ما الذي تريده روسيا من مغامرتها في الشرق الأوسط؟

أصبحت روسيا الدولة التي لا يمكن بدونها حل النزاع في سوريا. تريد موسكو حوارا مع واشنطن يهدف إلى استعادة مكانتها كقوة عظمى. تدور اللعبة الروسية في سوريا، كما لاحظ الرئيس «أوباما» بحق خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حول «استعادة المجد الضائع من خلال استعراض القوة». ولكن روسيا تلعب في الواقع لعبة دبلوماسية متطورة للغاية. سوريا هي مجرد أداة في استراتيجية أكثر طموحا لموسكو لاستعادة مكانتها كقوة عظمى.

في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني، سيقوم الأمريكيون باختيار رئيسهم المقبل. كيف ستدير «هيلاري كلينتون» أو «دونالد ترامب» الأوضاع في سوريا؟ وهل سوف تعتمد الإدارة الجديدة كثيرا على روسيا ونواياها؟ بالتأكيد، بالنظر إلى المصالح المحلية الأمريكية والوعود الانتخابية، فإنها من المرجح أن تستمر في التركيز على الدولة الإسلامية. ولكن روسيا لديها هدف أوسع من الدولة الإسلامية. كان تدخل موسكو في الحرب الأهلية السورية، التي اشتدت مع نشر قوات برية في سبتمبر/أيلول عام 2015، بقدر ما هو دليل على رغبة الكرملين في دعم الحكومة السورية فقد كان أيضا دليلا على التحالف الاستراتيجي بين روسيا وإيران. كان هناك حديث حتى عن «التحالف الشيعي» بقيادة طهران لتحدي الكتلة السنية، التي تتكون من عدة بلدان تعتمد على واشنطن.

لا تزال روسيا وإيران بعيدتان عن تحالف كامل. وجاءت ملابسات الروس مؤخرا قاعدة جوية في همدان كدليل على ذلك. ففي تاريخ 16 أغسطس/آب، منحت الجمهورية الإسلامية إذنا لسلاح الجو الروسي بنشر طائرات قاذفة قنابل لمهاجمة مواقع المتمردين السوريين. ولكن، بعد أقل من أسبوع، سحبت إيران الإذن. روسيا وإيران لديهما الآن العديد من المصالح الإقليمية المشتركة، لاسيما في سوريا، ولكن هناك توترات تاريخية لم تحل بعد، بسبب الغارات السوفيتية على الأراضي الإيرانية بعد الحرب العالمية الثانية. وعلاوة على ذلك، فإن موسكو لا تريد لإيران امتلاك أسلحة نووية. وتخشى روسيا أيضا أن اتفاق نووي شامل قد يقود في النهاية إلى تقارب طهران وواشنطن. وهذا من شأنه الحد من النفوذ الروسي كثيرا.

أما بالنسبة إلى سوريا، فإن روسيا تريد «إنقاذ» حليفها السوري. إنها تريد أن تظهر أنها يمكنها تقديم «الحماية» الفعالة للحلفاء. كما ترى روسيا هزيمة الحركات الجهادية السنية كمسار لاحتواء النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط. سوريا هي مفترق طرق بالنسبة لجميع العناصر الثلاثة. موسكو تريد الحفاظ على وجود حكومة صديقة في دمشق وعلى القواعد البحرية على البحر المتوسط، وتأكيد مكانتها كقوة عظمى. الروس يرفضون تغيير النظام إلى نظام يقوده الغرب. هذا ما كانوا يريدون منعه، ولكن هذا لا يعني الدفاع عن القيادة السياسية للأسد بأي ثمن.

لدى روسيا أيضا علاقات أكثر واقعية في الشرق الأوسط. رغم أم طهران تعتبر (إسرائيل) عدوا وجوديا، إلا أن موسكو حرصت على توثيق علاقاتها مع (إسرائيل) خلال الأشهر القليلة الماضية. تحتفظ موسكو بعلاقات مع مصر وتركيا والدول السنية الأخرى التي لا تتمتع بعلاقة جيدة مع إيران. كما تتنافس روسيا وإيران في مجال النفط والغاز وكلاهما يدعي أحقيته في الأراضي في منطقة بحر قزوين. لذلك، تحافظ روسيا على علاقاتها مع إيران، في حين لا تزال قادرة على مواصلة العلاقات والفرص مع البلدان الأخرى في المنطقة، بغض النظر عن النزعة الإيديولوجية أو الجغرافيا.

