لماذا أصبحت الدول العربية دولا فاشلة؟

مؤخرا قتل «أبو محمد العدناني»، مسؤول الإعلام في تنظيم الدولة. تم الترويج لهذا الأمر على أنه نجاح كبير من قبل الدول التي تحاول تدمير قدرات التنظيم. كما تبادلت كل من الولايات المتحدة وروسيا الادعاء أن هجماتها الجوية كانت مسؤولة عن مقتله.

وتخوض قوات كل من الولايات المتحدة وتركيا والحكومة العراقية والميليشيات الشيعية، والأكراد السوريين، وإيران، وروسيا، الحرب ضد تنظيم الدولة على الرغم من الخلافات والخصومات فيما بينها. ووفقا لأحد التقديرات، فقد التنظيم ربع الأراضي التي سيطر عليها في قمة نجاحه.

فشل الدولة

ومع ذلك، فإن تشويه سمعة قدرات «تنظيم الدولة» على الأراضي التي فقدت في سوريا والعراق لن يحل مشكلة الفوضى والعنف في هذه البلدان. إن المشكلة الكامنة وراء ظهور القوى الجهادية العنيفة، العابرة للحدود، هو عدم وجود قدرة للدولة في هذه البلدان. وبعبارة أخرى، فإن تقاعس الدول عن توفير الأمن الكافي لسكانها وتنظيم التفاعلات داخل المجتمع بطريقة يمكن التنبؤ بها هو الذي وفر مساحة للجماعات مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة كي تزدهر في العراق وليبيا وسوريا. هذه المجموعات تقوم بشراء ولاء السكان الذين يطمحون إلى السيطرة، من بين أمور أخرى، وتقوم باستدعاء التشدد الديني. وعلاوة على ذلك، كما يوضح مثال أو نموذج تنظيم الدولة، فقد أقاموا هياكل الدولة البديلة لتوفير درجة من الأمن للناس الذين هم على استعداد لتزويدهم بالرجال والمال، في مقابل الحماية.

إن انتشار الخصومات والصراعات في هذه الدول الطائفية والعرقية يمكن أن يعزى إلى نفس السبب. لأنه، عندما تفشل الدول في أداء المهمة الأولية وهي توفير الأمن للسكان، أفراد وجماعات فإن الناس تبحث عن مظلة حماية بديلة. وعند تولي أصحاب المشاريع الطائفية والعرقية وظائف أجهزة الدولة، تنتقل أجزاء من ولاءات المواطنين ومواردهم في مقابل الحماية والأمن. وهذا يطلق أيضا المنافسة بين الجماعات الطائفية والعرقية لمحدودية الموارد المتاحة، وفي النهاية يؤدي إلى احتدام الصراعات بين الطوائف والأعراق، إذا لم تكن الحرب شاملة.

عملية فشل الدولة في العالم العربي، في مرحلته الأخيرة، ليس له جذور لا في الآيات القرآنية التي يتفاخر بها الجهاديون لتبرير العنف، ولا في التاريخ الذي يبلغ عمره 1400 عام من الانقسام بين السنة والشيعة. وقد استخدام أصحاب المشاريع الطائفية ذلك لتبرير العداء تجاه الآخر. تعود أصول هذا الفشل في الحقيقة إلى الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، والذي كان مصحوبا ببرنامج متعمد يهدف إلى تدمير أجهزة عسكرية ومدنية في الدولة، وهو مشروع سمى مجازا «اجتثاث البعث». أدى الغزو الأمريكي إلى تحطيم الدولة العراقية مع السماح بتوسع الراديكالية والتطرف والجهادية والتي تتهم الآن بالمسؤولية عن الفوضى والفوضى في الشرق الأوسط. وقد تم ذلك من خلال خلق فراغ سياسي هائل ملأته القوى المتطرفة، والتي جاء بعضها من أفغانستان، وانتقل مع تنظيم القاعدة الذي تم إنشاؤه في العراق، على يد «أبو مصعب الزرقاوي»، والذي تحول فيما بعد إلى تنظيم الدولة.

