فيه 24.9 عاما (يجعل عمان حتى أكثر شبابا من مصر) فإن معظم العمانيين لا يعرفون أي عمان أخرى سوى تلك التي يحكمها السلطان «قابوس». وكما كتب «كابلان» في عام 2011: «قابوس هو شخص فريد من نوعه في العالم العربي وهو غير متزوج، يعيش وحده، يلعب العود ويؤلف الموسيقى».

خطة الخلافة

إذا كان «قابوس» أو العائلة المالكة لديهم خطة للخلافة فمن الطبيعي أن يلتزموا الصمت حيالها. ولكن هذا التعتيم يسبب قلقا عميقا لدى الجهات الفاعلة في المنطقة، بما في ذلك إيران والمملكة العربية السعودية وحتى الولايات المتحدة. يتزامن هذا القلق مع فترة اقتصادية مؤلمة لعمان حيث تسبب انخفاض أسعار النفط في هبوط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 20 ألف دولار إضافة إلى تفاقم مشكلة البطالة. في وقت سابق من هذا الشهر، قالت وكالة موديز في تقرير لها إن الاعتماد العماني على النفط والغاز (بين عامي 2010 و2015 مثل النفط والغاز حوالي 70% من إجمالي الصادرات و90% من الإيرادات الحكومية) يجعلها أكثر عرضة للصدمات في أسعار السلع العالمية. رغم كل الإنجازات التي حققها «قابوس»، فإنه لم يقم بتنويع الاقتصاد العماني. الخوف هو أنه على الرغم من نجاحات «قابوس»، فإنه سوف يورث السلطان المقبل بلدا ذا كثافة سكانية كبيرة وكتلة شبابية خاملة، وتوقعات اقتصادية منخفضة. (التعتيم حول خلافة قابوس يسبب قلقا للولايات المتحدة).

على عكس الأسر الحاكمة الأخرى في الخليج، فإن «قابوس» لم يسلم المناصب العليا للدولة لأفراد العائلة الحاكمة ما يجعل التكهن بخليفته أمرا أكثر صعوبة. رسميا، يلزم القانون الأساسي العماني عائلة آل سعيد باختيار خليفة في غضون 3 أيام من وفاة السلطان «قابوس». إذا فشلت الأسرة في التوافق فإنه سيكون عليها أن تفتح خطابا كتبه قابوس نفسه يوصي فيه بخليفته. قد يبدو هذا واضحا بما فيه الكفاية، ولكن لا يوجد طريقة لمعرفة ما إذا كانت وفاة «قابوس» من شأنها أن تحفز هذا النوع المكبوت من الاقتتال الملكي الذي تعرفه دول الخليج الأخرى.

أبرز الوجوه المعروفة ربما يكون ابن عم «قابوٍس»، «فهد بن محمود آل سعيد» نائب رئيس الوزراء منذ عام 1970. كثيرا ما يمثل «فهد» السلطان في الخارج. وقد حضر المؤتمر الأمني ين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي في كامب ديفيد العام الماضي. ولكن «فهد» نفسه يبلغ الآن من العمر 70 عاما.

هذا يعني أن أنظار المراقبين تتجه إلى الأبناء الثلاثة لأصغر أعمام «قابوس»، «سيد طارق بن تيمور آل سعيد»، وهم «أسد بن طارق»، و«هيثم بن طارق»، و«شهاب بن طارق». يبلغ «أسد» من العمر 66 عاما وخدم كقائد للقوات المسلحة العمانية مما أثار تكهنات بأنه يمكن أن يكون الخليفة القادم بدعم من الجيش. «هيثم»، الذي يبلغ من العمر تسعة وخمسين عاما يشغل منصب وزير الثقافة في البلاد، في حين أن «شهاب» هو قائد البحرية الأسبق.

وبغض النظر عن هوية من سيخلف «قابوس»، فإنه لن يمتلك هذا القدر من السلطة التي يحوزها «قابوس» اليوم. بإمكان النزاع حول الخلافة في البلاد أن يشعل الصراعات الداخلية على السلطة وخاصة بين زعماء القبائل في المناطق الداخلية من البلاد، والتي كانت تتمتع بالحكم الذاتي حتى عصر السلطان «قابوس».