في سوريا، تسعى روسيا تسعى إلى تحقيق أهداف مستقلة خاصة بها. ويمكن تلخيصها في ثلاثة أهداف، الأمر الرئيسي هو هزيمة الميليشيات الإسلامية مثل تنظيم الدولة ومنعهما من مد نفوذها إلى الجمهوريات الروسية غير المستقرة بالفعل مثل الشيشان. وتبين خريطة الشرق الأوسط مدى قرب الحدود الروسية من سوريا. تريد روسيا أيضا استعادة بعض من هيبة الاتحاد السوفييتي السابق. كان الاتحاد السوفييتي الراعي السابق لسوريا والعراق (حتى عندما كانت هذه الدول أعداء في الثمانينيات والتسعينيات). وأخيرا، وعلى نحو متصل، يريد الكرملين استعادة مكانته الدولية.

لا يزال الروس يشعرون بلدغة من الذل في تعرضهم للهزيمة الظاهرية من الغرب، وعدم قدرتهم على وقف موجة الديمقراطية التي قصمت الستار الحديدي في 1989–1990. ليس هناك دليل أكبر على الإحساس بالمهانة الروسية من حقيقة أن العديد من أولئك الذين شهدوا انهيار الاتحاد السوفيتي يكرهون «ميخائيل غورباتشوف».

يريد «بوتين» استعادة هيبة روسيا الدولية كما يريد العديد من الروس. وجزء من هذا ينطوي على الانفتاح على سوق أوسع للأسلحة الروسية. وهذا يفسر أيضا براغماتية «بوتين». استخدمت سوريا كمعرض للصواريخ والطائرات الروسية. وزودت روسيا إيران بنظام «S-300»وأنظمة مضادة للطائرات لازمة لحماية منشآتها النووية. في سوريا، لا يزال الروس يعتقدون أنهم يستطيعون إقناع الاأيركيين بقبول موقفهم والتخلي عن مطلبهم بتنحي «بشار الأسد». يعتقد «بوتين» أيضا أنه يمكن الاستمرار في محاربة الدولة الإسلامية مع الولايات المتحدة، على أمل أنه يمكن إقناعهم أن الكثير من الثوار هم متمردين إسلاميين. وتسعى موسكو كذلك للتوصل إلى حل سريع للحرب الأهلية السورية، لأن الروس مقتنعون بأن «هيلاري كلينتون» سوف تكون معادية لهم أكثر من «أوباما».

في المجال الأوسع، دعمت موسكو مطالبات الصين في جزر في بحر الصين الجنوبي. وتوافقت مع تركيا، واستفادت من غضب أنقرة ضد الغرب، حيث كانت هناك انتقادات واسعة النطاق جراء محاولة الانقلاب في يوليو/ تموز الماضي. تطمح روسيا في سحب تركيا بعيدا عن حلف الناتو نفسه. بالتأكيد، يبدو أن تركيا تهتم بالتقارب الروسي خاصة مع تعثر مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي. يستخدم «بوتين» الانقلاب كوسيلة ضغط لسحب تركيا نحو آسيا وسلسلة للتجارة الناشئة والتحالفات الدبلوماسية مثل منظمة شنغهاي للتعاون.

وبعبارة أخرى، تريد روسيا أن تستعيد مكانتها على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، ولاسيما دبلوماسيا. وفي الوقت الذي انسحب فيه «أوباما» من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يحاول «بوتين» تنظيم قمة في الكرملين بين «بنيامين نتنياهو» و«محمود عباس». يحب «بوتين» أن يتدخل في الأزمات التي تتجاهلها واشنطن أو ساهمت في تفاقمها. في سوريا، يرى كثيرون أن الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة لعبوا دورا رئيسيا في تفاقم الحرب الأهلية، سواء عبر تمويل المعارضة أو قبل ذلك عن طريق المغامرة الكارثية في العراق. من خلال استعادة سلطة «الأسد» في سورية، إن أمكن، تستخدم موسكو الحرب الأهلية السورية لزعزعة استقرار حلف شمال الأطلسي، واللعب على الخلاف بين تركيا وحلف شمال الأطلسي.

المصدر | جيوبوليتيكال مونيتور