تم شغل الفراغ الذي خلفه تدمير الدولة العراقية في وقت واحد من قبل جماعات طائفية متناحرة، وأدى إلى اشتداد الصراع الشيعي السني الذي غاب لعقود من الزمن، إن لم يكن لقرون. وقد تفاقمت المشكلة بسبب فشل الحكومات العراقية بعد الغزو في التصرف بشكل محايد بين الجماعات الطائفية المتنافسة، ولأن قادة هذه الحكومات كان معظمهم من أصحاب المشاريع الطائفية الشيعية نفسها. ونتيجة لذلك، فإن معظم السنة فقدوا الثقة تماما في قدرة الدولة على توفير الحماية لهم. وهكذا ولدت الميليشيات القبلية السنية، كما أعطى هذا المناخ أيضا فرصة جديدة لعودة الحياة إلى بقايا حزب البعث. والأهم من ذلك أنه أدى إلى نقل الدعم السني للجماعات المتشددة مثل تنظيم القاعدة في العراق، وفي نهاية المطاف إلى خليفته، تنظيم الدولة.

هناك أنماط مماثلة واضحة في ليبيا بعد سقوط نظام «القذافي»، وفي سوريا مع فقدان «نظام الأسد» السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد. في كلتا الحالتين، كما هو الحال في العراق، كان التدخل الأجنبي مسؤولا إلى حد كبير عن انهيار الدولة. في حالة ليبيا، تصرف الناتو كذراع جوية للقوات المناهضة للقذافي، وقام بتوفير الدعم الحاسم الأخير الذي مكنه من إسقاط النظام القديم، ودخلت ليبيا في دوامة من الفوضى. ومن المستبعد جدا أن «القذافي» كان يمكن الإطاحة به من دون دعم مفتوح من حلف الناتو للقوات المناوئة له. وهذا ما أكده عديدون منهم «هيلاري كلينتون».

تشبه قصة سوريا ذلك إلى حد كبير. حيث كان الدعم الخارجي للقوات المناهضة للأسد حاسما في دفع النظام من أجزاء واسعة من البلاد. ولكن عدم قدرة جماعات المعارضة المدعومة من الخارج، سواء على توجيه الضربة القاتلة لنظام «الأسد»، أو إيجاد هياكل دولة قابلة للحياة في أجزاء البلاد التي يسيطر عليها، أدى إلى فراغ في السلطة، وبالتالي مهد الطريق لظهور تنظيم الدولة وإعلان الخلافة في نهاية المطاف. كما شجع الجمود العسكري في سوريا اشتراك القوى الإقليمية مثل السعودية وإيران وتركيا في الصراع من أجل مصالحهم الخاصة. وجعلت الحرب أيضا روسيا والولايات المتحدة على طرفي نقيض من الحرب الأهلية، الأمر الذي فاقم من الفوضى في البلاد. وهكذا أصبحت سوريا في واجهة الساحة الرئيسية لمدة سنتين على الأقل في واحدة من أهم الحروب الباردة في الشرق الأوسط، سواء بين إيران والسعودية أو بين الولايات المتحدة وروسيا.

التدخلات الأجنبية

صحيح أن سوريا عانت كما العراق وليبيا وعدة دول عربية أخرى من هشاشة الدولة وانعدام شرعية النظام قبل التدخل العسكري الأجنبي. فرغم ذلك، كان المتغير الحاسم الذي دفع الأمور عبر الخط من هشاشة الدولة إلى انهيار الدولة هو التدخل العسكري الأجنبي.

في اعتقادي أن الشعوب في هذه البلدان كانت قادرة على تغيير الأنظمة من خلال عملية تمرد مستقلة أو على الأرجح، أن التصالح مع الأنظمة شبه السلطوية، طبقا لما يمكن أن نستفيده من تاريخ أوروبا الغربية وضرورات المراحل الأولى لتكوين الدولة.

إن فرنسا لم تكن فرنسا، وإنجلترا لم تكن انجلترا، ولم يكن آل كابتيان أو آل بوربون قادرين على فرض النظام، ولم يكونوا على درجة كبيرة من التجانس من حيث القانون واللغة وحتى الدين. كان يغلب عليهم التنوع أكثر حتى سكان سوريا والعراق. ونجح حكام فرنسا وانجلترا أيضا على مدى قرنين أو ثلاثة في محو الهويات البدائية لدى رعاياهم إلى حد كبير. في الواقع، فقد نجحوا من خلال صنع الأسطورة وخلق ذكريات تاريخية لإقناع معظم سكانهم بأنهم كانوا دائما فرنسيين وإنجليز، وبالتالي غرسوا في نفوسهم شعورا بالفخر الوطني.

نظرت من هذا المنظور إلى سوريا، العراق، ليبيا وعدد من الدول العربية الأخرى التي تم إنشاؤها بعد الحرب العالمية الأولى، على الرغم من عدم وجود فوارق كبيرة في التجانس الطائفي والعرقي إلا أن حدودها وضعت من المستعمر، ولا يبدو أنها كانت تجربة مختلفة جدا عن ملحمة الأوربيين في صنع دولتهم.. ما هو مختلف هو العصر الذي ولدوا فيها، وعدم وجود الوقت الكافي لبناء الدولة، ووجود المعايير الدولية المقيدة لجهود بناء الدولة من خلال توقع أن ترقى إلى معايير السلوك «المتحضر» تجاه شعوبها.

ما هو مختلف للغاية اليوم، بالمقارنة مع القرن السابع عشر والثامن عشر في أوروبا، أن صناع الدول الأوروبية كانت لديهم فرصة صياغة استراتيجيات صنع الدولة من دون خطر كبير للدخل الخارجي الذي يقوم ظاهريا على حماية حقوق الإنسان. وكان مثل هذا التدخل الأجنبي هو المسؤول الأول عن هلاك الدول العراقية و الليبية والسورية وهذا واضح الآن وضوح الشمس. وكما ذكر في وقت سابق، أنتج تدمير هذه الدول ظاهرة التوائم الجهادية العنيفة، التي تمثلها الآن تنظيم الدولة وسائر الميليشيات الطائفية.

من جديد، لا الجهاد العنيف ولا الصراعات الطائفية في شكلها الحالي يعود أصلها، كما يفترض عادة من قبل العديد من المراقبين الغربيين، إلى تعاليم وعقائد الإسلام أو إلى الخلافات التاريخية في الإسلام التي تعود إلى ألف وأربعمائة سنة. هناك أصول لفشل الدولة لأسباب خارجية في العالم العربي. تنظيم الدولة وغيره من قوى التطرف العنيف، وكذلك أشكال الصراع بين السنة والشيعة الذي نشهده حاليا في الشرق الأوسط، ليست سوى أمور هامشية. فشل الدولة الناجم عن التدخل الأجنبي هو أساس الفوضى التي نراها الآن في العالم العربي. ولكن تنظيم الدولة والميليشيات الطائفية والقوات الثانوية استفادت من تدمير هياكل الدولة في العالم العربي، وذلك بفضل التدخل الأجنبي لأسباب في معظمها لا علاقة لها بحقوق الإنسان والشعوب العربية. هذا السبب وضع ظاهريا للتغطية على مثل هذه التدخلات من جانب القوى الغربية الكبرى.

هذه ليست حجة لتبرير استمرار الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي. ولكنها فرصة من أجل تعلم بعض الدروس غير المستساغة بحيث لا ينتهي الأمر بما يضر الدول الكبرى أكثر مما ينفعها عن طريق تكرار نفس السياسات في المستقبل. هذه ليست حجة لتبرير استمرار الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي. ولكن من أجل تعلم بعض الدروس غير المستساغة بحيث لا ينتهي الأمر بما يضر الدول الكبرى أكثر مما ينفعها عن طريق تكرار نفس السياسات في المستقبل.

سياسات رد الفعل السلبي التي تؤدي إلى فشل الدولة يمكن أن تكون أكثر خطورة من التقاعس في مواجهة الظلم، لأن حالة غياب الأمن التي لا يمكن مواجهتها إلا من خلال دولة فاعلة، لا يمكن بدونها للقيم الأخرى، بما في ذلك حقوق الإنسان، أن تزدهر. دعاة «مسؤولية الحماية» من شأنهم أيضا التفكير جيدا في تجارب ما يسمى «التدخلات الإنسانية» في العالم العربي وخارجه. ومن المرجح أن يكون هذا بمثابة تحذير لهم، حيث أن ما يعتبرونه الأفضل في كثير من الأحيان يمكن أن يتحول ليكون عدوا. ومن الجيد العمل على تحليل دقيق لهذه التدخلات.

المصدر | ناشيونال إنترست